العدد العاشر - نيسان 2006

في أزمة الحراك المدني الديموقراطي

علي عمران
السبت 20 أيار (مايو) 2006.
 

ربما، لا تمثل موضوعة الدولة إشكالية أولى بالنسبة للعديد من المهتمين بالشأن العام في العالم العربي0 سيما أن التفاصيل السياسية و الاقتصادية الحادة تضغط اليوم و بإلحاح كبير على العامة والخاصة،و بعضها يشكل تهديداً يطال المصير0 غير أن جل العناوين السياسية والاقتصادية والحقوقية، المطروحة هنا وهناك تقتضي طرح موضوعة الدولة كمسألة مركزية متصلة بشتى الحلول المقترحة لأوضاعنا العامة، فالإرهاص بالديمقراطية، والحرية، والمدنية، والإصلاح السياسي، وغيرها..، يمس مسألة السلطة والمجتمع، والعلاقة بينهما في آن. في حين يحرص البعض، ولدوافع سياسية موسمية، على تركيز السجال في هذه الموضوعات على بعد وحيد لا تخفى فيه النزعة إلى منابذة النظام السياسي0 ليس لتغييره أو تطويره، بل للحلول محله. و ما يدعونا إلى مثل هذه القناعة أننا لا نشهد لدى معظم المرهصين بالتغيير مشاريع ذات بعد مدني حقيقي، بل انفعالاً بعناوين شديدة العمومية، محمولة على خطاب سياسي ثأري يستلهم مناخات دولية واقليمية، ويستثير كوامن عصبوية داخلية تطعن في صدقية النزوع إلى خلاص ديمقراطي مشفوع ببصيرة مشدودة إلى التحديث والتطوير. بالمقابل، لابد من تثمين الجهود الخالصة التي تبذلها نخب هنا وهناك لبلورة مشاريع وصيغ وآليات تعزز الخطى نحو إصلاح سياسي حقوقي في إطار مدني يصلح منصة للانطلاق بجدارة نحو المستقبل.

2 يفترض في الجدل المثار حول الحرية و الديمقراطية و حقوق الإنسان في دول العالم العربي، مهما كان موجهاً ضد الأنظمة، أن يستبطن نقداً لواقع الدول وأحوال مؤسساتها، و ينطوي على إقرار بأن أداءها الراهن لا يحقق متطلبات العدل السياسي و الحقوقي والاقتصادي، ولا يلبي التطلعات إلى مواطنية تنعم بالمساواة، و قادرة على النهوض إلى سلة من الحقوق والواجبات.. بحيث يتحول المجتمع إلى سلطة رقابة و محاسبة توازن وتصحح سلطة القرار من ضمن حيوية سياسية يتعزز فيها، وبها، الأساس المفهومي لعلاقة المواطن بالدولة، وهذه العلاقة لا تستقيم إلا على قاعدة الحرية، الشرط الأساسي للغنى الذي يحول المجتمع من كََّم بشري كظيم إلى دينامية خلاقة مؤطرة في أحزاب سياسية، وهيئات مدنية وتنظيمات تكون شريكة في بلورة معنى و اتجاه الإرادة العامة0 إن تعثر قيام الدولة الحديثة في العالم العربي يرتبط بصورة جوهرية بتعثر المبادئ و الحركات المدنية في هذا الشرق، خصوصاً أن النزوع نحو المعاصرة قمع تاريخياً على أكثر من مستوى . وأدبيات القرن الماضي تحفل بمواجهات فكرية و سياسية عنيفة بين تيارات مدنية، علمانية أو غير علمانية، وبين ذهنية اجتماعية مستباحة من العقل السلفي، الذي جعل من مثاله الديني معياراً في التجسيد ضد إرهاصات الحداثة، خصوصاً ما يتعلق منها بالتشريع المدني السياسي الحقوقي، بحيث حسمت مجمل الخيارات في بعدين حديين : ((مع)) أو ((ضد))0

