العدد العاشر - نيسان 2006

الحدث ـ الملك

نزار سلوم
السبت 20 أيار (مايو) 2006.
 
صفحة جديدة 1

عادةً ما، عندما تقع حرب، أو تتغير ستراتيجية، يتم البحث عن الذريعة أو السبب اللازم، الذي أوجب وقوع تلك الحرب، أو أدى إلى تغيير تلك الستراتيجية. وليس من الصعوبة اكتشاف مثل هذه الأسباب الكبرى أو الذرائع الواضحة في اللحظات الحاسمة التي شهدها تاريخ العلاقات الدولية. على أن تدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك 2001، أو ما يسمى أحداث 11/9 التي أنتجت أو بررت اعتماد الولايات المتحدة الأميركية لاستراتيجية أخرى كان قد وضعها المحافظون الجدد وهم يواصلون تطويرها حسب المقتضى. إن هذه الأحداث تجاوزت في معناها المعنى الذي كان يتخذه السبب، أو الذريعة لتتطابق مع معنى ما يمكن أن نسميه الحدث ـ الملك استلهاماً مباشراً من مصطلح الشاهد ـ الملك الذي يروج هذه الأيام ويستخدم لوصف أحد الشهود في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، والذي ـ بقدرة قادر ـ وصل إلى ديتليف ميليس، ثم إلى فرنسا حيث نام قرير العين في أحد السجون الباريسية، لشهور عدة قبل أن يتم إطلاق سراحه على نحو مفاجئ!

صفحة جديدة 2

ثمة ما يؤكد تطابق العديد من الأحداث التي وقعت في العالم، خصوصاً في السنوات الأخيرة، وتحديداً، بعد انتهاء النظام الثنائي القطبية، مع معنى مصطلح الحدث ـ الملك الذي نعتمده هنا قياساً إلى أوضح مثال عليه وهو أحداث 11/9.

وبملاحظة هذا التطابق المتكرر، نكتشف تلك النمطية التي تحكم هذه الأحداث كلّها. وهي نمطية تفضي أأإلى استنتاج مخيف ومرعب، وهو من شقين: إما أن التاريخ الحديث والراهن الذي نحن فيه محكوم بوقوع حدث ـ ملك بين فينة وأخرى بحكم واحديته التي تتبوؤها الآن الولايات المتحدة الأميركية، أو أن الحدث ـ الملك هو مقتضى ولزوم استراتيجي، وبالتالي هو حقل مدروس مسبقاً، أي أنه حدث مدبر ومرسوم. وفي حين أن الشق الأول من الاستنتاج يقود إلى الحتمية التاريخية كنظرية لمناقشة النمطية التي تحكم راهننا، فإن الشق الثاني منه يقود إلى نظرية المؤامرة التي وقعت ضحية السخرية، لكثرة استخداماتها، في الخطاب السياسي، والتي يتجنب النقد أو التحليل السياسي النخبوي الحديث عنها، بدعوى ضحالة معناها.

في كلا الحالين: نحن في حقبة الحدث ـ الملك.

يمكن ببساطة الانتباه إلى أن دخول الجيش العراقي الكويت في 2 آب 1990، هو حدث ـ ملك أدى إلى كل هذه المتغيرات التي طاولت العراق بالدرجة الأولى، والخليج بدرجة أخرى، فضلاً عن تأثيراتها الواضحة على الصراع مع إسرائيل.

وفي حين تحدد مجال التأثير لهذا الحدث بتلك الساحة، بقي المجال السوري ـ اللبناني خارج التأثير الحاسم له، إلى أن وقعت أحداث 11/9 التي أنتجت الفرضية الستراتيجية المستمرة، والتي تكررت في الخطاب الأميركي وهي: العالم قبل 11 أيلول غير العالم بعد 11 أيلول. وبذلك انكشف العالم كله أمام المقتضى الستراتيجي الأميركي، ولم يعد أحد بمنأى عن هذا المقتضى، مهما تحفّظ أو تستّر أو حنى رأسه أو غيّر في وضعه فإن وصل المقتضى إليه فلا بد له من الاستسلام!!

وفي حين أن أحداث 11/9 تفترض على الأقل حيادية المجال السوري ـ اللبناني عن تأثيراتها اللاحقة، وذلك بسبب العدائية أو الخصومة الكلاسيكية لهذا المجال مع التطرف الإسلاموي أو الأصولي من جهة، وبسبب الخدمات الملحوظة التي قدمتها سورية على الصعيد الأمني للولايات المتحدة في إطار الحرب الواسعة التي تقوم بها هذه الأخيرة ضد تنظيم القاعدة، غير أن هذا المجال لم يستطع الصمود أكثر من ثلاث سنوات بقليل، لينكسر بعدها، ويتمزق، وهو الآن يقع تحت ضغط هائل، كنتيجة مباشرة لتأثيرات اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005.

