العدد العاشر - نيسان 2006

حاجز صمت

هاني السعدي..
السبت 20 أيار (مايو) 2006.
 

إن كان يدري فتلك مصيبةٌ وإن كان لا يدري فالمصيبةُ أعظمُ..

تعديلات الليث حجو أنقذت خلف القضبان وتشويق يوسف رزق زاد طينَ الحاجز بلةً

في أعقاب انتهاء عروض رمضان، تبرأ الكاتب هاني السعدي من مسلسل خلف القضبان الذي أخرجه الليث حجو، بحجة أن المخرج أجرى تعديلات على الأحداث والشخصيات، وبدا ذلك مفهوما بالربط مع عمل المؤلف هاني السعدي الثاني، حاجز الصمت، فقد جاء خلف القضبان رغم بوليسيته، مترابطاً، يحاول أن يحمّل شخصياته وأحداثه مبررات منطقية، مدروسة اجتماعياً ونفسياً، وجاء معقولاً، رغم بعض العثرات، وبعض الشطط، أما عثرته الأكبر فكانت في سعيه، على غرار الأعمال الهوليوودية، لخاتمة سعيدة، حيث حل كل المشكلات المطروحة بطريقة تبويس اللحى، فجمع كل مجرميه في سجن واحد، يطل عليه الكاتب النابغة، يسمع ويسمعنا مبررات الشخصيات، في تكرار هنا، وبلا مسوغ هناك، دون أن ينسى ـ الكاتب، والكاتب ـ أن يتلو علينا رؤيته وتحليله واقتراحاته.

الليث حجو بتعديلاته الواضحة على النص، أنقذ خلف القضبان وحجز له مكانا بين الأعمال الجيدة، فيما زاد المخرج يوسف رزق، طينة حاجز الصمت بلة، في سعيه المعروف إلى تشويق مفتعل وبلا معنى، ويمكن أن نذكر للمخرج الشاب المجتهد الليث حجو أيضاً شغله البصري الجيد على مادته، حيث قدم صورة تلفزيونية مشغولة بإتقان، ومبنية على تشويق درامي لم يشطح إلى تلفيق أو فبركة، ليؤكد حجو ثانية على قدرته الإخراجية، التي أثبتها في أعمال سابقة حققت الكثير من النجاح.

أما حاجز الصمت، فلا أحد يمكن أن يجزم بما أراد الكاتب هاني السعدي أن يقول من خلاله، فالمقولات كلها تبدو هنا مقلوبة، مغلوطة، قد تتقاطع مع ثقافة جديدة وافدة، ترى في الانحلال الاجتماعي، والتحرر من القيم والعادات والأعراف والأخلاق، رداً احترازياً على احتمال تنامي أفكار متشددة مرفوضة من العم سام، صاحب (العالم) دون شركاء، وحامل لواء الحرب على الإرهاب، ولواء اتهام العرب المسبق بالإرهاب، أو لعلها لا تتقاطع إلا مع الرغبة في فبركة مسلسل مسلٍ، بكمية كبيرة من الفبركات والتشويق الهوليوودي، دون انتباه إلى أن أردأ الأعمال الهوليوودية تبنى على أفكار محددة، ومقولات لا تخدش ولا تمس عمق المجتمع الأمريكي، وإن كان ثمة أفلام أمريكية عدة، تتناول موضوعات العنف والجنس فليس هناك فيلم واحد يشجع على ذلك، ولو حدث، فسوف نسمع عن تظاهرات وإجراءات ضده.

وسواء تأسس المسلسل على ثقافة جديدة، أو قصد الترويج للانحلال أو التحذير منه، فقد قدم بناء درامياً لا يتسق والواقع الاجتماعي للدول الناطقة باللغة العربية، مع التأكيد على أن خطاب الدراما السورية لا يعني السوريين فقط.

من الواضح أن نجاح أبناء القهر في طرحه الحذر لحالة مريض بالإيدز، دفع الكاتب هاني السعدي، لكتابة عمله الجديد، باسم كسر حاجز الصمت، وهذا يذكر بفيلم أمريكي يدعو لكسر حاجز الصمت فيما يتعلق بالمتعرِّضات للتحرش الجنسي والمغتصبات، اللواتي لا ينصفهن النظام القضائي الأمريكي، وللأسف فأنا على عكس الكاتب، لا أذكر اسم الفيلم وأبطاله، لكن الخلط بين الإيدز وكسر حاجز الصمت، أنتج دراما مفبركة، لا معنى لها، وما كان للبكائيات المطولة أن تنقذها، ولا المصح المفترض والمقدم على أنه في دمشق، والذي يشكل مكاناً لتجمع مجموعة مصابين، من جنسيات مختلفة..!!

المشكلة أن المصح والمصابين كيفما اتفق، بمن فيهم الطفلة الصغيرة، والبكاء المرّ، وشعر المرضى المتساقط، وبقع الدم والبثور المنتشرة على الوجوه، لم تكن لتغطي ثلاثين حلقة، ماذا نفعل إذاً، تعالوا نفبرك مجتمعاً كاملاً بالاستناد إلى أفلام شاهدناها، على غرار كسر حاجز الصمت، أقصد حاجز صمت المغتصبات..

