محمد الماغوط... السهل الممتنع

العدد 2 - آب 2005 : لؤي آدم
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 
لعل أغرب ما نلاحظه أثناء دراستنا لنصوص الماغوط على اختلاف أجناسها: شعر، مسرح، مقال، رواية، سيناريو هو التنافس الذاتي بين أساليب الكاتب نفسه، وهذا ما أعطى مظاهر التعدد في الأشكال الأدبية لديه نوعاً من أنواع التكامل الكلّي في المجمل الإبداعي.

فمن منا لم يحفظ الكثير من عبارات الماغوط التي وردت في نصوصه على اختلاف أجناسها سواء المقروءة أو المرئية، والسبب ببساطة كان اتباعه الأسلوب المتميز والصعب وهو: السهل الممتنع... فمن السهل أن تُبكي الآخرين في كتاباتك، ومن الأسهل أن تشعرهم بالهموم والكآبة؛ فهذا العمل يتقنه أي مذيع لنشرات الأخبار، ولكن من الصعب المستصعب أن تضحكهم دون أن تهرّج وأنت تلامس الوقائع الجارحة.

تلك هي السمة البارزة في نجاح كوميديا محمد الماغوط.

الطرفة:

نلمس هذه المزّية في العديد من الأمثلة في كتاباته مثل قوله في مقال بعنوان: الراقص: في الحقيقة، منذ أن سمعت الفالس الروسي الشهير كسارة البندق وأنا أحلم بالرقص مع مسؤول عربي. أضع رأسي على كتفه وأقول له: خذني بحنانك خذني وعن هذه المنطقة أبعدني

القسوة الفطرية:

هناك إفراط ملحوظ في إيغال محمد الماغوط في الفطرية وقسوتها. ولعل هذا ما يميزه في صياغاته الحادة لعباراته وعدم مراعاته للرتوش المطلوبة فهو يصر على الصورة الأصلية. مثال ذلك ما جاء في مقالته المسابقة حيث يقول: من يعرف عدد الخطابات التي ألقاها القادة والزعماء العرب حول تحرير فلسطين، ومناسباتها وفحواها منذ اغتصابها حتى الآن، أو عدد سكان الصين وأسماءهم الثلاثية أو عدد الأوسمة التي يحملها هؤلاء القادة والزعماء، ويحرصون عليها، ويعلقونها حتى وهم ذاهبون إلى دورات المياه؟

ثم نجده كيف يعلّق ناقداً على بعض ظواهر الحياة السياسية العربية بلغة قاسية لا ترحم. مثل قوله في مقالة له بعنوان: نفحات من المزبلة إياها: الرقابة السياسية، والأمنية، والدينية، والجنسيّة، على أية مطبوعة حتى على أوراق النعوة، والنشرة الجوية، وأبراج الحظ!، مهزلة الانتخابات، ونسبة الـ 99.99 في المئة، والتي لا يمكن أن تحدث حتى في طوائف النمل، والنحل، والبرغش

وأيضاً قوله: اختفاء الأفراد فجأة، ونقلهم إلى جهات مجهولة لسنوات وسنوات من دون أن يعرف مصيرهم أحد. كأنهم يعيشون في جزيرة برمودا بينما إذا تأخرت دجاجة في إسرائيل عشر دقائق عن خمّها، فإن إسرائيل تقيم المنطقة وتقعدها.

البعد الإنساني:

