العدد العاشر - نيسان 2006

التوحيد ليس لغزاً ولا يجب أن يكون كذلك والفكرة الباطنية خضعت لكثير من استغلال الشعوبيين

الفقيه الإسلامي محمد نفاع
السبت 20 أيار (مايو) 2006.
 
صفحة جديدة 1

 رغم تسلحنا بالانتماء إلى المذهب ذاته، وبالنية الحسنة والقصد المجرد عن التعصب، فإن ذلك لم يقلل من معاناتنا اللوجستية، في مواجهة مسألتين أساسيتين بدتا على شيء من التناقض، حين تعمقنا قليلاً في مذهب التوحيد الدرزي ونحن نحاول معاودة الكتابة عنه لـ تحولات.

 المسألة الأولى هي السرية الوظيفية التي تحيط بعقيدة هذا المذهب، و الثانية تتعلق بالمعرفة اللازمة والكافية،غير المبنية على مواقف مسبقة، كشرط لابد منه للكتابة الموضوعية عن حقيقة هذا المذهب، لا بوصفها حقيقة لاهوتية مقدسة، بل بوصفها خلاصة فكر بشري وضعي،مهما كان اتساع وسمو الفكر الذي جناها.

صفحة جديدة 2

ولعل الأمر ازداد  تعقيداً حين (علمنا) أن السرية هي في الأصل صنو أساسي في مسلك التوحيد، كما هي في جميع المسالك العرفانية(1) أي ذات هدف وظيفي، هي في قصدها الأول والأصيل وقاية  للعامة من الناس الذين لا تمكنهم مستويات إدراكهم من بلوغ مستوى عال في معراج التوحيد، في وقت تسببت فيه هذه السرية بكثير من الافتراء والتشويه والاجتراء على المذهب، وهي التي حالت دون اطّلاع العلماء والباحثين على حقيقته ودفعت بعضهم، ممن أراد الكتابة عنه بنيات حسنة، إلى الاعتماد على مصادر المشافهة والقيل عن قال، ودفعت البعض الآخر ـ ممن أراد الإساءة ـ إلى نسج الأقاصيص والتلفيق والزعم.

ولكي لا يأخذنا الجدل طويلاً في بداية هذه المقدمة، سنركن هنا، من اجل حل هذا التناقض (الظاهري) أو تجاوزه، إلى رأي الدكتور سامي مكارم الذي رأى في كتابه أضواء على مسلك التوحيد أنه: إذا كان لابد من بحث  هذه العقيدة أو غيرها، فيجب أن تبحث على نطاق أوسع من نطاق الفرد، خصوصاً أن مسلك التوحيد هو مسلك عرفاني يعتمد المعرفة الإعلائية في كشف الحقيقة الأخيرة، فكشف أسرار الحقيقة الأخيرة للوجود إذاً يعرّضها، كما تقول مسالك العرفان، إلى ضروب من التأويل والتحريف وإساءة الفهم من جانب الذين يجهلون هذه المسالك العرفانية. وهذا، وحسب معتقد التوحيد، يكون أسوأ أثراً بكثير من إبقاء هذا المسلك على سريته، كما أن أحداً لا يستفيد من هذا الكشف، كما يقول الدروز، إلا إذا كان قد سلك هذا المسلك العرفاني وعاش فيه وشعر به واختبره(2).

رأي د. مكارم المستند إلى رأي الفيلسوف العربي ابن رشد في كتابه فصل المقال الذي صنف الناس في الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أصناف: الأول هو لمن يسمون أهل التأويل أصلاً، والثاني لمن يسمون أهل التأويل الجدلي، والثالث لمن يسمون أهل التأويل اليقيني أو البرهانيين بالطبع والصناعة، رأي ابن رشد ومن بعده رأي د. مكارم، جعلانا نعذر الفقيه الأستاذ محمد قاسم نفاع ولا نعذله،لامتناعه عن الخوض عميقاً في الإجابة عن أسئلتنا حول إيديولوجية مذهب التوحيد وصلبه، وهو امتناع ليس بالضرورة ذا أسباب أيديولوجية، دافعاً بنا بعد امتناعه، وداعياً كل من يريد من المسلمين الكتابة عن المذاهب الإسلامية، إلى النظر إليها كأجزاء عضوية لابد منها للجسد الواحد المتكامل المعافى الذي هو جسد الإسلام، والتي لا تعيش دونه، ويكون هو مشوهاًدون أي منها.

