نصري الصايغ في ندوة الانتخابات النيابية: نتائج وتداعيات : هنيئاً لكم أيها الطائفيون والرحمة عليكم أيها العلمانيون !

العدد 2 - آب 2005
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 

بدعوة من مركز الدراسات العلمية ورئيسه الأستاذ منصور عازار، عقدت ندوة في بيت الشعار ـ المتن الشمالي، تحت عنوان الانتخابات النيابية: نتائج وتداعيات شارك فيها الأستاذ نصري صايغ والأستاذ إبراهيم كنعان، بحضور عدد من المثقفين والمهتمين، وقام بتقديم المحاضرين الشاعر نبيل الملاح.

ونظراً لأهمية الموضوع. وجرأة المداخلات. فإننا نورد مداخلة الأستاذ نصري صايغ إغناءً للحوار والبحث:

إذا كان جبران خليل جبران قد قال: لكم لبنانكم لي لبناني وكنت أكرر ذلك إلا أنني أخيراً توصلت إلى نتيجة أن لكم لبنانكم وليس لي لبناني بعد وهذا ما يدعو للألم.

المسألة الثانية، هي أنني لا أعلم إن كنت سأخرج من هذا المكان سليماً معافاً لأنني أطلب الأمان خاصة من قسوة الأقوال التي سوف تأتي الآن محاولتي قد تكون بأكملها مغلوطة ومرفوضة ولكنني سأجازف.

أولاً سأبدأ بما كنا نقوله وسوف أمدح الطائفية، بكل صراحة ومن دون سخرية وسوف أثمن انجازاتها الكبيرة وأيضاً أقول من دون سخرية منها لأنني سوف أتحدث حديث العلم وليس السياسة وسوف أقول إن هذه الطائفية ناضلت وجاهدت ونظمت وقدمت شهداء كثراً حتى استطاعت أن تنجز انجازاتها الكبيرة.

إن تقييمي لها ليس بسيئة أو غير سيئة إنما من حيث قدرتها على أن تتحول من فكرة إلى مشروع إلى تجذر إلى مؤسسات ومن ثم إلى أن تصبح دولة متعددة الطوائف لذلك سوف أمدحها وأقول بكل صراحة: أيها الطائفيون هنيئاً لكم أيها العلمانيون الرحمة عليكم.

حققت الطائفية منذ أن بدأت كمؤسسة صغيرة في أيام المتصرفية مجموعة من الإنجازات، وبجهد وبثقافة طائفية استطاعت أن تقضي على مشروع ثقافي كبير يهتم به إنسان كبير الأستاذ جان داية وهو مشروع النهضة. استطاعت ثقافة الطائفة وثقافة الانقسام الطائفي أن تقضي على الفكر النهضوي. فعلينا عدم إيلام الوصايات الخارجية فإن هناك صراعاً قائم بين فئة وأخرى، ما بين فكر وآخر والفكر الطائفي الانقسامي التفتيتي، التجزيئي شئنا أم أبينا. إن هذا الكلام ليس باتهام وإنما الطائفية استطاعت أن تهزم الفعل التنويري الذي قامت به ثقافات عصر النهضة بمعظم مفكريها إن كانوا في لبنان أم في حلب أم في مصر. ومن ثم استطاعت هذه القوى مدعومة من الخارج من ضرب أول حركة ذات طابع غير طائفي بعدما تطوعت الحركة العربية للوقوف إلى جانب الحضارة الغربية متمثلة ببريطانيا وفرنسا ضد اخوتها في الدين. إن الثورة العربية الكبرى من شريف مكة وأبنائه ومن مناضلي سوريا ولبنان وفلسطين حتى مصر والعراق قاموا وتبرعوا بتنفيذ مشروع النهضة العربية، وإذا راجعنا مواد الدستور للدولة العربية التي قامت في دمشق فقد كان علمانياً لا مركزياً وقد رفض آنذاك معظمهم حتى اسم دين الدولة وأقاموا حكومة ملكية ديمقراطية قضى عليها ليس الفكر التنويري الغربي وإنما المصالح الغربية الفرنسية. وهنا يجب التمييز بين الفكر المصالح فإن فكرهم ديمقراطي ولكن مصالحهم غير ديمقراطية. بهذا الوقت استفادت من هذه الهزيمة القوى التقسيمية ومن يومها ابتدأ المشروع الطائفي الآخر. هذه الطائفيات كانت أكثر حداثة من الفكر العلماني.