وهنا ينسحب ما قاله ادونيس في "بيان الحداثة" حول الفكر و الفن والأدب على مختلف المسائل ذات الصلة بتفاعل "العقل العربي" مع قضايا العصر. والوقائع العملية تؤكد أن العقل العربي مازال يستبطن، بحرارة عالية، أوهاماً شتى حيال الدولة المدنية، سواء من حيث أساسها الدستوري، أو اتجاهها وآليات عملها . والسجال بين دعاتها و معارضيها كان و لا يزال محكوماً بوهمين معياريين،" وهم المغايرة" و" وهم المماثلة" الأبرز حضوراً في الأدبيات السياسية و الحقوقية التي حاولت الإجابة على السؤال " أي دولة نريد ..؟ "0 وأصحاب كلا الوهميين ينطلقون إلى الجواب من نقطة عقائدية تقع خارج دوائر الذات، وليس لها إحداثيات حقيقية في صفحة الراهن . فدعاة المغايرة المشدودون بنظرهم إلى نماذج الدولة في الغرب، وإلى وضعية ماكس فيبر وثورية جان جاك روسو،حولوا هذه النماذج، وتلك الثورية إلى مثال إيديولوجي صارم من دون مراعاة للخصوصيات المقيمية في المجتمعات العربية، وهذا ما عبر عنه البعض بــ ((صدمة الحداثة )) التي جاءت ارتكاساتها ونتائجها نفوراً من صيغ الدولة المدنية.. لاتصالها بالغرب الذي مازالت صورته منذ عهود الانتداب نقيضاً لشعوبنا في الهوية والإرادة والمصالح0 ولا شك أن مفهوم ((الغرب النقيض )) هو الأساس النفسي لإشاعة وهم المماثلة الذي دفع بأصحابه بعيداً نحو الماضي .

ولذلك لم يكن غريباً أن الخط النفسي، منذ ذكي الأرسوزي وساطع الحصري 000إلى بن لادن والزرقاوي، قاد، عبر الخلط بين الموروث والتراث، إلى فطرة ماضوية لا تبصر أنوار الحياة العصرية، وهذا الخط النفسي الذي يعاني غربة حيال الحداثة بررته على مدى العقود تعميمات.. وأحياناً عادات فكرية، تصر على أن ((صورة الكمال القومي))عند العرب ماثلة في الماضي0وأن التاريخي هو المثال الكامل،00وهذا التبسيط في الدعاوى القومية أنتج المأزق الحضاري الذي نعيشه اليوم جراء التناقض في المثال بين مبادئ السلفية وبين الحداثة.. التي جاءت الدولة القومية كأبرز تعبيراتها في الاجتماع السياسي الاقتصادي. والخصوصية الجوهرية في الدولة القومية أن شروطها لا تتحقق ولا قيامة لها في مناخات الضعف والتخلف الفكري والاجتماعي .