يُعتبر حادث اغتيال الرئيس الحريري الحدث ـ الملك الذي ينتمي إلى نمطية مقروءة مسبقاً في نتائجها، كما في تدرج مسيرتها. ويمكن ملاحظة تطابق معنى هذا الحدث مع المعنى الذي قصدناه للـالنمطية التي أشرنا إليها وذلك بمرادفته، على نحو ما، مع أحداث أحدث 11/9 لاكتشاف الخصائص الموحدة التي تبرر هذا الترادف. فمنذ لحظة وقوع الحدث، وبوقت قياسي أصبحت سورية المتهم الوحيد والحصري بهذا الاغتيال، وارتقت هذه التهمة إلى مرتبة البديهية لدى الرأي العام اللبناني والعالمي. ثم عبر برنامج إعلامي ـ سياسي مركّب، تم اختطاف الاغتيال من حقل السياسة الموسوم بمفردات النسبية، والخطأ والصواب، والظروف، والعوامل المساعدة، والتقدم والتراجع.. الخ إلى حقل الأسطورة حيث لا مجال لأدوات العلم، بل تبدو الإيمانية احتكاراً مطلقاً لهذا الحقل ومناخه. واستتباعاً لذلك يخضع التعامل مع هذا الحادث لمنطق لا سياسي، بل منطق لاهوتي يقوم على ثنائية ضدية: إما أنت مع البديهية أو ضدها. ها هنا تبدو بارزة سطوة ثنائية التحريم ـ التحليل التي أنتجتها بالأصل أحدث 11/9، والتي يمكن ملاحظة تأثيرها وقضائها فيما يتم الحكم عليه مثلاً على الكاتب الفرنسي تيري ميسان التي تجرأ على الحدث ـ الملك وسيرته الأميركية فلوحق وهدد وعزل ولا يزال.

تقع سورية، راهناً، وبدرجة أخرى لبنان أيضاً، تحت ضغط وسطوة ومقتضيات الحدث ـ الملك، وهي لذلك تندرج في إطار نمطية مقرورة مسبقاً. تم التعبير عنها في جملة واحدة مهما فعلت سورية، ستظل مدانة وبالتالي ستخضع لمقتضيات البرنامج الأميركي للمنطقة الذي ارتدى حديثاً الجلباب الدولي عبر مجلس الأمن ولجانه وقراراته.

ولكونها في هذا الموقع، وتم سلبها معظم الأدوات السياسية بحكم طبيعة الحدث ـ الملك، فإنها في الواقع تتحول أو يتم تحويلها إلى فريسة يخضع ميدانها لمجال الرؤية الذي يسيطر عليه مفترسها المفترض.

وإزاء علاقة فريسة بـ مفترس في ميدان محكم الإغلاق، تستنفر الفريسة كل وسائلها وإمكاناتها وقواها وحنكتها وألاعيبها ومناوراتها للخلاص، ذلك لأنها تفترض أنها وحيدة أمام قدرها!؟

وإذ تقع الفريسة ضحية المفترس قبل أن يفترسها فعلاً، لا يبقى لها من سلاح إلاّ غريزتها، التي تقودها مرة إلى الاختباء, ومرةً إلى التمويه، ومرةً إلى الإغراء، ومرةً إلى الانكشاف السافر.. ولكن ذلك كلّه لا يحسم الخاتمة التي يقررها المفترس وحيداً.

ثمة شهور خلت بدت سورية فيها كـ فريسة تواجه قدرها وحيدة بسلاح الغريزة. لكن مع إلقاء الرئيس بشار الأسد خطابه في العاشر من تشرين الثاني 2005، وخياره المواجهة، تخرج سورية من موقعها المفترض كـفريسة محاصرة بمنطق مفترسها، إلى موقعها في ساحة المواجهة المكشوفة عن آخرها، حيث يبدو أنها ليست وحيدة كما تفترض النمطية المقروءة مسبقاً لـ الحدث الملك!!. غير أن المفترس الذي لا يمكنه الصيد في ساحة مختلطة وشديدة التشابك، يحاول مرة تلو المرة، وبمختلف الوسائل إعادة سورية إلى الحقل الذي يعزلها لتبدو مستوحدة تواجه نمطية مقروءة يتم تلاوتها في إعلام ضاغط معبّر عن ستراتيجية الحدث ـ الملك ومقتضياته.