العدد العاشر - نيسان 2006

كيف ينجو لبنان من الفتنة؟

نصري الصايغ
السبت 20 أيار (مايو) 2006.
 

الاصطفاف الطائفي بلغ ذروته، التعبير السياسي عنه خرق للمألوف الطائفي، إنه ينذر بخطر استعادة الحروب اللبنانية، أو إعادة إنتاج بعض وجوهها بصيغ جديدة وابتكار مجهول جديد.

كيف يتعافى لبنان من مرضه التاريخي؟

ينقسم اللبنانيون حول قضاياه المصيرية، لكل فريق بوصلة تحدد له الاتجاه المعاكس للفريق الآخر. موقع ودور وانتماء لبنان موزع على أقطاب في الداخل لها صلة مصلحة أو حصانة أو استقواء بأقطاب من دول في الخارج، لا تكف عن طلب الخلاص الفئوي على حساب هلاك سواها، ولا يتفق اللبنانيون إلا ّعلى المؤقت قسراً ومن الخارج. الاتفاق تسوية مزغولة هشة، تنتظر تعديل موازين القوى لتعاد صياغتها بعد محنة أو فتنة.

كيف تواجه القوى السياسية في الراهن الدولي والإقليمي والداخلي، استحقاق الحوار والفوز بالوحدة الوطنية: وحدة الاتجاه، وحدة الخلاص اللبناني المشترك؟

لبنان في مخاض ولادة، أو هو مقبل على استكمال عدة الفتك؟ هل سيولد من تجربته القاسية ومحنته الاستثنائية متمماً واجبات الحياة والاستقرار والسلام الداخلي، أم سيموت بالذبحة الطائفية المستعادة؟ هل سيكون بلداً سيداً حراً مستقلاً معافى بمفهوم موحد للسيادة والحرية والاستقلال، أم سيبقى بلداً سائباً موزعاً في الداخل، داخل استقلالات متنابذة، وحريات الخوف المعلن في الأسئلة السالفة، والقلق الذي تحتضنه، مستولدات من المشهد اللبناني الراهن، بمقدماته الدامية، اغتيالاً وتفجيراً وبحثاً عن الحقيقة ودفاعاً عن المقاومة، وتداعياته المرهونة بحسن سير الحوار لبلوغ اتفاق الخلاص، أو بسوء إدارة القضايا بنيات سيئة، واستقواء، وثأرية، تقود حتماً إلى الهاوية.

وإذا كان من مجال للوصف، فإن البيت اللبناني ـ المؤلف من منازل كثيرة اختصر في الانتخابات ليصير بيتاً مؤلفاً من أربعة جدران، متينة التمثيل الطوائفي: الجدار السني، الجدار الشيعي، الجدار الدرزي، الجدار المسيحي، ويلزم فقط، لإقامة البيت الموحد أن يشتركوا في بناء السقف الموحد فيلتئم التوافق على القضايا المصيرية ـ القديمة والمستجدة، والتي لم يتيسر للبنانيين الاتفاق عليها، بل احتربوا عليها، كما يمنع السقف التسرب الأمني والسياسي من الخارج، فلا يتدخل أحد بأمور لبنان، إلا بإذنه ولا يخرج أحد منه أبداً إلاّ للسياحة!

إن أمام هذه القوى التي أفرزتها الأحداث المأسوية والانتخابات النيابية، فرصةً نادرة للنجاح، إن تميزت بالحكمة والتعقل والتفهم المشترك، أو ستدمر هذه الفرصة إن اختارت منطق التغلب وروح الثأر ونزعة الأثرة الطائفية واستسهال الاستقواء بالخارج الأخوي والدولي.

وأمام هذه القوى تحديداً، أن تقرر كيف تحكم لبنان، وتعبر به من مرحلة لا عودة إليها، إلى مرحلة يعيش فيها اللبنانيون في نظام ديمقراطي توافقي، لا يُستعبد فيه طرف ولا يُتهم، ولا يُشك بولائه، بل تعمل هذه القوى على فتح الطريق أمام نظام ديمقراطي صحي، يخضع فيه الجميع للقانون، ولمنطق المساءلة والمحاسبة المتلازمين في أي نظام ديمقراطي، فإن ذلك يعتبر نقلاً للبنان من مرحلة ما قبل الوطن إلى الوطن، سياج المصالح المادية والروحية لشعبه.

إن الفرقاء جميعاً مدعوون للاستجابة لنداء اللبنانيين: احكمونا، احترموا أمركم واحكمونا، أنتم الممثلون الشرعيون للبنانيين، كما قررتها الانتخابات الأخيرة سواء أكانت حرّة أو مدارة بـوصاية أقوى من سابقتها. لماذا لا تحكومننا؟

إذا كنتم غير قادرين على حكمنا، فهذا يعني أن النظام الطائفي في لبنان، نظام ميت، ينتج قيادات مشلولة العمل، قيادات، جل ما فيها، وبحكمتها، تأجيل الذهاب إلى الهاوية.