إن ما ساعد على شيوع المد السلفي، ليس قوة شكيمته الفكرية وغلبة منطقه، بل ضعف النخب والأحزاب المدنية والعلمانية، ومن ثم نزوعها إلى التوفيق بين مبادئها وبين تفاصيل المأزق الثقافي السياسي، وتكييف مقولاتها في الدولة والمجتمع، مع الخطاب الماضوي، من دون النجاح في التوصل إلى التسويات الموضوعية،.. التي ربما كانت ضرورية لخلق فضاء صالح نحو الحركة المدنية العلمانية. ومثل هذه النخب مازالت تدور حول نفسها، متجاهلة أن أهم أخطائها التطبيقية اقتناعها بإمكانية إطلاق حركة حداثة حقيقية بعدّة فكرية قديمة. وهذا التجاهل ينطبق على التيارات المدنية العلمانية كما على أهل السلفية، فالمبادىء الدستورية والحقوقية ومفاهيم الديموقراطية والليبرالية والعلمانية التي قبسها مثقفونا من الغرب تعود إلى قرون خلت، والمشكلة أننا لم نشتغل عليها كي نبلور في مضمونها ما يعبر عن خصوصياتنا،.. بما يحقق خيرنا وفلاحنا،.. ولا نحن استفدنا من إجراءات العقل النقدي الغربي عليها، فالمدنيات الغربية تجاوزت الكثير من مبادئها القديمة، وتقدمت إلى ما بعد الحداثة، بينما العلمانيون في العالم العربي مازالوا يتجادلون حول أطروحات الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر. وهكذا، أصبح معظم الحداثيين العرب سلفيين قياساًً إلى مفاهيم العصر، وأغلبهم يعاني من الغربة حيال صورة العالم الحديث، وهذا يفسره أن تقدم حركة التعليم في العالم العربي لم يؤد إلى تطوير البنى الاجتماعية، ولم ينتج انساناً جديداً قياسا إلى ما حصل في المجتمعات الحية . كما أن دخول الأجيال الجديدة إلى مختلف الأختصاصات الإنسانية والثقافية لم يثمر تقدماً في المفاهيم نحو مواطنية صالحة للانضواء تحت مظلة سياسية حقوقية واحدة،..لكأن نتائج التعلم في أجيالنا أشبه بنتائج التجهّل، وإلا لماذا كل هذا النكوص نحو سلفيات متعصبة ومفاهيم ماضوية تجعلنا اليوم أقرب إلى نموذج الدولة الدينية . . ولو بعناوين مدنية وعلمانية ؟!! إن مقاربة أحوال المجتمعات العربية إلى صورة العالم الراهن تكشف أننا نعاني من مأزق حضاري كبير جراء عدم قدرة مجتمعاتنا على التناغم الروحي مع إيقاع الحداثة المعاصرة في الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي . أمام هذا المأزق، يصبح من غير المنطقي الاعتقاد بأن عملية التحديث والتطوير يمكن أن تأخذ مجراها تلبية لإملاءات العولمة أو نزولاً عند رغبات القوى الدولية الضاغطة، فالإصلاح لا يستقيم ما لم يكن ملبياً لحاجة مادية نفسية مقيمة في المجتمع ذاته،.. والانطلاق إليه يبدأ من نقطة موضوعية تتمثل فيها بقوة اتجاهات العقل الاجتماعي وخصوصية نظرته وممكنات الواقع،.. وكل إصلاح يفرض بقرار استبدادي يكرس مناعة ضد فكرة الإصلاح ذاتها،.. ألم تقم الأنظمة العربية على مدى القرن الماضي بفرض مبادئها الإصلاحية، ماركسية كانت أم ليبرالية ؟؟ أليس في النتائج الاجتماعية والثقافية والسياسية عبرة تاريخية لمن يبحث عن مدخل إلى الإصلاح والتطوير؟؟ إن السؤال "..أي دولة نريد ؟ " لا يقع جوابه في دائرة السياسة وحدها، بل في الانتربيولوجيا البنيوية والثقافية التي تحدد " .. أي مجتمع نحن الآن، وتبرز في خصوصيتنا الجوانب الأمثل لأن يبنى عليها نسق ملائم من الإصلاح يمكن للإرادة أن تستبطنه، وتنهض بمبادئه، وتراكم النجاحات فيه وبه . ومثل هذا الاتجاه يمثل عودة إلى الموضوعية، ودعوة للتحرر من العناوين والكليشيهات والنماذج التي استسهل البعض اقتباسها عن الغرب، ثم لم تلبث أن تحولت في الأدبيات العربية إلى صيغ مطلقة تضلل الرؤية إلى الواقع. ولم تنتبه النخب الفكرية في العالم العربي أن "تأليه" قوة المثال السائد في الغرب على حساب قوة المبادئ المتصلة بالرابطة الاجتماعية سيجعل من الآخر الحضاري ملاذاً يستسهل الوجدان العام اللجوء إليه كلما احتاج المجتمع إلى حلول لمشاكله وأزماته .

ومثل هذا الاستسهال لا يعزز تماسك " الذات" في تفاعلها مع الآخر، بل يبدد حيويتها وقدرتها على اكتناه الحلول وإبداع الصيغ التي يفترض أنها تحقق مصالح الـ " النحن " أولاً، وتؤمن في الرابطة الاجتماعية شروط التوازن والانسجام والتصالح مع الذات ومع العالم في آن . هذه ليست دعوة لاعتبار الغرب نقيضاً حضارياً، بل لتنظيم دواعي حاجتنا إليه بما لا ينفي حاجتنا إلى نفسنا . إنها دعوة لاستحضار القوة الكامنة في مجتمعاتنا بحيث ننخرط في صناعة المصير بكل ميزاتنا الانسانية، فلا يظل تصنيفنا في أدبيات العالم "ذلك الشيء الذي اسمه عرب " !! 4 إن الانتقال من العشوائية إلى التنظيم وسلطة القانون ورقابة المجتمع، حلم مصيري على الأجيال العربية أن تواظب على النضال من اجله والعمل بمختلف الوسائل لتوفير الشروط الموضوعية اللازمة لتحقيقه في اطار مدني يليق بتوقها إلى التقدم والانعتاق .

