أميركا.. إلى أين؟

العدد 2 - آب 2005 : رشا عزيز محفوض
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 
في نهاية الثمانينيات انتهى الاتحاد السوفييتي وانهار جدار برلين، واحتفلت شعوب أوروبا الشرقية بهذا اليوم الجديد، وأجبرت حكومة جنوب أفريقيا العنصرية على إطلاق سراح نيلسون مانديلا، وفي أميركا اللاتينية جرت للمرة الأولى انتخابات ديمقراطية في هاييتي وظهر في ذلك الوقت أن كل شيء يمكن تحقيقه، وعلى الرغم من ذلك كانت واشنطن تحتفل بطريقتها بقصف وغزو بنما وفي نيكاراغوا واصلت تدخلها في الانتخابات من أجل إسقاط الساندنيين، كما قامت بخلع الحكومات التي اختارتها شعوب ألبانيا وبلغاريا بعد انتهاء النظام الشيوعي فيها، وفي عام 1991 بدأ القصف المكثف على العراق خلال 40 يوماً بلا رحمة لاحتلاله الكويت بفخ أميركي، لم تتوقف الإدارة الأميركية هناك بل انطلقت نحو الصومال، وعملت جاهدة في البيرو والمكسيك والإكوادور وكولومبيا لإنهاء الحركات اليسارية هناك ثم توجهت واشنطن لقصف يوغوسلافيا المعارضة لسياستها لمدة 78 يوماً، وما زال القصف على أفغانستان والعراق مستمراً.. لكن.. ما الذي يحدث؟!..

العدو من يقف بوجهنا ـ الشيوعية كذبة ـ

لقد تعلم الأميركيون منذ الطفولة أن الحرب الباردة ومن ضمنها الحرب في كوريا والفيتنام والميزانيات الضخمة للجيش وجميع الغزوات الأميركية وقلب الحكومات وما يعرفه الأميركان وما لا يعرفوه كانت تمثل كفاحاً ضد خطر وتهديدات المؤامرات الشيوعية الدولية والتي اتخذت من موسكو مقراً لها.

أما الآن، انتهت الشيوعية وحلف وارسو وتحولت الدولة إلى الرأسمالية لكن السياسة الخارجية الأميركية لم تتغير وبقي الحلف الأطلسي الذي تأسس لحماية أوروبا الغربية من الغزو السوفييتي وأخذت قوته تزداد وتتسع مهامه لتشمل العالم كله، ورغم أن ميثاق الحلف لا يلزم أي دولة بإرسال قوات إلى أفغانستان للقتال مع القوات الأميركية هناك فقد أرسل عدداً من قواته للمشاركة في الغزو، هذه الوقائع كلها تدل على أن اللعبة الأميركية كانت مزيفة، فالاتحاد السوفييتي لم يكن هدف الأعمال الأميركية الهجومية في أنحاء العالم ولم تكن هناك مؤامرة شيوعية دولية، بل العدو بنظر واشنطن هو أي حكومة أو حركة أو فرد يقف في وجه التوسع الذي تطمح إليه الإمبراطورية الأميركية بغض النظر عن الاسم الذي تخلعه على هذا العدو سواء سمته شيوعية أو دولة الشر أو مهرب المخدرات أو إرهابي.

ماذا تعرفون عن أورلاندو بوش؟

سؤالي هنا.. ما هي صفات رجل يحاول اغتيال عدد من الدبلوماسيين ويطلق قذائف مدفعية على سفن ترسو في الموانئ الأميركية ويضع المتفجرات في المباني التجارية دخل أميركا وخارجها؟ حديثي عن أورلاندو بوش الكوبي وليس من عائلة الرئيس الأميركي. يعيش أورلاندو الكوبي المنشق في مدينة ميامي بأمان واستقرار ولا تعترضه السلطات هناك بل إن المدينة الأميركية خصصت يوماً احتفالياً في كل سنة أسمته يوم أورلاندو بوش. أما قصته، بدأت يوم عملت الـسي أي اي على إطلاق سراحه في فنزويلا حيث كان يقضي عقوبة بالسجن لإدانته بتفجير طائرة مدنية، ولعب السفير الأميركي في فنزويلا أوتورايش الذي أصبح مساعداً لوزير الخارجية دوراً ضاغطاً للإفراج عنه.