                                     * من هو نفاع

  إنه واحد من أبناء طائفة الموحدين، المعروفيين، كما يحب أن يسميهم، وفي هذا الاسم دليل على تمسكهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. تخّرج نفاع في الكلية الشرعية في دمشق عام 1945 ثم أوفد الى الأزهر الشريف حيث تبحر في هذه الشريعة وتفقه بكتابها القرآن الكريم.

العرب بالنسبة للإسلام ـ كما يقول الأستاذ نفاع ـ كاللفظ بالنسبة لمعناه، وهو يكاد يجزم أن كل ما لحق بالإسلام وبالعروبة من تراجع وتشتت كان وراءه أعداء هذا الدين (الأجانب)، الذين عاشوا بين ثناياه وتحت حماية مبادئه السمحة، حيث تمظهر حقدهم على عروبته في مؤامرات ودسائس وفتن وحروب، حتى راحت ثمرات الإمبراطورية العربية التي أقامها العرب الأمويون تتساقط الواحدة تلو الأخرى، ولم يكن حال العباسيين بأفضل،وهم الذين بدؤوا عهدهم تحت رعاية وحماية أجانب آخرين.

    أما الدين بالنسبة للفقيه نفاع فهو: توحيد الله، الواحد، الأحد، إيماناً بذلك، وليس أدل على هذا الإيمان أكثر من التقوى وعمل الخير ونشره بين الناس، والقرآن الكريم هو دليل كامل لذلك، أما اختلاف الأديان، وبعده اختلاف المذاهب فهو اختلاف مصلحي قام أساساً على عقليات خاصة ولمصالح شعوبية وسياسية خاصة، فحقيقة الخالق أزلية وواحدة، ولو فهمت البشرية هذا المعنى لما تصارعت ولا تباغضت، يقول الأستاذ نفاع، ذلك وهو لم يسع يوماً رغم فقهه لاعتلاء منبر يخطب فيه، وسط هذه الزحمة من الخطباء، لكنه لو أراد أن يفعل،فباعتقادنا أن أول خطبة له ستكون بعنوان: من أحق من العرب بحمل لواء الإسلام.

 قال الرسول الكريم (ص):  لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. ولذلك يرى الأستاذ نفاع أن العرب الأوائل َصلِحوا بالإسلام لاستعدادهم الكامل له وانطوائهم في ذواتهم على حقائقه ومفاهيمه، ولن يَصلِحوا اليوم أو غداً ـ إن أرادوا العزة والحياة ـ إلا به ولا مناص من أن يتفق رأيهم على أن الإسلام الصحيح لا ينتصر على غيره مما نحن فيه، إلا إذا آمنوا به في لون واحد، وطبيعة واحدة ولغة واحدة، أي لون وطبيعة ولغة الأمة التي أخرجها الله للناس خير الأمم،وهي الأمة العربية الخالدة بخلود القرآن والذائدة عن كرامتها وعزتها. ومن الخطأ الفادح المنافي لروح الإسلام أن نتذمر من هذه المادة العربية التي تحقق بها الإسلام في أصح صوره وأكمل أوضاعه وأدق معانيه، فهل يمكن أن يتصور العقل أن ديناً عالمياً يخرج لهم  من غير رجل من لحم ودم يدعو إليه، ومن غير وطن من طباع وأخلاق ينتسب إليه هذا الرجل، ومن غير لغة من ألفاظ ومعان تتجلى فيها حقيقة هذا الوطن، ومن غير أن تتوفر فيه هذه المقومات لهذا الدين لتتغلغل في صميم المؤمنين به؟، أليس من البدهي أن يظهر رسول الله في لغة يعرفها كل الناس ووطن ينتمي إليه كل الناس ومفاهيم يدركها كل الناس، حتى إذا ما تكلم أجابه الجميع على اختلاف أجناسهم،ثم لغاتهم، وبدفعة واحدة وبشكل واحد ؟!،وهل تنتشر دعوة من سائر الدعوات العالمية التي تتطاحن فيما بينها لسيادة العالم، من غير أن تنتشر لغتها، وتصبح لغة العالم، ومن غير أن تنتشر طبائعها وأفكارها وتصبح طبائع وأفكار المؤمنين بها ؟،وهل يتنازل صاحب الرسالة الإنسانية عن لغته ليتملق الناس إلى اعتناقها؟، وكيف تكون مادة هذه الرسالة بل كيف تصبح مادة الحياة إذا ظهرت في غير هذه المادة المميزة لها ولفكرتها ولأسلوبها؟. وبعبارة أخرى: هل يمكن أن نتصور نهضة الإسلام العالمية من غير أمة تكون بفطرتها أوثق الأمم به وأدناها إليه ومن غير لغة تكون أوفى اللغات لخصائصه ومعانيه ؟، فمن كانت هذه الأمة المختارة غير الأمة العربية وما هي تلك اللغة الوافرة غير اللغة العربية؟.

