العدد العاشر - نيسان 2006

أين ذهبت التكنولوجيا بالمثال الأعلى؟!

السبت 20 أيار (مايو) 2006.
 

يبدو أننا قد خرجنا اليوم على نحوٍ شبه تام من باب العادات الموروثة لندخل باباً واسعاً هو باب العادات والتقاليد المتبادلة والثقافات المختلطة. فلم يكن لدخول الانترنت والخليوي وثورة الاتصالات بشكل عام تأثير علمي فقط بل كان لها تأثيرها الأخلاقي والسلوكي وأيضاً امتد إلى أسلوب التفكير ليخلق فجوة واسعة بين أسلوب تفكير الجيل السابق لثورة الاتصالات والجيل المعاصر لهذه الثورة وإحدى مساحات هذه الفجوة شخصية المثال الأعلى تلك الشخصية التي طالما وجدت في أذهان ومبادئ الجيل السابق وأصبح وجودها اليوم شبه معدوم لدى هذا الجيل الذي ينعته الجيل الذي سبقه بجيل الدش وكأن الدش هو من أفسد هؤلاء الشباب بالرغم من كل إيجابياته فهل أضاعت التكنولوجيا قيمنا ومثلنا العليا: أم أن هذا المثال الأعلى كان هشاً حيث لم يستطع أن يقف أمام هذه التكنولوجيا؟ وما هي أهمية المثال الأعلى في شخصية الشباب اليوم؟

وكان لتحولات لقاءات لاستشراف آراء عدد من الشباب في مثالهم الأعلى إذ كان موجوداً.

سحر قطامي (23 سنة طالبة في كلية الفيزياء):

وسائل الإعلام جاءت بمثابة الضربة القاضية للمثال الأعلى فشخصية المثال الأعلى يندر وجودها في داخل أعماق شبابنا فكيف يكون الحال عندما تقوم وسائل الإعلام بالتشويش من خلال تقديمها نجاحات أشخاص لا يستحقون الشهرة التي هم بها وهذه الشخصيات هي مناقضة تماماً للشخصيات التي تكون بالفعل جديرة بلقب المثال الأعلى.. أنا شخصياً لا أرى من يستحق أن يكون مثالاً أعلى اقتدي به.

أما نفين زند الحديد وهي خريجة صحافة (21) سنة تقول إن الموضوع نسبي جداً، فالايجابيات في الأشخاص هي مثل عليا فالضمير الحي عند كل شخص والايجابيات هي أمثلة عليا بالنسبة لنا فلا يوجد شخص اسمه المثال الأعلى لأنه كما توجد إيجابيات في الشخص توجد سلبيات أيضاً.

ويقول بهاء الدين عبد الرزاق (طبيب أسنان 29)، أظن أن الأب يجب أن يكون مثالاً أعلى لأطفاله وعندما يكبرون يتولى هذه المهمة أساتذة الجامعة لكن مع الأسف لا نجد هذا المثال إلا ما ندر وأنا لا أجد إلا والدي مثالاً أعلى لأنه الوحيد الذي لم تشوه صورته في نظري حتى الآن، أما شخصية المثل الأعلى عند سمير الزين (طالب بكالوريا 18 سنة) فهي غير موجودة ولكنه يميل لشخصيات الفنانين الشباب فهم ذوو أشكال جميلة على حسب قوله! وكان هذا رأي فراس قطامي (25 سنة أدب إنكليزي) فهو يرى أنه لا يوجد مثال أعلى فشخصيته ضاعت وتبددت ولم تعد موجودة اليوم، ويقول مهند الدوس خريج صحافة (24) سنة المثال الأعلى أصبح نادراً وغير موجود في واقعنا وحتى لو كان موجوداً فهو مدغم وغير ملحوظ وذلك لعدم تسليط الأضواء عليه إضافة إلى أنه لا يوجد ما يحفزنا على التفاؤل لأن التشاؤم قد غلب على واقعنا. أما جيهان مردم بيك (سنة ثانية أدب إنكليزي) فتقول: لم أفكر في هذا الموضوع ولكن أميل إلى الفنانة نانسي عجرم فهي ظريفة ومهضومة ومحبوبة وخصوصاً من الجنس الآخر.

وتشير ناديا اليونس طالبة أدب عربي إلى نوع آخر من المثال الأعلى وهو الصديق فتقول صديقتي هي مثلي الأعلى في التعامل مع الناس ومواجهة ما يعترضني من مشكلات وهي مثلي في الوفاء والإخلاص. وتقول المدرسة ورده سلوم إن أمها غير المتعلمة هي مثالها الأعلى في التسامح والعمل الجاد فمن جدها في عملها البسيط تعلمت الجد والاجتهاد في دراستها وفي اعتقادها أن الأب والأم يجب أن يكونا مثلاً عليا لأطفالهم.

