العدد التاسع-آذار2006

مفترق طرق

الثلاثاء 18 نيسان (أبريل) 2006.
 

خلاصة القنوات التي تجاوز عددها عدد النعوات التي ألصقت على جدران شوارعنا

منذ زمن بعيد، وتلك التي أصبحت تطبع مسبقا، تقنية جديدة في طباعة النعوات، حيث لا الاسم مهم ولا العدد ولا حتى الزمان والمكان، ما يهم فقط هو المزيد من السواد. أما ما يستخلص من كل تلك القنوات أننا على مفترق طرق وكما يقال: المفترق الخطير جداً.

كثرت المفارق منذ ذلك اليوم الذي أصبحت فيه الطرق هي التي تختار مَنْ يطأها دون أن يكون لصاحب الحذاء رأي يذكر في وجهته، ولم يبق أمام مَنْ يرفض أن تختاره الطريق سوى أن يقف حافيا بانتظار عريه على مرآى من تجار المفارق والزواريب.

جاداً حاولت ملاحقة موجات التنظير والمداخلات وتتبعت زواريب التحليلات لعلي أصل إلى ذلك المفترق الخطير وأتبين بوضوح هذا الكم من المسالك والدروب. ولكنني كنت أنتهي دائما حيث بدأت وحيداً حاملاً تساؤلاتي والعديد من علامات الاستفهام: إلى أين أنتم ذاهبون؟ إلى أي مفترق أنتم متجهون؟ وأي طريق هو طريقكم؟..

في هذا العصر، عصر المنظّرين والمنتظرين على مفارق الطرق ضاعت الحدود بين السلب والإيجاب، بين الحياة والموت، بين الانزلاق على مفارق الطرق والسير السوي على الطرق الصحيحة. بين السندات المزورة والرصيد الحقيقي.

على كل تقاطع بيعت زاوية، وبعد كل حاكورة صغيرة اختلف عليها أحرقت كل المساحات المحيطة كي لا ينبت بعدها زرع. تركنا الطرقات المعبدة وسلكنا أكثر الطرق وعورةً ثم وقفنا نملأ الدنيا دهشةً وصراخاً.

لماذا تستمر مراكبنا بالتأرجح؟ ألسنا من قادتـنا طوائفنا وعشائرنا ومذاهبنا؟ ألسنا من ألصق المطبات بعجلاتنا وادعينا بعدها أن الطريق مليء بالمطبات؟ ألسنا المسؤولين عن هذا الواقع المرير؟.

ماذا تركنا للقادمين الجدد؟ لأجيالنا الحالية والقادمة بعد كل الذي بعناه وأحرقناه ولا همَّ لنا سوى عمولتنا وعَمَالتنا؟ إنه السؤال الذي لم أجرؤ على البحث عن جواب له كي لا يشدني الجواب إلى الوقوف على مفترق طرق جديد.

يبدو أنه لم يبق لنا من الألوان سوى السواد، وما زال جهلنا يبعدنا عن البحث عن ثقوب النور النافذة بنا إلى الحياة المضيئة وما زال مستمرا في دفعنا إلى التباري والتباهي بما لدينا من سواد بكل تدرجاته.

كم من النور يلزم لإزالة هذا السواد المخيم الذي صنعناه؟ كم من الماء يلزم لإخماد هذه الحرائق التي أشعلناها؟ كم من الحب يلزم لقتل هذا الكم الهائل من الكراهية الذي فجرناه في النفوس؟ وبعد كل هذا ما الذي يحمينا من هذه الويلات ومن جنون هذا العصر؟ ويعيد لنا رصيدنا وعملتنا؟

حمايتنا فقط في رؤية تمثل جوهر نفسيتنا مزار داخلي يكون رصيدنا وثروتنا، نبنيه على أرضنا، حجارته من مقالع جبالنا واسمنته من طين تراب وطننا، وقماشه من نسيج نباتاتنا. مزار تحصنه صدورنا وتحميه دماؤنا، نسكنه ويسكننا، به نكبر وبه نغتني، نؤمه لنحتمي به من جنون هذا العصر وعواصفه، دفء مواقده يذيب صقيع ما أعد لنا من مقابر، وبوصلته توصلنا إلى السوي من الطرق وتبعدنا عن الخطير من المفارق.

مزار يرافق وجودنا ويساويه، وكل خلعة فيه تشكل نقطة انطلاق لمستقبل غني واعد.

رصيدي خلعة من خلعاته. هي عملتي المحلية في زمن العملات الصعبة أودعكم إياها واثقاً من غنى ما أودعت ومن عظيم ثروتي.

يزن ديب