لو أن فيما قرأناه من ثمار العقول  الأعجمية، وما لمسناه من آثار فكرهم في الفلسفة والمنطق والتصوف ما يقوم به هذا الدين لتبعناهم عليه، ولكن عهودهم التي مرت بالحياة الإسلامية تشهد بعدم أهليتهم للاضطلاع بهذه المهمة العظمى، إذ فهموا الدين طرقاً ومذاهب ومللاً ونحلاً، كما حفظه تاريخهم بما لا يتواءم وكرامة الإسلام وهدى العروبة. إن جلَّ ما خدموا به هذا الدين بعد استقرار دنياه، التي خلقتها سيوف العرب وحمتها، شروح شققوا بها الكلمة فشققوا وراءها النفسية الإسلامية والمجتمع الإسلامي إلى مئات الأقسام، وقد قيل بهذا المعنى: واختلفتم في الدين سبعين رأياً          كل رأي يحتج قال الرسول

إن تأويلاتهم لمعاني القرآن الكريم وتمحُلهِم فيها قضيا على المعاني الكفيلة بتوحيد هذه النفسية واتحاد الأمة، ويكفي دليلاً على تنطعهم وعلى إفرازاتهم الثقافية السطحية، ظنهم أنهم في محاولاتهم تلك إنما يوفقون بين كلام الله وكلام الوثنيين من فلاسفة الإغريق، فيما سموه التوفيق بين الحكمة والشريعة، كأن الشريعة في نظرهم لا حكمة فيها،ومعنى ذلك أنها لا تتسم بالعقل ولا تتفق مع المنطق؟!،كما أن أبحاثهم النفسية والفلكية والرياضية تكاد تضيع أمام ترهاتهم الفلسفية.

هذه النتائج تثبت انه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها،فالأمة الأولى،التي آمنت بالإسلام وحملته إلى أمم العالم، هي التي يجب أن نعمل على توحيدها وتحريرها من كل ما يغل قواها ويبعثرها، لتحمل الأمانة الني اجتباها الله لها. والأولَى بسائر الشعوب الإسلامية أن تعي هذه الحقيقة لان وحدة العرب ـ وهم قوة الإسلام الأولى والأخيرة ـ هي الخطوة الضرورية لان تتحد كلمة الأمم الإسلامية حتى تتبوأ المكانة التي أُهلت لها.

بعد هذا التحليق عدنا بالأستاذ نفاع لنسأله عن جذور مذهب التوحيد وأسسه، فقال:

نحن أساساً انفصلنا عن الحركة الإسماعيلية على يدي الخليفة الفاطمي السادس الملقب بـ الحاكم بأمر الله، عام 408هـ/ 1017م، عندما دعا هذا الخليفة الناس إلى كشف عقائدهم بلا خوف ولا تستر، وقد اعتمد، في نهضته السياسية و(الإمامية)، مع مواصلة بناء الدولة العربية الفاطمية، إضافة إلى القرآن الكريم،على كل الفلسفات القديمة التي آمنت أن العقل الكلي هو الذي خلق الكون، يقول الإمام الغزالي: الاجتهاد دليل العقل، العقل المؤمن مبدع ومتجدد وليس حبيس ألفاظ لا معاني لها وتقاليد مضى زمنها... وفي الحديث الشريف: أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل وقال له أدبر فأدبر، فقال بعزتي وجلالي ما خلقت ما هو أعز منك، بك أثيب وبك أعاقب.