نلمس هذا الجانب عند الماغوط بقوةٍ سَبْبَّها: القهر الشخصي، وهنا يبدو أن تجربة الماغوط الذاتية وما تخللها من معاناة البؤس والفقر والعوز والحاجة، إلى الكبت والقمع والمطاردات والتخفّي والسجن والتعذيب والغربة وما إلى ذلك، كل هذا كوَّنَ لدى الماغوط مواقف إنسانية، متجرّدة، ثابتة. في الدرع والفارس يعكس لنا عبر سطوره ما انطوت عليه تجربته المرة من ردود فعل معاكسة، إيجابية، متفاعلة مع القهر والبؤس البشري: ... وعندما تحلّق بك الطائرة أكثر فأكثر في سماء هذا العالم العجيب بشرقه وغربه وتتذكر وأنت تنظر من نافذة الطائرة، جبال البؤس البشري في أصقاع هذا العالم تشعر بأن التايمز امتداد للسين، والسين امتداد للراين، والراين امتداد للفولغا، والفولغا امتداد للمسيسبي، والمسيسبي فرع لوكالة المخابرات المركزية. فما الفائدة من أن تكون قادراً على كتابة أي شيء في هذا العالم، ولست قادراً على تغيير أي شيء في هذا العالم.

المباشرة:

لا يتورّع الماغوط إطلاقاً عن كتابة ما يريد وقول ما يخطر بباله أبداً لهذا نراه في كتاباته لا يوفر أحداً ـ كما يقولون ـ فيخاطب زملاءه الكتاب حملة الأقلام قائلاً دون تريّث وبتهكم بالغ:

أيها الصحفي المبدع والحامل لواء الصدق والحقيقة إلى ما فوق رأسك كالشعلة الأولمبية، لِمَ تعطّي ندوات لا تؤمن بجدواها وتحلل توصيات لم تقرأها وتعانق ضيوفاً وتلثم خدوداً تتمنى عضّها؟

ويخاطب الماغوط معظم شرائح المجتمع دون استثناء سواء القاضي أو المتهم أو الشرطي أو الموظف فيقول: أيها الشرطي، لِمَ تجلد الأبرياء؟

أيها الموظف، لِمَ تبتز الغرباء؟

أيها البريء، لِمَ لا تصرخ في وجه مضطهديك؟

أيها القاضي، لِمَ تُصدِرْ أحكاماً لا تؤمن بعدالتها؟

أيها الممثل، لِمَ تقبل أدواراً تخجل من ذكرها؟

ويجيب الماغوط نفسه قائلاً بألسنتهم جميعاً: نريد أن نعيش(!)

وهنا يستفز الماغوط طاقاته النقدية اللاذعة ليصرخ قائلاً:

أيتها الملعقة أنتِ عدونا.

أيها الرغيف أنتَ وثيقة الاستسلام التي تُقدَّم لنا كُلَ صباح.

أيتها اللقمة الصغيرة، أنتِ إسرائيل الكبرى.

لقد اختصر الماغوط في هذه الكلمات كل بيانات الثورة الحقيقية التي وضع أصحابها أغلى ما يملكون على أكفّهم وهم يمضون في درب الحريّة. الماغوط بهذه اللغة البسيطة ـ العميقة ـ المدهشة يحلل ويركّب القضية الكبرى عندنا، وهي الفساد والعجز والتبرير وعدم المواجهة بكلماتٍ قليلة لكنها شاملة وبانورامية، فهو لا يكتفي بتحليل الأوضاع بل يضع الحلول العظيمة تحت عنوان واحد هو الاستغناء فالاستغناء عن الحاجة يقوّض الحجج المضادة... تلك الحجج التي تبرّر الخنوع والتخلف والذل والمكابرة الفارغة والإدعاء الأجوف.

النقد الذاتي:

في مضمار النقد الذاتي عند الماغوط، نجده متجرداً تماماً، محاولاً إظهار المكنونات الداخلية وعدم التستّر على شيء، ولعل هذا أحد أقوى الأساليب النقدية لأنه يسد الثغرات في وجوه منتقديه (!)، فهو مثلاً يحاول تلبُّس شخصية الإنسان الانتهازي متعمقاً في أبعادها فيقول بلغة ساخرة وفاضحة:

سأشتري آلة حاسبة من أدق نوع سانيو أو توشيبا لأحسب مَنْ مِنَ أصدقائي ومعارفي سيصير مسؤولاً لأتملقه وأتقّرب منه، ومَنْ مِنْ أصدقائي ومعارفي من المسؤولين قد يطير من منصبه لأتحاشاه وأعرض عنه. وسألبس المايوه ,اسبح في كل تيار. ومايوه بكيني أيضاً..