يدخل المسلسل عالم الدعارة، لكنه يجمله، يجعله مقنعا، يمكن لأي فتاة متوسطة الذكاء، أو حتى بلهاء، أن تدخله وتجني من ورائه الملايين، وتخرج دون أي خسائر، وهذا ما حدث مع شخصيتين من الصديقات الثلاث، أما الثالثة (روعة ياسين) التي تصر على مواصلة السير في هذا الطريق، فتختتم العمل، بصرخة تطلقها على باب المصح إياه، دون أن نعلم لماذا، ما دامت الداعرات كما رأينا في حلقات المسلسل، لا يفعلن أي شيء، سوى السكن في البيوت الفاخرة، وقبض الملايين، وحتى لو تجرأ أحد الأشرار، (فراس إبراهيم) ونسج قصة طويلة عريضة مليئة بالأكاذيب، لكي ينفرد بالفتاة، (عبير شمس الدين) فسوف ترمي نفسها في البحر، وينقذها صياد عابر، ثم ستعود إلى أخيها الذي هربت منه أساساً لأنه يريد ذبحها، وسوف يطلب الشقيق منها أن تسامحه لأنه ظلمها!!؟؟

أما الجميلة (صفاء سلطان) التي سكنت هي الأخرى في منزل الرجل الثري، (خالد تاجا) وشاركته سهراته مع أصدقائه، وغدر بها وكذب عليها وتزوجها بعقد وشهود مزيفين، فسوف تخرج من المأزق أيضا بريئة عفيفة شريفة، وبمبلغ من ملايين الليرات، وكل ذلك يمكن تمريره كسذاجة، أو ربما التفاف على الرقابة، أو بأي حجة تريدون، بما فيها تشجيع الدعارة، وإقناع الفتيات الراغبات بترك قراهن وبيوت أسرهن، بأن دخول هذا العالم ليس بالخطير، ولا يسبب أي مشكلات، بل يعود عليهن بالملايين دون جهد يذكر، أما ما لا يمكن تمريره، وما يحسب على غباء الرقابة، التي قد تعترض على مشهد عادي، بحجج واهية، وتمرر كارثة مثل حاجز الصمت، فهو في مكان آخر..

يقدم العمل مجموعة من الفتيان يرتدون الأسود، بوشوم ظاهرة، ويتحركون على دراجات نارية، ويسمعون ويعزفون موسيقا محددة، ويتحدون في إطار شلة لها قوانينها، وهؤلاء سبق أن قدمهم المسلسل المصري امرأة من زمن الحب بطولة سميرة أحمد، كما سبق أن قدمتهم أفلام هوليوودية عدّة، لكن حتى أكثر الأفلام الهوليوودية تطرفاً، لم تقدم هؤلاء بكل هذا الحب والاحترام الذي تضمنه المسلسل، ولا أدري هل كان الكاتب هاني السعدي يعلم أن الرموز المشار إليها، والمتمحورة حول الأسود، لها معنى حزبي محدد، أم لا، وكيف يمكن له أن يقدم هؤلاء كملائكة، حتى أن أحدهم (ميلاد يوسف) يهدد زميله (قيس شيخ نجيب)، بالطرد من الشلة إن كان قلبه أسود، وحقد على أبيه، ويؤكد الآخر (شيخ نجيب) لأبيه (سليم كلاس) أن هؤلاء أبناء عائلات محترمة، وهم أفضل من ابنه، ويستشهد بأنهم أهدوه باقة ورد بمناسبة افتتاح مطعمه، مكتوباً عليها (آية الرزق)، مؤكدا أنهم أناس يريدون الخير للآخرين، ولو كانوا "زعران" لما أرادوا الخير لغيرهم، ببساطة قدم هاني السعدي، والمخرج يوسف رزق، شلة الشباب هؤلاء كملائكة، والسؤال، مَنْ هم هؤلاء الملائكة.. وهل ينبغي أن نروّج لهم ولأفكارهم السوداء بمسلسل تلفزيوني رمضاني..؟؟ إن كان هاني السعدي يدري فتلك مصيبة، وإن لم يكن يدري فالمصيبة أعظم..

وبالطبع لا تتوقف عثرات حاجز الصمت عند هذا الحد، والمسلسل يحفل بالكثير منها، لكننا حاولنا ملامسة الأخطر من وجهة نظرنا، ولا شك في أن الكثيرين سيقفون لنا بالمرصاد، وسيتهموننا بتهم شتى، ما يوجب الإشارة إلى أن رفض عبدة الشيطان، يأتي في سياق رفض أي فكر ظلامي متشدد، مهما كان، كما أن رفض تشجيع الدعارة المؤدية إلى الإيدز، مشروع بدأ أساساً من الولايات المتحدة، ويمكننا أن نعتقد جازمين، أن كسر حاجز الصمت بما يتضمنه من أفكار لا يمكن أن يعرض في أي محطة أمريكية أو أوربية، بكل هوامش حريتها المفترضة.