العدد التاسع-آذار2006

المخرج العراقي د. صلاح القصب

الثلاثاء 18 نيسان (أبريل) 2006.
 

ـ عصرنا مضطرب وسوف تتلاشى فيه قراراتُ الفلاسفة ورؤى المسرحيين والسينمائيين

ـ الصورة ثقافة ومخيال واتساع

المخرج العراقي د. صلاح القصب أحد أهم الأسماء المسرحية في العراق، خرّج العديد من الممثلين والممثلات والمخرجين، وأضاف للمشهد المسرحي العربي الكثير من الإضافات الإبداعية على صعيد الرؤية الإخراجية. ولأن المسرح فن متصل بالناس، يحاورهم ويتعلم منهم، يأخذ من الثقافة ويعيد إليها ما أخذه فرجة وفكرة. صادفته في مهرجان قرطاج المسرحي بدورته الـ 12 ودار بيننا الحوار التالي:

- كيف تحدد علاقة الصورة ودلالاتها الثقافية مع الإنسان الذي أنتج الصورة والثقافة وأثر فيهما وتأثر في علاقة  

  جدلية مستمرة حتى الآن؟

 كانت جلالة الفن حاضرة منذ أول لحظة تواصل فيها الإنسان مع الأرض، لا بل منذ تكونت علاقة إنسانية مع الكون، عبر صراع تجاذب وانهيارات أرضية وزلازل وبراكين، وبعد أن استقبلت الأرض هذا الميلاد الأول للإنسان، لم يعد هناك فضاء يستطيع من خلاله هذا الإنسان أن يتصافح معها للدرجة التي يصعب فيها أن يلتقيا لتكوين ظلال دافئة بعد أن أغرقتها مياه المحيطات وداستها العربات المجنزرة، لا بل أحرقت اخضرار الغابات، فلم نعد نشم إلا رائحة الخشب المحترق، ولأن الفن حوار ثقافي يخترق القارات الخمس وتتلاشى فيه الحدود والضفاف، فإن هذا الصراع بقي متأججاً بنيرانه الكبريتية، فانطلق الإنسان ليعبر بالصورة وفي تلك الرسوم الوحشية المقدسة بالنسبة له، كي يقصي تداعيات الأرض وشرارة الخوف عنه، فبدت رسوم الكهوف حيوانات بلا رؤوس، فجاءت هذه الوحشة إعلاناً للموت، أي موت الأرض بالنسبة للإنسان، وأرادت الصورة بفنّها التشكيلي أن تعيد تلك الموازنة الخفيّة بين الخوف الإنساني الأول والطبيعة، فالصورة هنا طقس ورؤية وخوف ومجهول، فلم تعد هناك لغة بمعناها الصوتي أو الحرفي بقدر ما كانت هناك الصورة بمعناها الأوسع، وهو المطلق أي التعويذة، كما أن اهتزازات الجسد وطقسيته وصلاته، كل تلك الإيحاءات والإيماءات شكلت اختراقاً لتلك التجربة، التي لم يستطع الإنسان الأول أن يتجاوزها لغةً، فليس هناك شيء غير الجسد ولغة الطبيعة بنيرانها وانفجارات تلك الزلازل التي أرعبت الإنسان، وهذا يعني أن الرعب هو أزلي وما زال مستمراً في كل العصور.

 

- هل جاء قدوم الصورة بشكل عادي مع وجود الإنسان على هذه الأرض أم أنه قام بإنجازها رويداً رويداً مع كل

  حرب خاضها أو أزمة مرّ بها؟

 عند استعراضنا للتاريخ ووصولاً إلى الألفية الثانية، نجد أن التاريخ كان مزدحماً بالحروب، فلم تكن هناك حضارات إنسانية متقدمة، فالإنسان كان المصدر الأول لنشر رعب وجحيم ونيران لا تهدأ، وهذا يعني أن الطبيعة قد توقفت عن عدائيتها للإنسان، فبدأ الإنسان يعادي الطبيعة، فأحرق كل الغابات لكي يؤسس مكانها سكك الحديد والقطارات، فبدأ الديناميت ينسف جمالية تلك الطبيعة التي هدأت، والتي أرادت أن تتصافح مع الإنسان، ووسط هذا الاضطراب وهذا اللا معنى احْترق الفن والصورة أساساً، ومن خلال تلك الملاحم التحتية، أراد الإنسان أن يبحث عن لغة جديدة، عن عولمة مغايرة. والعولمة هنا هي خلق مناخات متداخلة ومتوازنة بين الفنان والإنسان والمحيط.