ويعلن الماغوط موقفه الصريح بأنه لا يستطيع أن يكون محايداً، مخاطباً نفسه:

لا أستطيع أن أقف ثلاثين عاماً على عتبة الأحداث كالمتسول. أو أن أدور حولها متفرجاً على جدرانها وشرفاتها من الخارج كالحرامي أو مخمّن العقارات.

انه يربط الخاص بالعام ولا يرى انفصالاً بين داخله وخارجه، مكتشفاً أن العلاقة كالمرآة تعكس وجهاً لوجه؛ فهو بقدر تفاعله الصادق مع المحيط من حوله يعكس مدى صدقه مع ذاته؛ لهذا يقول:

لا أستطيع أن أجعل حسناتي وسيئاتي الصحفية بالطول نفسه كشوارب سلفادور دالي. وبالمستوى نفسه. يقول هذا ثم يكمل ساخراً: فأنا أعرف أن المنطقة تمر بمرحلة حسّاسة وظروف دقيقة ومصيرية وأن الكل مترفّع عن الصغائر ومشغول بالقضايا الكبرى. وأعرف أن التفاؤل ضروري في مثل هذه المرحلة صحياً ووطنياً، وأنا كمواطن ابن هذه المنطقة، لا ابن كينيا أو جامايكا.. مستعد للتفاؤل.. لو أجابني أحد.. على الأسئلة التالية:

كم أرملة شهيد على أدراج قصر العدل تنهّدت وتربعّت؟ كم حادثة تهريب لُفلِفَتْ؟ وكم سيارة إسعاف طنَّشَتْ؟ كم محاضرة ألقيت؟ وكم سيدة في الباصات قُرِصتْ؟ ثم هل هناك طبيب أنف أو عيون أو حنجرة يفسر لنا سر بعض المآقي التي تظل مغمضة أياماً وليالٍ عن الرشوة والفساد والجشع في هذه الدائرة أو تلك، وما إن تشم أو ترى كلمة نقد حُرّة حتَى تفتح فجأة وتصير باستدارة زر المعطف دهشةً واستنكاراً؟

وأخيراً، كما رأينا، أنَّ الماغوط ناجح تماماً بأسلوبه السهل الممتنع في التعبير عن المؤلم والساخر في ذات الوقت، راسماً لنا صوراً تدعو للتشاؤم والتفاؤل معاً... ولعل هذا هو سر فرادة أسلوب الماغوط بين أقرانه الكتاب. والماغوط كما هو غريب في نصوصه وأكثر دعابة ومودة وقسوة ولين، وطيبة وجفاء، وبساطة وذكاء، تجده حاضر البديهة دائماً وأبداً.

وختاماً سأدلُ بهذا المثل على مدى طرافته ووداعته.

ـ في إحدى مكالماتي الهاتفية معه، قبل سنوات، هاتفته مطمئناً، كعادتي، على صحته المتدهورة.. قائلاً: كيف هي أحوالك الصحية الآن؟

فأجابني بصوته الأجش: عال العال..

وما أن سألته: والبرد، ماذا تفعل بهذا البرد الشديد... هل تتدثر جيداً؟

فأجابني، على عادته، بسخريته المحببة: لا تخف عليَّ... فصديقي وزير النفط.(!)

لؤي آدم

luaiadam@maktoob.com

هوامش

1 سياف الزهور ـ دار المدى ـ دمشق ص 362 2 المرجع السابق. ص 120 3 المرجع السابق. ص 154 4 المرجع السابق. ص 155 5 سأخون وطني ـ محمد الماغوط ـ دار المدى ـ دمشق ـ ط3 ـ ص 276 6 المرجع السابق. ص 224- 225 7 المرجع السابق. ص 225- 226 8 المرجع السابق. ص 226 9 المرجع السابق. ص 321 10 المرجع السابق. ص 385 11 المرجع السابق. ص 386- 387