العدد التاسع-آذار2006

الصورة ـ الأغنية ـ الجماهير-اضغط على الزر وسنتكفل بالباقي-عبارة أطلقتها شركة كوداك في العام 1888 لترويج مبيعاتها

الثلاثاء 18 نيسان (أبريل) 2006.
 

تعتبر مسألة الإبصار استمراراً لمسألة التقنيات التي فرضت على الإنسان شكلاً جديداً من الإدراك، مع كل ما يترافق مع هذا الإدراك الجديد من دمار وتشويه. ربما كنا نرى الكثير لكننا في الواقع لا نرى شيئاً. فالتقنيات التي رافقت عملية الإبصار شوّهت حقيقة الصورة وبدهيتها. فالكم الهائل المتسارع من الصور، وهو ما يعجز الفرد عن استيعابه أو حتى تحمله، خلّف بعداً نفسياً خاصاً. فالذاكرة، بما هي عضو محدد الوظيفة والدور، باتت عاجزة بل ومرهقة وهنا يحل سيل الصور المتلاحقة محل الإبصار وتصبح الصورة (بسرعتها) أهم من الفكرة (رغم ديمومتها). لكن الغريب والمأساوي في الأمر أن كلتيهما تنزاحان من الذاكرة التي تتعرض للنسيان، فالصورة تتلاشى ولا يبقى غير الفراغ الذي يحيط المرء من كل حدب وصوب. وأما الكلمات فتخلي المكان للصورة، إذ لا يمكن للكلمات أن يترجمها الخيال إلى صور.

صفحة جديدة 2

 فالصور جاهزة والأفكار منزرعة فيها. وهنا يعزز إنتاج الصور من دور الأيديولوجيا في المجتمع الرأسمالي ويفرض ثقافة بصرية. فالكاميرا تخضع الواقع وترفضه في آن معاً. كما أنها تحدد الواقع من خلال تصويرها الجماهير ومن خلال كونها أداة للرقابة يستخدمها الحكام في فرض أيديولوجياتهم. وهنا فقط يتم استبدال عملية التغيير الاجتماعي بتغيير في الصور. إن تضييق الخيار السياسي الحر وتحويله إلى نزعة استهلاكية اقتصادية حرة.. تطلب إنتاجية غير محدودة كما يفرض استهلاكاً للصور والأخيلة.

إني أمقت الكاميرا عندما لا أصل إلى تلك اللحظة من الحقيقة حيث يشعر المرء بنفسه وكأنه وردة تتفتح. عندما أشعر بهذا الثقب الأسود يرمقني، يجذبني أرغب في تحطيمه إلى عشرة ملايين قطعة.

ناستازيا كينسكي

إذا كانت بعض التيارات الحديثة في السينما قد تبنت نقل الأفكار والمضامين عبر الصورة والصورة وحدها، فإنما فعلت ذلك بدافع إثراء الفكر الإنساني بأساليب جديدة من التعبير لكنها أدركت وفي الوقت ذاته أن للصورة درجة إشباعها، إذ لا يمكن أن تحل الصورة محل العقل، وإلا تحول الإنسان إلى مجرد كائن يرى. وهذا ما لم تفهمه تقنيات الإبصار الحديثة التي دأبت على تصوير وأتمتة نفسها بقدر من السرعة لم يحدث من قبل. وكما عبر عن ذلك المخرج الفرنسي الطليعي ـ غودار ـ بلهجة انتقادية (لا يزال السينمائيون حتى اليوم، يصورون مشهد القبلة، بنفس سرعة الكاميرا التي يصورون فيها مشهد سيارة منطلقة). لقد ندد المثقفون والمفكرون بالوعي الزائف الذي تفرضه الصورة في أعمالهم. إذ كتب دانييل بورستين في كتابه الصورة: دليلك إلى الأحداث الزائفة في أميركا عن التجربة التي يخوض غمارها مع جميع الأميركيين تقريباً المعنيين بتنويعات جديدة وعديدة من الواقع المزيف، هذه التنويعات التي تشوش تجربتنا وتعمي بصيرتنا. لقد اختار بورستين أن يتماهى مع مجموع البشر الواقعين تحت تأثير سحر الصور عندما قال: لست أعرف وبحق ما هو الواقع. لكنني أعرف الوهم عندما أراه. إن هذا العالم الذي صنعناه بأيدينا والذي يبعدنا عنه جنون الصورة بات عالماً خالياً من أية مصداقية. فالعديد من اهتماماتنا نابع من فضولنا فيما إذا كانت انطباعاتنا تشبه الصور الموجودة في الصحف ودور السينما وفي التلفاز. بمعنى آخر، هل يمكن اعتبار مشاهد الحب التي نراها على الشاشة مثلاً هي ما يحدث في الواقع؟ ربما لم نعد لنختبر الصورة من خلال الواقع بل على العكس فنحن نختبر الواقع من خلال الصورة. لقد بات المصطنع شائعاً وبدا الطبيعي وكأنه مختلق، بكلام آخر، باتت تجربتنا اليومية غير قادرة على مواجهة العالم دون تقنيات تساعدنا على الإبصار. لقد جعلنا من أنفسنا ضحايا. إذ حولنا المثال إلى الصورة.