وواهم من يظن أن مثل هذا التحول يمكن أن يتم بقرار فكري، أو بإجراء حكومي، بل بمسار ينهض بالمجتمع الأهلي إلى مستوى الارادة العملية في التغيير. ولإطلاق هذا المسار لابد من توفر عقلية منفتحة نحو الآخر، ونظرة مشبعة بالحرية، وزمن كاف لمراكمة تجارب ونضالات تصعد بها خصوصيتا إلى مراقي الفعل التاريخي، وهذا الحراك المجدي يصنعه المواطنون وليس الرعايا ،.. فالذين تتآكلهم رتابة الدوران في فلك الملة والطائفة والعشيرة والأتنية، وهواجس الأكثريات والأقليات، لايمكن التعويل عليهم في إطلاق بصيرة الخلاص العام، مهما كان خطابهم الظرفي متغنياً بالحوار والديموقراطية .

إن تفعيل مسارالاصلاح السياسي في دول العالم العربي يحتاج مسبقاً إلى تأصيل المفاهيم والمبادىء المدنية في حياة الناس، ليس في الفكر وحده، بل أيضا بالتنشئة والممارسة، وهذا يستدعي إحداث تغيير عملي في العادات العقلية والروحية..بحث يخرج الناس من كهوف الفئويات الطائفية والاتنية إلى منازل المجتمع،.. حيث النوافذ مشرعة على بعضها البعض، وحيث المجال مفتوح على التفاعل والتكامل، الشرطان الضروريان لتوليد الاحساس العملي بقيمة الآخر. عندها تصح القناعة حقاً بأن المجتمع ارتقى أولى درجات الحرية، الفريضة الأساسية لقيامة المدنية .

إن التفاعل الحيوي بين البنى الأهلية في المجتمع لا يمكن أن يتم من دون إلغاء مختلف الحواجز التي تعيق انفتاح الأفراد والجماعات على من يفترض أنهم آخرون بالنسبة لهم. وهذا الاستحقاق الإصلاحي لا يتم بالمواعظ والتغني بأهمية الحوار وأناشيد الوحدة الوطنية، بل بإفساح المجال واسعاً أمام حركات وأحزاب مدنية وعلمانية أصيلة لتلعب دورها في تحويل التنوع إلى غنى ينعش دورة الحياة الاجتماعية في الاقتصاد والثقافة. وكلما توفر الإحساس بهذا الغنى كلما تعزز المناخ الأمين والضروري لعدم تحويل عملية الإصلاح إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

هذا التفاعل الطبيعي، وغير المصطنع، هو الذي يوفر للحوار إمكانية توليد العقلية الديمقراطية الكفيلة بإنتاج أنظمة ديموقراطية تحضر فيها خصوصياتنا الثقافية والبنيوية، وتوفر في الوقت ذاته أمكانية التدرج نحو حياة سياسية اجتماعية صاعدة . إن الديموقراطية هي مسار وليست مجرد شعار، لذلك لا يجوز تبسيط مبادئها واختصارها في بعد وحيد هو " تداول السلطة" وإلا تحولت إلى فولوكلور موسمي لانتخاب أشخاص وليس لانتخاب ومفاضلة مشاريع ورؤى وأفكار تتصل بمصير المجتمع .

أما الضلالة الكبرى فتأتي من الاعتقاد أنه يمكن تشييد عمارة ديموقراطية نظيفة، وتؤدي دوراً حقيقياً في إنهاض المجتمع، من دون أحزاب مدنية عريقة قادرة على مد الحياة السياسية بالمشاريع المشدودة إلى الأمام، والمؤهلة من داخلها لأن تكون مدارس في ممارسة الحوار والنقد الشرطان الأساسيان لقيام الديموقرطية . والاشكالي هنا أن معظم الأحزاب في العالم العربي متصالحة مع عيوب مجتمعاتها، وأغلبها لم يقدم تراثاً تاريخياً يمكن النخب التواقة إلى الحرية والتجدد من الثقة بأهليتها للعب دور ايجابي في المخاض المدني الديموقراطي . فهلا ينبلج صبح الديموقراطية عن أحزاب جديدة لأجيال جديدة !!