ويضيف نفاع: الثابت في مذهب التوحيد أن الله أبدع العقل من نوره، والعقل أبدع كل الكائنات السماوية والأرضية من نوره،باعتباره مصدر الأشياء وعلة العلل... هذه الفكرة الفلسفية المجردة موجودة من قبل في كثير من الفلسفات القديمة،وجاءت الإسماعيلية فجسدتها وشخصتها، كذلك فعل أئمة مذهب التوحيد الذين اقتبسوا منتجات الفكر الإنساني  كله لصياغة مذهبهم، ولعلهم غالوا فيه.

يقول الدكتور محمد كامل حسين(3): تأليه الأئمة فكرة قديمة سبقت ظهور الإسلام وانتقلت هذه الآراء إلى بعض الفرق الإسلامية. إلا أن الدكتور سامي مكارم(4) يبطل اتهام التوحيد بالغلو حين يقول: إن مسلك التوحيد لا يقول بتأليه الأشخاص،أو بالتجسيد حتى يتهم بالغلو، إنما يؤمن بالتجلي والإشراق إيماناً لا يختلف كثيراً عن إيمان بعض المسالك الصوفية العرفانية القديمة والحديثة، والدروز الموحدون في نظرتهم إلى الله وتجليه، يرددون مع الحلاج قوله:علُّوه من غير توقل ومجيئُه من غير تنقل.

وفي هذا السياق يضيف الأستاذ نفاع :إن دعوة التوحيد هي استمرار للأفكار الإيمانية القديمة وتطور لها، وقد استبطنتها الشرائع السماوية السابقة،كما احتضنها الإسلام فيما بعد وغذّاها مروراً بالإسماعيلية المتفرعة عنه، لكن التعصب للدين والمذاهب يلهي ويغوي المرء،وينسيه واجباً دينياً أساسياً في إيمانه،هو ضرورة هداية الناس بأخلاقه لا بأقواله فقط.

يقول الدكتور سامي مكارم: مسالك الحكمة والمذاهب الروحانية سلسلة متصلة الحلقات كل حلقة منها تتمم الحلقة الأخرى، وهو وليد الفلسفة التي بلغت النضج عند العرب وهو بذلك نتيجة لا بدعة، فما رأيك أستاذ نفاع؟.

يجيب : أن أئمة الدعوة التوحيدية اقتبسوا من كل منتجات الفكر الإنساني الذي أُنتج حتى ذلك التاريخ، فصاغوا المذهب بطريقة روحانية تصوفية فلسفية صعبة البلوغ على الناس. يقول حمزة بن علي لـ نشتكين الدرزي: إن كنت تدعي الإيمان فأقر لي بالإمامة حتى تخاطب أصحاب الزبور من زبورهم، وأصحاب التوراة من توراتهم، وأصحاب القرآن من التنزيل، وأصحاب الباطن من التأويل، وأصحاب المنطق من الآفاق والأفلاك والدلائل العقلية ومن أنفسهم، تصور! ـ يستغرب الأستاذ نفاع ـ :هذه العلوم والمعارف الدينية والفكرية على المنتمي إلى هذا المذهب أن يتعلمها ويعرفها ويتفقه فيها. ثم إن هناك سبعة أسس أو سبعة مراحل لهذه المعرفة التوحيدية، يصل الموحد في نهايتها،إذا استوعبها،إلى أرضية مناسبة وصحيحة لنمو بذرة التوحيد العرفاني.

يضيف نفاع: لكن الأهم بالنسبة لي في هذا السياق، والأمر الأوجب بالطرح والإعلان،هو أن الحاكم بأمر الله الخليفة العربي الفاطمي السادس، نشأ في بيت إمامة عريق، ومن نسب قريشي فاطمي صحيح، وإن أنكر عليه البعض ذلك؛ نشأ في بيت حضارة ودين وعروبة وله أعمال اجتماعية وسياسية وإسلامية خالدة لا يمكن إنكارها، فهو الذي أنشأ دار الحكمة في القاهرة، سنة  1005م،وقد ضمت حلقات وكليات مختلفة،قسمت إلى عدة أقسام، كل قسم يختص بناحية من العلوم الدينية والفلك والطب والعلوم اللغوية، وحُمل إليها مجموعات عظيمة من الكتب،حتى قال المقريزي عنها:وحصل في هذه الدار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التي أمر بحملها إليها من سائر العلوم والآداب المنسوبة، ما لم ير مثله مجتمعاً لأحد قط من الملوك.