هل يمكن وضع خطوط عريضة مبدئية لمسيرة الحوار؟

لعلنا نساهم بتواضع، في وضع هذه العناوين، لعلّنا بذلك ننقل الحوار المفترض من الكواليس، إلى فسحة الضوء، بعقلانية، وبعيداً عن النزق الطوائفي، والغليان الاتهامي، والإفراط في الأحكام المسبقة، السائد اليوم بين الأطراف كافة.

لابدّ أن يمتنع الأفرقاء اللبنانيون عن:

1 ـ التوظيف السياسي والترصيد الشعبي الفئوي والطائفي، انطلاقاً من كون الجريمة، بالبرهان المحلي، لم تكن بحق الحريري وحده، بل بحق اللبنانيين جميعاً، يوفر هذا الموقف مناخ التقاء شعبي ـ طائفي حول مطلب الحقيقة ووسائل بلوغها، ويلغي لغة الثأر السائدة ومنطق التشكيك الدائم وحوار الأفخاخ المعتمد وأسلوب المبادلة الشائن، أعطيناكم كذا (مواقف) فأعطونا كذا في المقابل.

2 ـ الحديث عن صفقات دولية أو إقليمية لبيع دم الشهداء في لبنان، والإصرار على مطلب الحقيقة، والوقوف صفاً واحداً ضد تضييع الحقيقة في أسواق المصالح الدولية المتشعبة.

إن انقسام اللبنانيين إلى فرقاء حول طرف بلوغ الحقيقة يقسم اللبنانيين إلى معسكرات طائفية، متمسكة بثأرية تستمد شرعيتها من مناخ إقليمي/ دولي يتطلع إلى منطقة الشرق الأوسط.

وكخلاصة: لا شيء يضيّع الحقيقة، والنتائج الناجمة عن طبيعتها، إلا خلاف الفرقاء اللبنانيين عليها وعلى وسائل بلوغها، وكيفية توظيفها.

ـ مستقبل المقاومة

النقاش السائد في لبنان حول دور المقاومة، ليس بمستوى خطورة المسألة، يكاد النقاش يشبه بلغته وطريقة أدائه ومحمولاته السياسية المحاججة المناظرة لتسجيل نقاط من دون أن يقدم أرضية للتعاطي الموضوعي والعلمي مع المقاومة.

يمكن تسجيل المواقف وفق ما يلي:

1 ـ فريق يرى أن المقاومة قدمت قسطها في التحرير (باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا) وعليها أن تسلّم سلاحها، وتترك أمر الدفاع عن البلاد للمؤسسات العسكرية اللبنانية، التي تترجم سياسة الدولة الدفاعية، والتي تقررها الحكومة اللبنانية. أما مزارع شبعا فترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، يمهد الطريق لتحريرها، عبر الضغوطات الدولية على إسرائيل.

2 ـ فريق يرى أن المقاومة لم تستنفد مهماتها التحريرية، وهي مستمرة في أداء واجبها لتحرير مزارع شبعا، وتلال كفرشوبا وللإفراج عن الأسرى وجثث الشهداء.

على أن فريق المقاومة وحلفاءها، يبرر ضرورة استمرار المقاومة، بحاجة لبنان لرد العدوان الإسرائيلي، إذ لا طاقة للجيش اللبناني في توازن القوى المختل لمصلحة العدو الإسرائيلي، أن يمنع الاعتداءات الإسرائيلية أو يردعها فالتجربة أثبتت أن توازن الرعب النسبي هو أكثر أماناً للبنان، وأقل كلفةً.

3 ـ فريق يؤجل البت بموقفه، مع ميل إلى حصر المقاومة بالتحرير حصراً من دون أي امتداد مستقبلي لها بعد التحرير، إذ لا يجوز قيام دولة المقاومة في الدولة المستقلة ذات السيادة، ويسعى هذا الفريق إلى إيجاد صيغة يضم فيها سلاح المقاومة إلى السلاح الشرعي الوحيد وعلى هامش هذه المواقف تتطاير نقاشات اتهامية:

1 ـ سلاح المقاومة ليس لبنانياً فقط، بل هو في خدمة أغراض إقليمية مرتبطة بمرتفعات الجولان المحتلة، وفلسطين المنتفضة، والسياسة الإيرانية الإقليمية والدولية.

2 ـ سلاح المقاومة ليس لبنانياً، لأنه محصور في يد الطائفة الشيعية، ويخشى في غفلة ما من الاستقواء بهذا السلاح، لفرض سياسات لبنانية لا تلقى تأييداً لدى فرقاء لبنانيين، أو لا سمح الله، لاستخدامه في حروب لبنانية بين الطوائف.

