قصة : موت نسر

العدد 2 - آب 2005 : حسام عزوز
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 
حطت على ذلك الجرف العالي ،وكانت الدنيا مساء ، لم تكن تعلم ما الذي ينتظرها هناك عندما أطبق الليل عتمه،وظلت في ليلها حائرة.الجوع يستفز شراستها وستقتل كل من سيقترب منها، ولكن التعب نال من عزيمتها التي لم تكسر يومًا ما نال،وجراح المعركة الأخيرة ما زالت مؤلمة وإن التأم أغلبها، وهذا ما جعلها مستعدة للقدر الآتي مهما كان صعباً . حمى الدفاع عن الصغار فترت بعد أن أدركت موتهم وصدقت ما كانت قد كذبته بالرغم رؤيتها لأشلائهم ، وقتها قاتلت الأب القاتل بشدة وكادت تقتله لكنه جرحها جرحاً غائراً ففرت ونجت وحملتها الأقدار إلى هذه القمة العالية .. فهل ستموت في حرقة أمومتها ؟ أم ستبحث عن ذكرٍ آخر يستطيع أن يحميها ويحافظ على صغارها . لهثت قليلاً ثم هدأت .. في عالم الطبيعة لا يوجد نهاية سوى الموت .. لذلك بقيت متمسكة بحياتها .

حاولت معرفة ما حولها وتبين الوضع الجديد ففشلت..الرؤية معدومة ، والروائح مختلطة ومتشابكة .. لا بد أن يكون الوضع في الصباح أفضل ، وهكذا نامت بقلق ليلتها، تجفلها أقل حركة يرعبها أخفض صوت .

كيف وجدت نفسها في حمى ذكرٍ جديد لا تدري ، وكيف استسلمت لطغيان فحولته دون أن تستعين بخفرها كأنثى لاتدري ، المهم أنها عاشت أخيراً ولم تمت . قال لها حين رآها في حماه :ارحلي عن حماي أو تخضعين. أرادت أن لا تسلم دون قتال، فبدأت بمعركة تعرف أنها خاسرة ، فقاتلت خسرت مرة أخرى واستسلمت .. لكنه كان مختلفاً ،شده إليها شوقه للصغار يملئون العش، لكن حين رآها في حالة من الانفعال والعصبية قاتلها ثم أنقذها ، وهيجت عاطفته و حبه فحن عليها وأحبها ، وأصبحا شريكين .

إنه يساويها خبرة ، ويفوقها قوة ، لكنها أضخم منه وأشرس .. وهكذا كونا حلفاً استطاعا أن يفرضا من خلاله السيطرة على مناطق جديدة ، وامتلأت القمة بالفرائس والعظام . لكن الأولاد تأخروا. كان البيض فارغاً فلم يفقس ، فاضطروا لرميها عدة مرات ، ثم انقطع البيض ولم تعد الأنثى تبيض.

وفي يومٍ من الأيام أغارت على خمٍ للدجاج .على طرف المدينة البعيدة . قتلت دجاجة وحملتها ، لكن أعادها إليه: لقد رأت بيضا معداً للحضانة فلم تستطع إلا أن تعود .... تخيلت نفسها أماً تحتضن وتطعم الصغار ، واشتهت أن تمزق لحمها فيأكلون ،ولم يمنعها عن الاحتضان بعد أن فرت الدجاجات خوفاً ،جلست على البيض و تخيلت أن البيض يفقس و يخرج الصغار ويصبحون نسوراً أقوياء . ولم لا يصبحون ؟ وهي وأبوهم يملكان الخبرة الأوسع في هذا المجال ...فقررت حمل البيض إلى العش ,وهذا ماحدث .

وعندما عاد الذكر إلى العش ,وجد أنثاه تحتضن البيض ,قال:

ـ ماهذا ؟ أجابت :

ـ بيض الدجاج!

ـ وماذا تفعلين بها؟

ـ سأحتضنها حتى تفقس

ـ ثم ماذا ؟!

ـ سنربي الصغار حتى يصبحون نسوراً ، سنعلمهم الطيران والصيد والقتال ، وسيصبحون الأقوى في كل المنطقة .

ـ وهل هذا معقول يا امرأة ؟ فراخ الدجاج يصبحون نسوراً !!!

ـ المسألة مسألة تربية أيها الملك ، فإذا تربوا في خم الدجاج أصبحوا دجاجاً ، ولو كانوا بيض نسر . اما إذا تربوا في عش النسر أصبحوا نسوراً وإن كانوا بيض دجاج .

صمت النسر بعد تذكره مشاعره الأبوية ، و أخذ يستعيد الدروس التي أعطاها لصغاره السابقين فوجد المسألة ممتعة ، وأخذ يشارك أنثاه الحضانة حتى فقست البيض و خرجت الفراخ تسقسق كالعصافير . قال النسر لنفسه : ستصبح هذه السقسقة صفير نسر حقيقي .

دار الصغار في العش ، وأخذت تبحث عن أمها ، فلما رأتها ركضت إليها فرحة ، فاحتضنتها الأم ، لكن الصغار راحت تأكل القمل والقراد والنمل . غضب الأب وصاح: كفوا.. النسور لا تأكل الحشرات .النسور يأكلون اللحم الذي يصطادوه بأنفسهم، وإليكم الدرس الأول :إذا كدتم تموتون جوعاً فخلوا رؤوسكم مرفوعة عالياً ، وانقضوا على أبعد صخرة وموتوا لكن لا تأكلوا الحشرات الحقيرة.

