كتاب : "بريد عاجل"

العدد 2 - آب 2005 : نجيب نصير
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 

بريد عاجل

رواية

تأليف : خليل صويلح

نينوى للنشر... دمشق 2004

الرسالة المغايرة

في نوع من الاتكاء على التاريخ في كتابة الرواية، يترك خليل صويلح التتريخ جانبا أو ربما عاكسه في محاولة لصد أي اثر تمجيدي يكلل أفعالنا التي ننظر إليها بتلمظ طالما أصبحت ماضيا، مستعينة في توقنا إلى المقدس المخبوء في صفحات الماضي، أو من توقنا إلى تاريخ هرموناتنا الشابة، بالوجد إلى طاقة ما تستطيع تغيير مصائرنا أو تنقذها من خيباتها الملموسة سلفا، ليصبح هذا النوع من الاتكاء واهيا ومحدودا وساخرا من هذا التراث المبجل وكأنه فعل إزاحة لصالح الحاضر المأزوم بالفصام القيمي والمحاط بمادة الخوف ليصبح الخلاص الفردي قيمة بذاتها تسيطر على الفعل الإنساني ظاهرا أو باطنا. اختار صويلح البريد كسيرورة معرفية في خضم الاتصال الإنساني المتنوع متنقلا بين تقنية الخليوي كمظهر محدث للبريد وتقنية البريد التراثي من حمام زاجل وخيول وقوافل وما بينهما من تطورات، حيث لا يبدو التقني، هو الغاية وانما الذهنية القابعة وراءه والمحركة للفعل الإنساني في انساقه المعلنة والمخبوءة، ليبدو انعدام الاتساق كصنو للخديعة، والديباجة ذريعة الوهم، لتنقسم الثقافة على ذاتها، وكأنها انقسام في اللغة ذاتها من جهة وافتراق بين القائل ونفسه، ليتم الإعلان عن الذات بصورة توازي المكتوب والمدبج، بينما يبقى الإنسان كانسان رهين نفسه ينسرب كالماء إلى الأرض الواطئة، وكأنه يشير إلى فصام مزمن رافقنا منذ القدم وألفناه كجزء من مكوننا الثقافي.

تبدأ الرواية وتنتهي في نفس النقطة، مغلقة الدائرة المؤسسة لأركان الروي، فالبطل يتلقى رسالة من المرأة الواقفة أمامه في طابور دفع فواتير الموبايل الوسيلة المحدثة للتراسل، مفرداتها عطر ساحر، جسد جميل، ملابس أنيقة، انها امرأة قرأها في رسائل ثقافية سابقة كونته أو كونت الصورة المحلومة للمرأة عبر تجربة العيش في وسط دمشق الثقافي، تلك الشريحة التي تحول الواقع إلى كلمات فخيمة ثم تطلقها استعراضا قيميا لا يلبث ان يخبو في خضم الواقع المحاصر بالكبت والمصادرة ليفترق المعيوشان الداخلي والخارجي على سندان الممارسة، فلكل جوعه مهما آمن بالمثل العليا أو الدنيا، مهما استعرض بوهيميته أو لا مبالاته أو التزامه أو مقدرته على تمثل ما يعتقده، فكلها رسائل مشتهاة متعلقة بفخامة ديباجة الكلام التراثية لتتحول عبر الزمن إلى ديباجة أفكار وتصرفات مفخمة بالشعارات ومفخخة بالمعلومات، حيث لا ينتج عنها موقف معرفي تحت ضغط الجوع إلى كل الأشياء التي أعلنتها الرسائل بشتى أنواعها في حالتها المشتهاة، في إغلاق لدائرة المعيوش كعلاقة بين الواقع والمشتهى والذي تحول فصاميا عبر تحول الثانوي إلى أساسي في علاقة الجوع وتسديد هذا الجوع من خلال تحريف القيم المفخمة بجعلها واقعية مع قليل من التفجع على هذا الاضطرار التكتيكي، ولكن في هذه الأثناء كان الواقع يبنى مشوهاً بناء على تراكم التكتيكات الاضطرارية في مواجهة العلاقات الإنسانية بوجهيها الجمعي والفردي، لبيدو هذا الواقع كرسالة معقمة وجميلة لكنه يحمل تحت إبطه ذرائع خطاياه.

القيم المفخمة والمتبجحة هي قلق الراوي،حيث تبدو بصيغتها الكلامية كلزوم مالا يلزم، لذلك يسعى لوضعها في سياقها إذ لا يجوز أن نقول إن فضحها إخلاص لعدم التفخيم، بالإضافة إلى إنها لا تستحق الفضح لأنها مجرد تفاصيل العيش اليومي أو كراكيب أشخاص يهيمون على وجه يومهم عل فرصة تنفتح أمامهم يحققون فيها بعضاً من مقاصدهم الخبيئة

ومع هذا فان كل الرسائل التي قرأها والتي كتبها لم تعبر إلا عن هذه الصيغة الإعلانية بجمالياتها المصطنعة والدبقة فيذهب وهو يلاعب زمن الروي إلى لملمة الكراكيب التي ننكرها توازيا مع انتفاخنا الايديولوجي الذي يعبر عن ملاءتنا المعلومية، فنرى العرق يصبح غاية تكتيكية عند المسرحي الشكسبيري، وبيجامة المرأة الأخرى تصبح ممسحة في عرف المرأة القادمة لتحل محلها، وبوهمية الجينز تتحول إلى تيورات وصور مع المنعمين في بلاد الحرية بالنسبة للمرأة التي كانت تعتقد نفسها صفعة في وجه المدعين، هذا الزيف الذي نصيغه كشعارات وأحلام كبرى، وأقوال وكتابات متناسين أشواقنا وجوعنا وغرائزنا ولذاتنا وخوفنا لصالح حضورنا البهي أمام من هم بحاجة إلينا كي يكملوا حضورهم المضيء لتصبح الخديعة ضرورة تسهل لنا تجرع علقم وجودنا المأزوم أمام الآخر الشبيه والمشتبه به . لنتناول رواية واقعية أو حتى شاهدة على الواقع على الرغم من لعبة الزمن البسيطة والجميلة في آن، حيث يحمل استحضار البريد والرسائل من الماضي معنى موازيا للفصام الآنف بالاضافة إلى تجاهله أو التأقلم معه كصيغة مبردة للجرح مع ما تحمله من أسئلة عن ضرورة هذا الفصام والاستغراب من هذه الالفة معه، ليبدو كل الذين نطقوا بتوصيفه بسبب المعرفة أو بسبب التبرم منه، موجوعين حتى الخسارة، ومكبلين حتى الضيق، وكأنهم زوار محتملون وربما مؤكدون للعيادات النفسية أو السجون أو المغتربات، للحصول على حقيقة غير مؤكدة وخاضعة للألفة مع فصام آخر.

المرأة التي التقاها أو تلقاها الراوي في البداية والتي فتحت من خلال إعادة رسمها المشتهاة، أبواب الحكايا الصغيرة التي ترافق حياتنا في مدينة كدمشق كدلالات على نوعية القلق الذي يعيشه سكانها، مؤرخا عن غير قصد لفصامهم /فصامنا المتناقض، تعود هذه المرأة المرسومة بأناة وشوق لتغلق دائرة الروي مع الأبواب التي فتحتها بدماثة متناقضة مع فجيعة الحقيقة، محققة في دربها رواية صالحة للقراءة، بل وقريبة من الحيوات العادية المعاشة على قارعة هذا الزمان.

/ دمشق