شاعر.... بود لير

العدد 2 - آب 2005
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 

ـ العدو ـ لم تكن أيام صباي سوى إعصار قائم، تتخلل ظلامه الدراري الباسمة، وقد أنزلت الصواعق والأمطار بحديقتي أفدح الأضرار.. فلم يبق منها إلا القليل من يانع الثمار.

* أيها الألم! آه أيها الألم! إن الزمن ليعتصر الحياة، إنه العدو المجهول الذي يلتهب القلب، القلب الذي يعود لينمو وينتعش من الدماء التي نزفت فيه

ـ الظلمات ـ في قبو الأحزان الذي لا قرار له... حيث سجنني القدر ذات مرة... وحيث لا ينفذ شعاع وردي مرح.. مازلت مستوجداً مع الليل... ذلك الزائر العبوس..

-  ولد شارل جوزف فرانسوا بود لير في 9 أيلول من عام 1821 في باريس، كان والده مدرساً للرسم في ثانويات فرنسا.. أمه كارولين ارشاجودو فاي، وهي سيدة فاضلة ممتازة، ذات مزاج رقيق، لها شغف بالزينة والفراء...

توفي والده وهو في السادسة من عمره بعد إصابته بالسكتة القلبية فدللته أمه كثيراً.. إلى أن شب عن الطوق.. كان بود لير يدين بعقيدة ـ الدانديزم ـ أي الأناقة الأرستقراطية وكان يتعاطى المخدرات والأفيون والمغيبات، وانتظم في نادي الحشاشين، كما أولع بمعاقرة الخمرة والسهر فكان الشاعر على حد قوله عدو النوم، وقال في إحدى قصائده موضحاً رأيه في ذلك أخشى النوم كما يخشى كل مخلوق هوة فاغرة فاها....

هوة يشع فيها الذعر المبهم الذي يقود إلى حيث لا أدري من جميع النوافذ لا أبصر سوى اللانهاية.

لم يعرف بود لير في حياته الغرامية سوى الغواني المتهتكات كانت أولهن يهودية تاجرة هوى تدعى ـ سارة ـ وكتب فيها عدة قصائد منها ـ إلى متسولة ـ صهباء الشعرـ إلى يهودية ـ وقد أصابته هذه الفتاة بداء الزهري الذي هدم صحته. كما تعرف بود لير على السوداء ـ جان دوفال _ التي قضى معها أربعة عشر عاماً، كانت خلالها تسخر منه وتبتز ثروته... ومن أهم أصدقاء الشاعر الكبير بود لير كان ـ روجيه ده بوفوار ـ الفريد دي موسيه ـ هيبوليت مو سيلمان ـ الثري اليهودي...

بعدها تعرف على الحسناء ـ أبو لوني ساباتيه ـ وهي في الثالثة والعشرين من عمرها، وكان ينظر إليها من خلال المقولة التي خرج بها أخيراً بعد زمن طويل من اللهو والعبث، وبعد أن حاولت جذبه للجسد وملذاته.. قال: إن المرأة التي نحبها هي التي لا نتمتع بها.

في 18 حزيران عام 1857 ظهرت الطبعة الأولى من ديوانه ـ أزهار الشر ـ كانت الطبيعة في نظره عارية، ومن هنا راح يتلمس مواطن الجمال في كل شيء عار.. كان ـ جان مورياس ـ أو من أطلق على بود لير لقب ـ الشاعر الرجيم ـ قاصداً بذلك ـ الشاعر الشيطان ـ مقتبساً هذه الفكرة من عالم بود لير الشعري والتصويري ومن سلوكه اليومي، ومن خلال علاقته بالناس والأشياء.. وفي آذار سنة 1866 كان بود لير يزور كنيسة ـ سان لوي ـ الأثرية في بروكسيل فوقع على الأرض وأصيب بالفالج وهو نفس الداء الذي أصاب والده، ونقلته أمه إلى مصح باريس، بقي فيه حتى قضى نحبه في 31 آب من عام 1867 ودفن في مقبرة العظماء ال ـمونبراس ـ مع أبغض الناس إلى قلبه وهو زوج أمه ـ الجنرال أوبيك ـ الذي تزوجها بعد وفاة والده..

* رحل بود لير عن عمر يناهز الستة والأربعين عاماً، بعد أن قدم للشعر الفرنسي خاصة والإسباني عامة روائع القصائد الصادقة المعبرة الناجحة. وفي عام 1870 رأى ـ نادار ـ صديق بود لير القديم ـ جان دوفال ـ عشيقة بود لير فيما مضى، في الشارع كان تجر نفسها متوكئة على عكازين..

* اليوم وفي العالم الآخر يرقد بود لير مع جان دوفال في سكينة أبدية... إن ناس الأمس لم يكونوا سوى عابري سبيل...