ويضيف الأستاذ نفاع :إن التوحيد ليس لغزاً ولا يجب أن يكون كذلك،فهو أن تؤمن بوحدانية الخالق وتعتقد ذلك اعتقاداً كاملاً... ثم بعد ذلك تتبع طريقة من طرق ووسائل عبادته والتقرب منه، وأفضلها كتابة القرآن الكريم المنزل على نبيه محمد (ص)، فهو من أجمل وأكمل الكتب الدينية التي عرفتها البشرية، ويكفينا أنه كتاب عربي بلسان عربي مبين.

 يرى عبد الله النجار في كتابه (مذهب الدروز والتوحيد) إن الإسلام من حيث انحصاره في القرآن وعدم خروجه عنه، هو مدار هذا المذهب؛ مذهب التوحيد الذي يفسر آياته على طريقته الخاصة، ويوضح ذلك أكثر الدكتور سامي مكارم: إن في معتقد التوحيد ما هو امتداد وتوضيح واستقطاب لآيات القرآن وانطلاق منها بشكل يتفق وروحية التفسير التوحيدي للوجود، ولذلك عُدَّ هذا المعتقد،في هذا الدور مسلكاً إسلامياً تعدى الظاهر والباطن إلى مسلك ثالث هو مسلك العرفان والتوحيد(5)... ويقول د.مكارم أيضاً: إن مسلك التوحيد لا يضيف إلى الدعائم الإسلامية فرائض أخرى (كما زعم النجار)، إنه إذ يتجاوز الدعائم الإسلامية من حيث معناها المادي الظاهر يسمو بها إلى معانيها ومقاصدها الحقيقية التي تنزع إلى تطهير النفس وإعلائها، فلكل من الدعائم التكليفية فضيلة مقابلة في النفس،على الموحد أن ينميها ويرتفع بها.. لا أن يكتفي بتأدية هذه الرسوم، كالصلاة والصوم والحج والزكاة.. ويقف عندها(6).

لكن ما رأي الأستاذ نفاع هنا ؟.

يقول: إن الفكرة الباطنية التي أوّلت معاني القرآن خضعت لاستغلال الكثير من الشعوبيين الحاقدين على الحكم العربي الإسلامي، أمثال ميمون القداح الذي ادعى التشييع،وتعصب لآل البيت، ولفّ حوله كل ناقم على الحكم العربي، فاستعرت العداوات بين السنة والشيعة، واشتد الجدل تحت اسم حرية الرأي حول تفسير القرآن، وما كان الهدف الأساسي من هذا سوى كسر شوكة العرب،وعزلهم عن مسرح التاريخ فلم يعد القرآن في ذلك الزمن القرآن نفسه الذي أوحيّ به إلى محمد (ص) ولا ما فهمه عرب الفتوح وأبطال الإسلام الأوائل، ولم تعد اللغة العربية اللغة التي اختارها الله لدينه، ومنبراً لرسالته، بل شوهت الأعاجم أصالتها وحرفتها عن قواعدها. لقد اصطدم الإسلام ولغته العربية آنذاك بما تبقى من العقلية الوثنية الصماء فلم ينفذ منها تماماً بل انعكس في بعض جوانبه ملوناً بألوانها.