على الرقصة والمغنين أن يمتلكوا العالم

كوتزي ـ في انتظار البرابرة

يرى الدارسون أن القرن العشرين هو عصر الدعاية والإعلانات بامتياز. وهو بداية ما سمي بعصر المستهلك. وينسحب هذا الرأي على مختلف الصعد، لكنه يتجسد أكثر ما يتجسد في الفن على اعتبار أن الفن هو البؤرة التي يتم تقييم المجتمعات من خلالها. فماركوز يرى في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد أن الموسيقا الكلاسيكية تتعارض مع نظام الهيمنة الرأسمالية ونمط الحياة الاستهلاكية الذي تطاول على كل شيء بدءاً من الأغنية وانتهاءً بألعاب الأطفال.

لقد ألف الفرد في القرن العشرين الصورة السينمائية في البدايات، إلا أنه سرعان ما أدمن الصورة المغناة أو الأغنية المصورة التي اعتمدت أسلوب الإعلان والترويج للمطرب والأغنية وحتى لبعض الأماكن السياحية. ويرى بعض المراقبين أن استبدال الأغنية المسجلة في استوديو أو حتى الحية منها (على الهواء) بالأغنية الصورة كان نوعاً من تكريس تقنيات الإبصار. فقد حاولت الصورة بأبعادها أن تغيب من الإحساس الذي يفترض أن تحمله الكلمات مقترناً بأداء يفترض أنه رفيع. وإذا كنا لم نعد نفكر، فإننا الآن لم نعد نحس.

فالرسوم التي تظهر على الشاشة (كل الصور رسوم متحركة) تحفر عميقاً في مخيلة المرء الذي ما عاد يطيق كلمات أو ألحاناً، بل يريد ألواناً مجرد ألوان يستعيض بها عن أفكاره وأحاسيسه تقترن بشتات من علامات موسيقية لا يربط بينها رابط. وإذا بلغ الأمر ما بلغ فإن العقل غير الحداثي (جميع الدول في طور النمو ليست حداثية ولا تعرف من الحداثة سوى الشكل) سوف يرضخ دون أية مقاومة لسيادة الصورة بكل أبعادها الكارثية، خلافاً للعقل الحداثي الذي وظف الأغنية المصورة لطرح بعض الموضوعات التي تقلق بال مجتمعاته*.

في معرض تعليقه على موسيقا الجاز كتب سيدني فينكليشتين في الأربعينيات يقول إن الجاز هي موسيقا الشعوب. وبدأ كلامه عن العوامل التي لا تزال تعوق الجاز من أن يكون فناً ذا قيمة. وينتهي بوصفه كيف أن الجاز بات يطرق أبواب جميع الناس. فالجاز والكلام له يؤكد على أن الخلق الفني هو وظيفة اجتماعية وأن الموسيقا يجب أن تصنع للناس وهي شيء يصنعونه ويستمعون إليه. وأكد فرانسيس نيوتن بعد ذلك بإثني عشر عاماً أن الجاز احتفظ بموقعه ضمن علاقات حميمة غريبة ومعقدة مع الموسيقا الشعبية، فقد تعايشت موسيقا الجاز التي تعتبر فن الجماهير الديمقراطي الحق مع موسيقا البوب التجارية كما تعيش زنابق الماء في البرك الآسنة. وبالنسبة لمثقفين مثل فينكشتاين وهوبسباون بات الجاز التجسيد الأمثل للموسيقا الأصيلة التي تصدر من الناس وإلى الناس.

في نقاش موجز حول الأغنيات الشعبية، يضع غرامشي في اعتباره التصنيفات التالية: الأغنيات التي ألفها الشعب للشعب، والأغنيات التي تتوجه إلى الشعب لكنها لم تصدر عنه. وأخيراً الأغنيات المكتوبة التي لم يؤلفها الشعب ولا تتوجه إليه ويتم تبنيها من قبل أناس لأنها تتطابق مع طرقهم وأساليبهم في التفكير والإحساس. ويخلص غرامشي إلى القول إن جميع الأغنيات يجب أن ترجع إلى التصنيف الثالث. هذا الاستنتاج وبالطبع يرفض الافتراض القائل إن الثقافة الفولكلورية التي تتطابق مع التصنيف الأول، هي ثقافة شعبية أكثر أصالة من الثقافة الشعبية التجارية. وفي الواقع، فإن الأصل التاريخي أو الطبقي أو الصناعي للأغنية لم يعد أكثر أهمية من مطالبة الأغنية بالقيمة الفنية رفيعة كانت أم هابطة. إن ما هو هام بالنسبة لغرامشي هو أن الأغنية تعرف على أنها شعبية لأنها تتضمن تصوراً للعالم يتعارض مع ما يسميه التصور الرسمي له، وهي بذلك تمثل تصور الشعب عن العالم. لكن هذا التصور للعالم لا يمت بصلة مباشرة لأي وجهة نظر جماعة ما يمكن تعريفها على أنها (الشعب) كما أنه لا يمت بأي صلة لأي وجهة نظر تتبناها المعارضة. باختصار، لا يمكن لنا أن نعزو أي تعبير سياسي إلى الثقافة الشعبية رغم أنه بالإمكان أن نستخدم قوتها لتعريف وتحديد الأفكار والرغبات التي تعارض الثقافة الرسمية بشكل نسبي.

صخر يوسف الحاج حسين