فظهرت الصورة الأولى وبشكل خاص في القرون المتتالية، السابع والثامن والتاسع عشر.. إن الصورة ثقافة ومخيال واتساع وحمى وافتراض في القصيدة الشعرية فكان هناك أدجار آلان بو وبليك وبودليرورامبو كما كان هناك مونيه ومايتس وسيزار وهيدجر وكان هذا التداخل البركاني بمثابة سمو وارتقاء في معنى الصورة، أي أنه النداء الأول، الذي ما زال مستمراً وحتى لحظت هذا القرن الوحشي الذي نعيشه، ونحن نرى أن الصورة كونت لغة اقتحمت كل الحدود التي أشرنا إليها.

أما عصرنا الجيولوجي المتغير على المستويين الإنسان والثقافي، فهو عصر مضطرب تصحرت فيه كل مقومات الإنسانية، فلم تعد تسمع فيه إلا أزيز الطائرات وأصوات العجلات الحديدية، إنه عصر مضطرب، وسوف تتلاشى فيه وتتصحر كل النداءات التي شكلتها قراءات الفلاسفة والشعراء والتشكيليين من رؤى مسرحية أو سينمائية، ونحن الآن أمام حداد يليق بالموت حقاً.

 

- لنا خصوصيتنا الشرقية بمحورها الثقافي والفني ولنا مميزاتنا الحضارية المتمثلة بتاريخنا وحضارتنا، ترى

  هل ستجرف الثقافة الغربية كل هذه الخصوصيات عبر أدواتها الإعلامية الجبارة. وهل سيكون مصير  

  أساطيرنا الشرقية مثل مصير السياسي الذي تحول إلى جزء من آلة الغرب الجبارة؟

الميديا القادمة عاصفة رملية ستغرق كل خطوط الرؤية ولن تعود هناك مرافئ أو موانئ ضيّقة، تستقبل القوارب الفضيّة المحملة بالإرث الإنساني، ستمتلئ الموانئ بالرمال وستغرق كل السفن، وسيغرق التصحر والجفاف والفيضانات والبحار القادمة، وكل تلك القرارات، التي مجدّها الإنسان، سواء بعلاماته أو تاريخه، والتاريخ هنا ليس تلك الأطلال والشواهد، ليس ذلك المدون ضمن الكتب القديمة، فعلامات الشعوب وبما تتضمنه من مخزون، تتمركز بالفن أولاً وبالنشيد الشعري. وببحر الموسيقى ثانياً. وأنا أعتقد أنه لا يمكن أن تتصافح الثقافة والمجد الفني، مع عقليات تهندس ضمن أروقة ومختبرات وثكنات وتهدف إلى اغتيال ذلك المجد الذي تزدحم به كل متاحف العالم، فسوف يحرق بودلير ورامبو والبيلتي وبلند الحيدري وأدونيس ونجيب محفوظ وكل تلك الرموز سابقة الذكر وغيرها والتي مجدها الكون، أقول سوف تحرق في قمقم زرقاء خالية، إلا من سحب تجيء غطاء جوياً يحجب الرؤى أو الصفاء.. والسحب هنا وفي هذا المعنى التأريخي لهذا القرن هي التغييب والتهميش في غياهب الثقافة المركزية المدججة بالإيديولوجيات وبمعاني الغضب وحضور الآلة وسطوتها وتخييم أجواء الرعب في كل خلايا الكون التي تنشط ضمن مسافات ومساحات، مجّدها الشعر والموسيقا والإنسان. وستظهر هذه الثقافة المركزية المتسلطة نقشاً وخطاً غير واضح، بمعنى أنه نقش مزور لا يحمل ميثيولوجيته وروحه التي أسستها قارات متداخلة، قارات تمتلك ثقافتها ورموزها، بمعنى أن لها القانون الجمالي للمدينة، ولذلك الموروث لتلك الإنسانية التي ستغيب لتشكل علامات هلامية لا يستطيع العقل أن يقرأها إلا داخل ثكنات حريته، وستغلق القناعات، وكل المراكز التي تشع ببريق البرق وقوته، وسيأخذ الخراب مداه مرة أخرى، وسيقترب بكل تفصيلاته لذلك الميلاد الأول لذلك الإنسان الذي اصطدام لأول مرة برعب الطبيعة، وبعد ذلك سوف تهدأ الأرض مرة ثانية وبمعناها الديالكتيكي وستكون هناك قراءات وعلامات ومدن جديدة وستمتلئ الأرض مرة أخرى. برموز كتلك الرموز التي شهدتها القرون الماضية، وستكون ميلاداً لقرون جديدة، وثقافات جديدة وستأخذ الأرض دورتها كعربة شمس محترقة لتدخل مرة أخرى ضمن خريف آخر وهكذا لتستمر الحياة.