ويتابع الأستاذ نفاع: لقد كان العرب بالنسبة للإسلام كاللفظ بالنسبة لمعناه، فقد انتظمت سيادة الإسلام بحكمهم في أعمالها وجهادها وعلومها، انتظاماً واقعياً في كل شيء فلم يتسرب إليها الشك والتردد ولم يقتحم صفاءها التفلسف والتنطع. كان العرب واقعيين:

ـ في الدين: لم يفهموه موضوعاً للجدل والتأويل أو مجالاً من مجالات الترف الفكري والفراغ الذهني وميداناً من ميادين الحشوية والصوفية، أو غيرهم من المحترفين والمرتزقة، بل فهموه وأفهموه للناس على أنه دين الدنيا ودين الآخرة، وأن الذي يعجز عن السيطرة على الأولى بخُلُقِه وإيمانه تعزُّ عليه السيادة في الثانية مهما تفيهق في الدين، وتهجّد في زاويته وانفرد في خلوته يؤول كلام الله ويحرِّفُه، ويجعل من تأويلاته شبكة لاصطياد العقول الغريرة والنفوس الضعيفة، هو كذلك حتى لو أبلى أصابعه في إحصاء حبات سُبَّحَتِه، وأبلى شفتيه في الغمغمة والتمتمة.

ـ  في السياسة: تجلت واقعيتهم في تحرير الشعوب من عبوديتها وفي تحرير الإنسان من مخاوفه وأوهامه،وفيما وفروه لمواطني دولتهم من حقوق وتكافؤ فرص.

ـ في المجتمع: لقد أسست دولة الإسلام مجتمعاً يقوم على التقوى وتسيره المحبة، ويدعمه الخلق الكريم ويتوجه العدل الاجتماعي، حتى كانت معونات الخلافة لا تجد أيام عمربن عبد العزيز محتاجاُ لها. لقد جعل الإسلامُ العربيُ، الخلقَ والعلم والتقوى معايير الكفاءة الأساسية.

أما الأعاجم فقد أبرزوا الإسلام ذا وجهين وذا لونين،ظاهره للعامة وباطنه للخاصة الذين دسّوا جهالاتهم المانوية وتصوراتهم الوثنية ونزعاتهم القومية ونشاطاتهم الفلسفية فيه، فكان عصرهم عصر مجون وترف، تحللت فيه الأخلاق وتخاذلت فيه الأنفس، واستعيدت فيه العصبيات الجاهلية والقومية.

ويختم نفاع في هذا السياق بالقول: من المؤكد حتماً أن الفرق الإسلامية التي عرفها الإسلام في البداية، كانت من صلب المجتمع العربي الإسلامي، ومن قلبه ومن صميمه،ولكن التيارات الشعوبية، والظروف التي عانتها وتعرضت لها، قد جعلتها في نظر قصار النظر بعيدة عن أصلها، مع أنها كلها اتخذت القرآن دستوراً لها ومرجعاً لمشكلاتها، مع اختلاف في فهم معانيه وتطبيق مبادئه. واليوم أفمن نصرة الإسلام أن نزيد جفاء هذه الفرق ونسيء الظن بها، وألا نرد حتى السلام على من سلم من أهلها، أفليس من الأليق بنا، إذا كنا مسلمين حقاً، أن نعمد إلى استقطاب من جافيناه ومعاملته بالحسنة وتعهده باللطف حتى تستجيب نفسه بالحق.

أخيراً نختم هنا، وإن لم يحن وقت الختام،فنقول: لعل تمجيد الدعائم الإسلامية من ناحية ثم إسقاط ظاهر معناها من ناحية أخرى في مذهب التوحيد،أوقع الكثيرين في خطأ افتراض وجود تناقض في صلب دعوته التوحيدية، وبافتراقها عن صحيح العقيدة الإسلامية،وهو افتراض تنوعت أسباب الوصول إليه، بتنوع أهواء ودوافع ومستويات وعي،وإدراك الزاعمين بوجوده.

                 أدهم الطويل

ataweel@mail

 ...............................................................................

المصادر والمراجع:

1 ـ الدكتور مكارم، سامي: أضواء على مسلك التوحيد  الدرزية ـ تقديم المرحوم كمال جنبلاط. بيروت، دار صادر، 1966، ص96.

2 ـ  المرجع السابق، ص96.

3 ـ  د.حسين، محمد كامل : طائفة الدروز، تاريخها وعقائدها. القاهرة، دار المعارف، 1962، ص 103.

4 ـ  الدكتور مكارم :المرجع السابق، ص105.

5 ـ الدكتور مكارم : المرجع السابق، ص105 ـ 106.

6 ـ  الدكتور مكارم : المرجع السابق، ص112.