أومأ الصغار برؤوسهم علامة فهمهم ، لكنهم جاعوا فصرخوا:نحن جائعون نريد أن نأكل . نسر الأب اللحم قطعاً وأعطاها للصغار ، فأكلوا حتى شبعوا ، لكنهم بعد ساعات عادوا يطالبون بالطعام .

صاح النسر : الدرس الثاني النسور لايأكلون دائماً.إنهم يأكلون مرة في اليوم أو اليومين ، ويقضون بقية النهار في التأمل والطيران والصيد .

حاول الصغار احتمال الجوع ، فلم يستطيعوا فعادوا إلى الصراخ : نحن جائعون . تجاهل الأبوين صراخهم كي يعتادوا على الجوع لكنهم كادوا يموتون من الجوع فعادوا لالتقط الحشرات ليسكتوا جوعهم ، فاضطر الأبوين للرضوخ لمطالبهم وأطعموهم منتظرين أن يكبروا ليتعلموا.

قال النسر الدرس الثالث : يقوم النسر بتمزيق اللحم بعنف يفتح الصدر ويأكل القلب أولاً ثم يأكل الباقي ... قال الصغار وكانوا قد شبوا : لكننا ما زلنا صغاراً ، قطع أنت لنا لنتعلم ، فمزق الأب اللحم لصغاره ،فأكلوا وهم يتهامسون : لو يجلب لنا بعض البذور الشهية .

قال النسر الدرس الرابع : يفتح النسر جناحيه إلى أقصى اتساعهما ويصفق بهما بعنف ، فيصبح في قمة السماء .. النسر يحب الفضاء الواسع ، نحن النسور طيور الحرية ، وأسياد العالم ومن يتكبر نمزقه بأظفارنا .

حاول الفراخ أن يمدوا أجنحتهم القصيرة لكنها لم تستطع أن تحملهم ، وبقي النسر يعاني مدة حتى استطاع أن يعيدهم إلى العش ، وحظر عليهم الطيران حتى يصبحوا رجالاً .

كانت الفراخ تكبر والنسر يضيق ذرعاً بمطالبهم ، لكن الأنثى تصبره وتقول : سيصبحون نسوراً ، وتحاول أن تقنعه بأنهم سيتمكنون من الطيران . وهكذا وبعد كل درس يعود الصغار إلى المطالبة بالطعام ويقبع في الزاوية حزيناً على دروسه وتعاليمه التي جعلها صغار الدجاج أضحوكة ، فلقد أصبحوا يسخرون منه علناً ويقولون : أنت رجل متخلف النسور الحضاريون ملوك زمانهم لا يفعلون شيئاً . الجميع في خدمتهم لماذا يصيدون ويوجد في الدنيا بوم وبواشق هم صيدون لهم ويخدموهم وهكذا بقي الصغار يأكلون فقط فلا يطيرون ولا يصيدون ولا يغطون وجه الشمس بأجنحتهم ، حتى هجرتهم الطيور وتحاشتهم وابتعدوا عن غرورهم .

قال النسر : إليكم يا أولادي الدرس الأخير : النسر لا يُذلّ يوماً ، ولا يقهر يوماً ، ولا يمكن لأحد أن يسلبه حريته ، ولا يمكن أن يقبل شيئاً من الآخرين إنه رمز العلوّ والرفعة . النسر أب رؤوم لا يجوّع صغاره حتى لا أطعمهم لحم صدره فإذا شعر بأن شيئاً من هذه الأشياء سيحدث قتل نفسه .جدّي قتل نفسه ، وأبي مات وهو يطعم أخوتي لحمه ...قال الصغار لكن الموت مؤلم وأي شيء يهون أمام الجوع إنه الذلّ الوحيد فلا كرامة ولا حرية معه وفي النهاية اكتشفت الأنثى أن الدجاج لا يمكن أن يصبحوا نسوراً ، فقال لها الذكر علينا إعادتهم إلى خمّ الدجاج هناك سيعشون سعداء ، ونحن قد يرزقنا الربّ نسوراً حقيقيون .

وعندما عرض النسر على الفراخ الذين أصبحوا على أشدهم فكرة عودتهم إلى الخمّ عنفّوه وقالوا : نحن النسور الحقيقيون وأنت النسر المزيّف وإليك التعاليم :

-   الدرس الأول : النسر لا يضحي بحياته إذا جاع بل يلجأ إلى السياسة ليحصّل ويأكل كل ما تقع عليه عينيه وما كنت تسميه ذلّاً نسميه تدبر

-   الدرس الثاني : النسور همهم في هذه الحياة الأكل وما التحديق سوى مضيعة للوقت .

-   الدرس الثالث : إذا مزّق النسر اللحم ليأكل فهو إرهابي .وإذا اصطاد الحيوانات الصغيرة فهو قاتل .وإذا أكل الجيف عدّ زبّالاً .أما إذا أكل الحبّ والبقول فهذا وفاء لإرث أجداده .

-   الدرس الرابع : ليست الحرية في التحليق عالياً بل في الأكل والتفريخ ، وليس الطيران سوى مجهود ضائع .

وهكذا أصبح النسر هو المارق وأصبح الدجاج هم النسور الحقيقيون .

وبعد أيام وُجد النسر مقتولاً بخنجر في الظهر ورميت جثته في خمّ الدجاج وأصبح فراخ الدجاج يملكون الفضاء الواسع ويقزّمون جميع التعاليم السامية .