وسلم أورلاندو للسلطات الأميركية عام 1988، واعتبره أحد القضاة الأميركيين إرهابياً، وتقرر طرده من أراضي أميركا، لكن الرئيس بوش الأب عرقل قرار طرده بعد أن طلب ابنه جيب بوش المسؤول عن فلوريدا وميامي ذلك، فهل هذا يدل أن بوش الابن والأب والعائلة ضد الإرهاب؟. لاشك أنهم ضد الإرهابيين الذين لا يتحالفون مع الإمبراطورية الأميركية، ولكي تتضح الصورة فقد كانت الطائرة المدنية التي فجرها أورلاندو كوبية، وطالبت السلطات الكوبية القضائية الولايات المتحدة بتسليمه لها لمقاضاته على هذه الجريمة وغيرها من الجرائم الخطيرة لكن واشنطن رفضت تسليمه في حين أنها طالبت الأفغان بتسليم بن لادن.

أميركا ملجأ الإرهابيين..

إذا كان بوش يكرر هجومه وانتقاداته تجاه دول يتهمها بإعطاء ملجأ للإرهابيين، فهل هناك دولة في العالم تمنح ملجأ للإرهابيين بالقدر نفسه الذي تمنحه أميركا؟ فأورلاندو واحد من عشرات آلاف الإرهابيين الكوبيين المنفذين لآلاف الأعمال الإرهابية ضد كوبا وداخل أميركا نفسها من تفجيرات واغتيالات وهم يعيشون في ميامي وفلوريدا بأمان منذ عشرات السنين إلى جانب إرهابيين آخرين خارقين لحقوق الإنسان في غواتيمالا والسلفادور وهايتي واندونيسيا وإن الـسي أي اي القائلة بأنها تبحث عن الإرهابيين في الكهوف والجبال في أفغانستان والعراق تشرب الأنخاب في الوقت نفسه مع الإرهابيين الذين تحميهم في حانات ميامي، وفي ضوء كل هذا كيف يمكننا فهم سياسة الحكومة الأميركية؟.

هل القادة الأميركيون وحوش بلا أخلاق في نظر شعوبهم؟

إن السياسة الخارجية الأميركية لا تملك أي عامل من العوامل الأخلاقية في تكوينها الأساسي ولعلَّ الشعب الأميركي مخدوع بسياسة بلاده ولا يستطيع أن يصدق الغير ويكذب حكومته التي تظهر أمامه مظهر النبلاء، فيشاهدون القادة على شاشات التلفزيون وفي الصحافة مبتسمين ضاحكين متظارفين، يرونهم مع عائلاتهم ويسمعونهم يتحدثون عن الله والحب والسلام، القانون، الديمقراطية، الحرية، وحقوق الإنسان، العدالة والبيسبول. كيف يمكن لمثل هؤلاء أن يكونوا وحوشاً بلا أخلاق. سيقولون: إن الأسماء التي يحملونها هي جورج وديك ورونالدو ورايس، وليس محمد وعبد الله وإن لغتهم بكل فخر هي اللغة الإنكليزية.

يد السارق ويد الأطفال..

إن محمد وعبد الله يبتران يد السارق عقوبة على السرقة، في أميركا لا يفعلون ذلك لأنه أمر مروع في نظرهم، إلا أن أناساً يحملون اسم جورج وديك ودونالد يقومون بإسقاط القنابل العنقودية على المدن والقرى وما لا يتفجر من هذه القنابل يتحول إلى ألغام أرضية وبعد ذلك يصطدم بها طفل فيفقد ذراعاً أو ساقاً أو ساقين وفي حالات أخرى عينين، فهذه القنابل تخلق إرهابها الخاص. إنّ قادة الولايات المتحدة لا يكترثون بهذه النتائج فطالما يحقق الموت والمعاناة للآخرين أهداف جدول العمل الأميركي، وطالما أن الأميركيين الذين يستحقون الأرباح من أفراد وشركات يستفيدون من هذا، وما يحمل لهم من امتيازات وطالما أن الموت لا يقترب من الأميركيين المقربين لهذه الشركات ومصالحها، كما أبدى قادة أميركا عدم الاكتراث دوماً حتى لو دفع ثمن ذلك الجنود الأميركيون في تلك البلدان.

رشا عزيز محفوض

Rashaaziz81@hotmail.com