لقد حولت المؤسسات المجتمع إلى مجتمع طائفي وتحولت على صورته. أليست اليوم أفضل الجامعات هي جامعات الطوائف وأسوؤها هي جامعاتنا؟ وأليست أفضل المستشفيات كذلك بينما المستشفيات التي في مناطقنا هي حيطان دون أطباء؟ المؤسسة التربوية، المدرسة الخاصة والمدرسة الرسمية وقس على ذلك المياتم والإسعاف.. إذن الطائفية لم تكن كلاماً سيئاً بل كانت مشروعاً حديثاً استفاد من حداثة الغرب وحدث في البلد.

في السياسة، خاضت الطائفية معاركها الكاملة على كل المستويات حتى بلغت أوجها حالياً وأصبح النظام الطائفي يتبلور في لبنان عبر قواه الرئيسية. والنظام اللبناني ليس بطائفي ولكنه يستفيد من الطائفية يتعثر أحياناً في علاقاته فيقوم بضم الملحقات إليه. فالنظام الطائفي الموجود والذي لم أسمع إلا من يشتمه ويركبه، استطاع أن يلغي المذمة التي لحقت به عندما قامت المناقشات داخل المجلس النيابي قبل الدستور، ثم بيان مجلس الوزراء الأول، رياض الصلح: إنها لساعة عظيمة عندما يتم فيها إلغاء الطائفية، وهذه الساعة لن تأتي والسبب بسيط لأن للطائفية دينامية خاصة بها ولا ديناميات خارجها ويكتمل النظام الطائفي عندما تستطيع كل طائفة اختيار نوابها ومن ثم يذهبون إلى مصيرهم إما أن يتفقوا أم يختلفوا.

واستطاعت الطوائف في لبنان أن تملك الجاذبية المزدوجة، جاذبية الجذب والطرد.

إن اتفاق الطائف هو وبصراحة أكثر تطوراً من الفكر الميثاقي الذي كان حاكماً لبنان ولو بطريقة غير مكتوبة والنموذج له الشيخ بيار الجميل الذي يحكم لبنان من قبره اليوم وشيء من الكونفيدرالية التي يحكمها سمير جعجع من سجنه اليوم.

فماذا يعني بيان المطارنة حول كلمة حكومة اتحادية؟ إنها كونفدرالية ولكنهم لا يتجرؤون على قولها. فقلت لربما كانت كلمة اتحادية يقصد بها حكومة اتحاد وطني ولكنها ليست كذلك. في قانون الانتخاب الطائفي لا يعود هناك ملحقات كاثوليكية درزية مع الشيعة ولا يعود هناك ملحقات سنية شيعية مع المسيحيين واذاك سوف تنظم العلاقة فيما بين الطوائف واذاك فقط يكونوا محكومين بالتوافق. واحدى فضائل هذه الطائفية اليوم أنها قضت على ما يسمى البيوتات السياسية لأنها تمثيلاً للطوائف وإنما تمثيلاً لشيء يعود إلى ما قبل القرون الوسطى الذي يعود إلى العصر القبلي.

لدينا مشكلة في لبنان وهي تأليف الحكومة فما السبب؟ في بلدنا آليات للانتخاب وفق هذا النظام وقد مارسناها بعد زوال الوصايات بطريقة رائعة وعلينا أن نقول للغرب تعلموا منا الإيجابية، فقد دخل لبنان بعد التمديد بأزمة عميقة أوصلتنا إلى 14 شباط ثم إلى مسلسل اغتيالات ليست نهايته محاولة اغتيال الرئيس الياس المر شفاه الله.

كيف عبرت السياسة وكيف عبر زعماء الطوائف في لبنان في هذه المرحلة؟ لقد عبروا عبر أسلوب ديمقراطي راق على الرغم من أن الفكر الطائفي هو فكر القرون الوسطى إلا الأساليب التي اعتمدوها كانت أساليب ديمقراطية وفق النظام الديمقراطي المعتمد به.

سؤال وهذا للنقاش ولن أجيب عليه: هل نستطيع في لبنان أن نسوغ طائفية غير عنيفة؟ إن تجربة الأشهر الماضية برهنت على أن اللبنانيين يستطيعون العبور بالرغم من كل المخاطر والمزلقات الدموية من حالة إلى حالة أخرى بطريقة ديمقراطية جاء على ذكرها الدكتور ابراهيم كنعان فليتعلم العالم كيف نكون ديمقراطيين.

