مئوية جان بول سارتر : الوجودي واليساري ينتهي في أحضان الصهيونية!

العدد 2 - آب 2005
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 
تبلورت أفكار سارتر الوجودية في رواياته الأولى عصر العقل والفرصة الأخيرة وبعدة مسرحيات كان قد نشرها كالذباب والأيدي القذرة، لكن رؤيته الفلسفية للحياة والكون تجلت في كتابه الوجود والعدم حيث رأى أن الوجود ذاتي الخلق والإنسان كجزء من هذا الوجود مسؤول عن تحقيق حريته وعمّا يفعل، تلك الحرية التي لا تتمثل في أن يفعل ما يريد بل في أن يريد ما يفعل.

ومن بداية الستينيات وإثر ترجمة عدد من أعماله إلى العربية، بدأ سارتر يحظى باهتمام الأدباء والسياسيين العرب كمناصر لحرية الإنسان ومدافع عن حقه في الحياة الكريمة، ومنذ كتابه الشهير عن الثورة الكوبية عاصفة من السكر وكتاب عارنا في الجزائر ظهر سارتر اليساري أكثر قدرة على التأثير في الأوساط الثقافية العربية التي لم تكن قد اطلعت بعد على مواقفه من إسرائيل فكتابه تأملات في المسألة اليهودية لم يكن قد ترجم إلى العربية بعد، لكن حياة سارتر اللاحقة ومواقفه من قضايا العالم وثورات الشعوب، بدأت تظهر تقلبات هذه الشخصية التي مازال يكتنف الغموض كثيراً من مراحلها.

يرى البعض أن اليهودية سيمون دي بوفوار رفيقة عمره، وكلود لانيزمان قد لعبا دوراً مهماً في انحرافه باتجاه الصهيونية وتبريره عدوان 1967 ورهانه على اليسار العربي واليهودي في إحلال السلام، الأمر الذي لم يتحقق أبداً بل إنّ الأمور سارت عكس ما توقع وظهر هذا الأمر كمطب خطير وقع فيه اليسار العربي عموماً، حيث لم يكن سارتر بعيداً عنه عبر تأثيره الكبير على الوسط السياسي والثقافي في تلك المرحلة، وربما تكون السنوات اللاحقة التي تلت تلك الحقبة أظهرت تبدلاً في المواقف والاتجاهات وراح البعض يتحدث عن أخطاء سياسية واستراتيجية على هذا الصعيد.

فعندما ندّد سارتر بالطغيان الشيوعي واجتياح المجر وتشيكوسلوفاكيا، صفّق له الغرب كثيراً وهاجمه الشيوعيون، ولكن عندما ناصر الزنوج وهاجم التجارب الذرية الأمريكية، احتفى به اليسار وانقلب عليه الغرب.

ولا يبدو من الممكن الفصل بين التأثيرات السياسية عند سارتر ومواقفه الفكرية، خصوصاً ما يتعلق بفلسطين ومواقف سارتر المخزية للعرب رغم محاولات التبرير التي قُدمت له ولليساريين العرب على السواء.