رأي مختص: ناقوس خطر يجب قرعه

يقول الدكتور كامل عمران رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة دمشق إن المثال الأعلى ضرورة لابد منها، ولكل مرحلة عمرية مثالها الأعلى فالطفل لا يجد حوله إلا والديه وفي المدرسة يكون المعلم وكذلك في الجامعة وهناك مرحلة ما بعد الجامعة فالمدير مثالاً قد يكون مثال أعلى وقد يكون (فناناً ـ أديباً ـ سياسياً ـ لاعب كرة قدم) كل منا حسب ميوله واتجاهاته وكل ذلك يحدده الزمن وعمر الإنسان، وكذلك للأسرة دورها في التأسيس من خلال مراقبة الطفل وأصدقائه ومتابعته كل ذلك يؤدي إلى إنشاء طفل قادر على اختيار شخصية سويه يتمثل بها وتستطيع دفعه إلى النجاح، أما إلقاء الحبل على الغارب فسيؤدي حتماً إلى أحداث خلل فالأسرة هي رقم واحد ويشاركها في ذلك وسائل الإعلام وذلك وفق معادلة يجب تحقيقها بشكل صحيح لأنه في بعض الأحيان تقوم الأسرة بالتوجيه باتجاه معين ووسائل الإعلام باتجاه آخر ومعاكس أحياناً فيحدث عدم توازن خصوصاً أن وسائل الإعلام اليوم قادرة على مزاحمة الأسرة لذلك يجب إيجاد نوع من التنسيق بينها وبين المجتمع، فالمجتمع هو المسؤول عن وسائل الإعلام وفلسفة المجتمع هي التي توجه وسائل الإعلام والأسرة، وبغياب هذه الفلسفة يحدث ما نراه الآن حيث وسائل الإعلام حطمت النماذج التي تحاول الأسرة بناءها فأطاحت بنموذج المواطن المتفاني في عمله ولم تركز على نموذج الأب المثالي فلا نرى إلا قلة يتمثلون بآبائهم كما شوهت صورة المعلم ليظهر بمظهر الإنسان البائس الفقير ولكن هذا لا يعني إلقاء اللوم فقط على وسائل الإعلام بل هناك دور واضح للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فعندما تختلط الأمور يصبح الممنوع مرغوباً والمرغوب ممنوعاً فنجد الأستاذ الجامعي المرتشي والمفتقد للأخلاق وهذا سيؤثر في سمعة الجامعة بأكملها وفي صورة الأستاذ الجامعي خصوصاً ما نراه اليوم في الدراما وما تقدمه من صورة مشوهة له. كما أن وسائل الأعلام تركز على كل ما هو سطحي وفارغ وجذاب بشكل يستقطب الشباب من غير وعي فأنا مثلاً لست ضد الفيديو كليب ولكن بطريقة عقلانية وغير خلاعية كما نرى اليوم، وأؤكد على أنه يجب أن نستعمل فلسفة عنوانها ما للأسرة وما لوسائل الإعلام والمجتمع والمنظمات الأخرى حيث يكون لكل منهم دوره لنقدم المثال الأعلى الصحيح وإلا ضاع كما نرى اليوم.

وأقول ناقوس خطر يجب قرعه اجتماعياً فلا يجب أن يكون المطرب الهابط مثالاً والفنانة الخلاعية مثالاً والشخص السيئ مثالاً كما أشير إلى نقطة يجب الحذر منها عندما يكون الصديق مثالاً أعلى فهذا خطأ شائع خصوصاً إذا كان الأقران سيئين فالطفل والشاب قد لا يرى أخطاء وعيوب أصدقائه كما أنه من الضروري الابتعاد عن التقليدية في تعاملنا مع أطفالنا فتطوير المفاهيم ضروري بشكل نحافظ به على الجوهر ونتماشى مع روح العصر.

كلمة أخيرة:

كلمتنا الأخيرة نتوجه بها إلى المعنيين وهم الأهل، شركات الإنتاج، وكل من له صلة بالموضوع يجب توجيه الجيل بالشكل الذي يمكّنه من تحديد أهدافه والسعي للوصول إليها، وشخصية المثال الأعلى أحد هذه الطرق التي توجه الجيل لذلك يجب زرعها في أذهان الأطفال من قبل الأهل وتغذيتها من خلال وسائل الإعلام وذلك بتقديمها نماذج تصلح لأن تكون مثلاُ عليا وليس كما نرى اليوم حيث أصبح الإنسان الذي يتاجر بنفسه وبجسده هو الإنسان المشهور والذي يتم تقديمه بصورة يستحوذ بها على عقول الملايين من شبابنا وبما أن الشهرة هي التي تسيطر على هواجس الشباب فيهمون لتقليد هؤلاء المشاهير على حسب اعتقادهم في حين تبتعد الأضواء عن شخصيات أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها مثل عليا لما تتمتع به من كفاءات وقدرات فتقوم وسائل الإعلام بتجاهل هذه النماذج وتقديمها أحياناً بشكل جاف وخال من أي جاذب.

عزة شتيوي