إن هذه المواقف المتباينة والمتضاربة، تشل القوى اللبنانية المختلفة، عن صيانة موقف موحد، لكيفية التعامل مع القرارات الدولية، وتحديداً مع القرار 1559.

سلاح المقاومة، ليس جسر الأوزاعي، وليس مؤسسة كهرباء لبنان، أو أي منشأة لبنانية، إنه قوة لبنان، ومنعة لبنان ووسيلة من وسائل التحرير.

سلاح المقاومة قضية بحجم دولي وإقليمي ينظر إليه كجزء من المعادلة الاستراتيجية في الشرق الأوسط (الصغير والكبير) إنه هم لبناني، على قياسات طائفية، فيما هو هم إسرائيلي استراتيجي، وهم دولي متعاظم، إنه ليس سلاحاً بيد ميليشيات لبنانية بل هو سلاح.. لردع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، النموذج الفلسطيني واضح، والنموذج العراقي دامغ، وكلاهما يؤكد فرضية أن المقاومة خيار استراتيجي حصري.

سلاح المقاومة الذي ينظر إليه البعض، على أنه عامل تهديد للبنان، هو في رأي الفريق الذي تطوع لحمله، دفاع عن الأرض وكرامة الوطن، هو سلاح أمان للبنان. فبين أمن لبنان من قوة مقاومته، والخطر على لبنان بسبب سلاح مقاومته، فارق كبير، وهذا يستدعي من اللبنانيين، دراسة أفضل الوسائل، وإبداع الصيغ الكفيلة بتأمين ما يلي:

1 ـ الحفاظ على قوة لبنان، وعدم الانتقاص منها، بل وزيادة فعاليتها.

2 ـ طمأنة الأفرقاء اللبنانيين، بأن سلاح المقاومة ليس للاستهلاك الداخلي بقدر ما هو لحماية لبنان من العدوان الإسرائيلي، ومشاريع التسوية الظالمة بحق لبنان.

3 ـ طمأنة اللبنانيين، بأن المقاومة هي من وسط طائفي ولكنها لبنانية، لصيانة السيادة والاستقلال والحرية.

4 ـ طمأنة اللبنانيين، بأن المقاومة ليست لتأدية وظيفة إقليمية وأن حاجتها إلى الدعم، لا تفرض عليها ولاءات سياسية داخلية.

5 ـ إيجاد صيغة تحافظ فيها المقاومة على سرية الحركة وعلى المبادرة والعمل المستقل، تحت سلطة قرار سياسي يُتخذ في مجلس الوزراء أو الاستمرار بلعب دور الثنائية المنفصلة والمتصلة، والتي سادت في المرحلة السابقة، حيث كانت المقاومة أداة تحرير للبنان بمعزل عن التدخل بالتفاصيل الميدانية والعمليات الأمنية المعادية للاحتلال.

وكخلاصة: لم يعرف العالم القديم ولا العالم الحديث، أن جرى التخلي عن القوة وأدواتها العسكرية، قبل هزيمة العدو، أو إقامة سلام دائم، أو بلوغ تسوية مضمونة من أطراف قادرين على حماية التسوية.

لا نجد دولة تخلت عن قواها العسكرية، أو عن مقاومتها، قبل بلوغ هذه الأهداف، ولبنان، لم يبلغ حتى الآن، أي مرحلة من هذه المراحل، بل هو على عكس ذلك معرض، لأسباب ذاتية وإقليمية، لاستمرار الاعتداءات الإسرائيلية عليه.

اللبنانيون أمام امتحان من أصعب امتحانات وجودهم. إذا أخطؤوا التقدير، دخلوا في الفتنة.

إن توسل لغة القوة يدخل لبنان في المحظور الوطني: الحروب الأهلية المتناسلة. وهذه الرؤية ليست ترهيباً.

أخيراً جدول الأعمال الصعب هذا لا يخلو من نقاط خلافية أخرى كثيرة إلا أن الاتفاق على الصعب يوفر للبنانيين فرصة التوافق، حول آلية العمل في السلطة، توافقاً أم انتخاباً، وآلية الانتقال من المرحلة المؤقتة، إلى مرحلة بناء الدولة.

هل هذا كل شيء؟

قد يكون كل هذا، لا شيئاً، إذا استمر خلاف اللبنانيين، وتركوا أمورهم لوساطات خارجية، والنتيجة: اللبنانيون غير قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم، وهم بحاجة إلى وصايات متوازنة ومتوازية، إقليمية ودولية لصيانة العيش المشترك الموهوم، والوحدة الوطنية المزعومة.