أين الأزمة في التأليف؟. في لبنان ليس لدينا آلية تأليف للحكومة وهذا في الأساس. فالمنصوص عليه هو المحاصصة في النظام الطائفي على قاعدة النصف بالنصف بالرغم من أن المسيحيين أصبحوا أقلية ولكنهم يأخذون النصف وهذا البلف لن يستمر مطولاً لأن المحاصصة سوف تقوم يوماً بأن يأخذ كلّ حقه. إن الطوائف لا تعدل فيما بينها بل تهيمن على بعضها البعض ولذلك لبنان ليس مشروع دولة بل كونفدرالية طوائف.

ما هو ميكانيزم تأليف الحكومات؟ إنه المحاصصة فبإمكانكم تسميتها ما تريدون من أسماء أخلاقية، ولكن هذه المحاصصة هي غير مكتوبة. وهناك محاصصة أخرى في العالم، فعندما كان للأستاذ منصور عازار مجلة المنبر في باريس ذهبنا لحضور مؤتمر الأوبيك وقد قرأنا لنرى ما سنكتب، فرأينا أن هناك نظام محاصصة ولديه معاييره: عدد السكان، القدرة الإنتاجية، الاحتياط النفطي، الموازنة، التعليم، المشاريع... الخ.. هناك مجموعة معايير محددة جداً حتى لا يختلفوا فيما بينهم.

فما هي المعايير التي يتم على أساسها وضع المحاصصة اللبنانية؟ أظن أننا سنصل إلى وضع المعايير التي بها المناطق، تمثيل الطوائف، المشاريع، إضافة إلى أمور خارجية. إلى أن يأتي ذلك الميكاميزم. والذي سيحصل أنه عندما يقول الجنرال عون كلا فسنقول معه كلا، وعند قوله نعم فسنقول معه نعم، وهكذا دواليك. فالمسألة ليست مسألة مبادئ، ولا أعتقد أنه هنالك إصلاح للفساد في لبنان لإنني أعتقد أن النظام الطائفي يحمي مفسديه لذلك نحن نعيش في لبنان ازدواجية البطل المجرم في كل طائفة، فالبطل لدينا مجرم في طائفة أخرى والبطل في الطائفة الأخرى مجرم لدينا، إن هذه الثنائية موجودة وسوف تبقى مستمرة.

وكما تلاحظون لم أقل كلمة ديمقراطية إلا في الوسائل وذلك لأن الديمقراطية والطائفية لا تلتقيان فإحداهما تلغي الأخرى. هذه الديمقراطية الطائفية التي صنعناها غير صالحة أبداً.

فلنصل إلى العلمانيين، أولاً إن الطائفية لا تهزم بالقتال ضدها أبداً فهي من تهزم دائماً، لقد حاولوا ضربها وكل ضربة لها تزيدها قوة.

ثانياً إن الطائفية لا تهزم بالتعاون معها ولا تهزم بالتحالف معها هي تأكل منك ولا تأكل منها.

إن الطائفية تهزم فقط بأسلوبها. وما هو أسلوب الطائفية؟ إنه المحاصصة.

هل يستطيع العلمانيون، في هذا البلد القول: نريد حصتنا. فكي يقولوا هذه العبارة عليهم أن يكونوا موجودين وإلا لن يكون لديهم حصة. إذاً اتبعوا تلك الطوائف. المشكلة ليست بالطائفية وعلينا ألا نتّهم هذه الأخيرة بالعنف وذلك لأنه موجود في البشرية بأسباب كثيرة فليس صحيحاً أن العلمانية تؤدي إلى السلم وليس صحيحاً أن الأنظمة الوحداوية تؤدي إلى اللاعنف.

أين هم العلمانيون، وأقول ذلك بالعلم وليس بالشعارات، أيها العلماني أنت لست موجوداً فلذلك لن يكون لك شيء وإذا كنت تريد حصتك من هذا النظام ولكي تتقدم ولكي تصبح جزءاً من آلية التغيير ومن آلية التعديل ومن آلية التعامل مع الطوائف بكيان مستقل وليس بملحق بالطوائف ولو حتى خمس نواب أم عشرة أم اثنين، عليك أن تتعامل معهم ليس ملحقاً بلائحة إذا رضي عنك زعيم اللائحة أخذك وأنت مضطر أن تجاريه طائفياً ومن جميع النواحي، كلا عليك أن تكون على قاعدة أن يكون لك حصة. فطالبوا بحصتكم أيها العلمانيون وإلا يجب ألا تلعنوا هذا الضوء الطائفي الصغير الموجود في هذا البلد. وشكراً لكم.


المشاركون في الندوة

المشاركون في الندوة - 23 كيلوبايت