هكذا ننظر إلى الذي سوف يجيء، وحينها نجد بأنه لم يعد هناك خطوط ونقوش، بقدر ما ستكون هناك جدران لا تستطيع قراءة تلك الكتابات التي احتشدت على مساحاتها الصخرية.

 

- منذ نشأته كان المسرح نقطة تفاعل وجذب لكثير من حقول المعرفة ولكن ضمن هدف مسرحي واضح، الآن

  كيف يحدد المسرح موقفه ضمن هذا التوجه الاستهلاكي الرقمي، وطغيان قيم الآلة الجامدة؟

لم يعد هناك خلود أزلي للمسرح أمام تجليات تكنولوجيا العصر التي بدأت تغيّب كل مجد حضاري وإنساني تزدحم بقاراته كل قيم الجمال. فالتكنولوجيات وسطوتها بدأت تصنع أفكاراً وقيماً، بدأت تُعلب المخيلة ضمن صناديق حديدية كي تصدرها إلى قارات أخرى فازدحمت القارات بتلوث التكنولوجيات، وتأزم المسرح واختنق ولم يعد هناك أية صفة يستطيع الفنان أن ينطلق منها ليعيد ذلك التوازن الأزلي أو تلك المنطلقات التي أسستها عظمة ومخيلة الإرث العالمي منذ الإغريق ومروراً بعوالم ميلر وتشيخوف، وإبسن وغيرها من الأسماء، فتأزم بيكت، ويونسكو، وتأزمت قارات بدأت تحترق من تلك الأطروحات التي تنشرها وتروج لها منظومات الميديا الهائلة ومراكز إعلامية مؤدلجة بالموت وفرق الخوف، بدأت تنشر سطوتها الآلية وفق نظام بصري جديد، تهندسه أجهزة الكمبيوتر والتكنولوجيات وهي شكل آخر لميديات قاتلة ومدمرة، ولم يعد هناك عرض سينمائي مدهش، مثلما كنا نراه عند فيلييني وبرغمان ولم تعد هناك خرائط تحمل أسماء كشكسبير وآدموق وابسن وغيرها من الأسماء التي كونتها عصور تراكمت بثقافات مزدحمة بالهم الإنساني ومجده العظيم، وسوف يتلاشى المسرح كما الأغنية، فلم يعد هناك مجد للسيمفونية أو لدور الأوبرا أو الباليه، فالأغنية الآن سحقتها هذه الأجهزة المصمته.. وهناك أيضاً برمجة لخريطة كبيرة جداً ليس على المستوى السياسي والإقليمي، بل ستدخل وتفجر المركز أولاً، والمركز هنا هو ذلك الفضاء الفكري والإنساني، وعندما تتهشم الثقافة سوف يتهشم كل ما هو أزلي يملك مجداً وإرثاً إنسانياً متقدماً، فلا محطات ولا موانئ يستطيع من خلالها الفنان أن يتأمل عالماً بلا حروب تتداخل فيه الثقافات لمجد إنساني كبير.

حوار: مصطفى علوش