العدد العاشر - نيسان 2006

المارونية فعلُ تأسيسٍ في الكنيسة والمجتمع لبنان أكبرُ من الموارنة وأصغر من أن يتسِّع للمارونية

فهد الباشا
السبت 20 أيار (مايو) 2006.
 

لابد من ملاحظة أضعها برسم المدقّقين في تحديد المعاني وتعيين العناوين من أجل إيضاح أنَّ المارونية هي، فعلاً، فعلُ تأسيسٍ في الكنيسة، بل هي كنسيةٌ مستقلةٌ منذ أوائل القرن الثامن. أما القولُ بها فعلَ تأسيسٍ في المجتمع فلا يصح، ذلك لأن المجتمع واقعٌ وليس شأناً اصطناعياً، وعليه، فالمارونية، كما سواها من الطوائف هي فعلُ تأثيرٍ وحسب لا فعلُ تأسيس للمجتمع. وحسبها في ذلك دوراً.

أيها المحترماتُ والمحترمون

يدخلُ على أُلفة هذا الملتقى، محاضراً، وجهُ مؤنسٍ جديد. فيه وفي سائر الوجوه الجديدة يصح مألوف القول: لكل داخلٍ دهشة فآنسوه بالتحيِّةُ نحيّيه وجميعكم بالتحيتين! بالمألوفة عند جميعنا وبثانيَةٍ تآلفنا في الحركة والنهضة عليها مرفوعةً على رجاء الحياة والعزّة لشعبنا: عموم شعبنا، للموارنةِ حفظة الإرث المجيد، ولأرضنا: كاملِ أرضنا، فأهلاً بكم، أهلَ عهدٍ جديد، ولنحي وحدة الروح والتراب. ويا رب، قل لأخي يوسف مونس أن أشاركه الميراث.. يوسف مونس المعروف كثيراً وجداً، أنا لا ادّعي تقديمه أو التعريف فيه بل أَتقدم منكم بقراءةٍ فيه وبقراءةٍ في المارونية، فعسى أن أُحسن القراءة.

من أول الطريق وغير فريقٍ ورفيقٍ يسأل: لمَ الأب مونس لا سواه؟

والسؤال استيضاحي، لا بدافع قلَّة الرضى على المحترم، لا سمح الله. بل لأن موضوع المحاضرة على تماسٍ حميم مع التاريخ والراهبُ الماروني البلدي مونس يضع يده على محراث الفلسفة ولا يلتفت إلى الوراء إلاّ بقدر ما تستدعيه دورة السكّة في حقل الانثروبولوجيا والفلسفة.

وعلى عادته في الاقتصاب أجاب صاحب القرار في المنتدى والدار الأمين منصور عازار: أعطِ للخبّاز عجينك وما أكمل.. فاستكملت منعاً للالتباس: أعط للخباز الأمين عجينك لا بتدينو ولا يدينك، بل يعطك خبزاً شهياً وفيراً لا منقوصاً خميراً.

أيَّها المحترمات والمحترمون:

إنَّ أستاذَ الفلسفة هو، بافتراضها، حكيمُ يُحبَّ الحكمة، يطلبها لا في الرُّها وقنّسرين ونصيبين وحسب، بل يعشقها ولو في الصين ولا يقف بها عند جبل نابو أو في قورش وأنطاكيا والعاصي، أو في كفرحي وقنوبين، ولا حتىّ في الكسليك. هو في فرض الفلسفة باحثٌ في مادة التطور، والباحثُ الفلسفي مع بحثه مُتفاعل! مؤثرِّ ومتأثر، مطوِّر ومتطوِّر، وهو إذا تكشّفت له حقيقة تحلُّ فيه روحاً قدوساً، فيمتشقها قبضةَ الرمح موقفاً، ويقف عليها كالرمح الردينيّ: إمَّا طاعناً للباطل وإمّا مكسوراً.

أمَّا مونس الراهب الماروني الخلقيدوني البلدي فمطلّق الثلاثةَ، ناذراً نفسه لواحدةٍ آمن بها حقيقةً تساوي وجوده، كاهناً ملكيصادقياً أي كنعانياً إنسانياً شمولياً.

لمَ الأب مونس لا سواه؟ لأنه ولا سيما في مراحل جهاده الأخيرة يطلُّ علينا رافعاً رايةً مارونيةً طال افتقادها ويدخل بها من جمعة الآلام المسيحية على آلام الحسين وأهلِ الحسين ـ في ذكرى عاشوراء، حاملاً معه وعدَ سبت النور وموعد أحدِ القيامة.

لمَ الأب مونس لا سواه؟ لأننا ـ أهلَ اللوعة والحرص على وحدة الشعب والأرض أُخِذْنا ببعض العزاء والرجاء: أُخِذنا به يوم أمّ ذكَرى عاشوراء لا فولكلورياً مجاملاً بل إماماً نسي العمامةَ لكنه ما نسي التذكير بوحدة القيم والمصير، فأعلن: إنّ من يسير في ظلمة الخطيئة لا فرق عنده بين تدنيس أرض الكعبة أم أرض القدس أم أرض قانا والجنوب.

لمَ الأب مونس لا سواه؟ لأنه شرح لا بفلسفةٍ محكيةٍ وكلامٍ تسوويٍ، بل بالكلمة السواء، بالموقف المتطوِّر، شرح آية المودّة والإخاء: ولتجدنّ أقربهم مودةً للذين أمنوا الذين قالوا إنّا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون. شرح ومضى حاملاً جرحاً وبلسماً، وعاتباً على الذين يعرفون ولا يشهدون، ومصلياً من أجل الذين لا يدرون ماذا يفعلون.

ويا رب، قل لأخي مونّس أن أشاركه الميراث. من هذه الرغبة في المشاركة، نسألك يا محترم: عن أية مارونية، تُراك، تحدثنا هذا المساء؟ حيث نلتقي عشيةَ عيد القديس مارون الذي نشأت حركته ردّاً على عواصف الأيام وظلم الحكام في زمانه. نلتقي وزماننا يشبه زمانه، آفاقنا ملبدةً بما ينذر بعواصف قواصف، تخشى أرصاد الأجواء السياسية من بلوغ عتوِّها مرحلةً تهدّد إنساننا وعمراننا، لا ببعثرة أوراقنا الخريفية وأغصاننا اليابسة وحسب، بل قد تمتدُّ إلى اقتلاعنا من قلاعنا وجذورنا.

فما أشبه يومنا بأمس مارون ويوحنا مارون وما أظلمَ الغد لولا فسحة الأمل.

بالأمس غير البعيد ظنَّ العاملون على تدارك عواصف ما كان أنهم بنوا لنا في الطائف سدّاً يقينا الأخطار، وما بنوا يقيناً إلاَّ تسويةً هشة، خلاصتُها: مقابل القول بعروبة للبنان قبولُ بلبنان وطناً نهائياً لجميع بنيه. وجاءنا زلزال استشهاد الحريري وما استتبع الزلزال فإذا نحن جميعاً موارنةً وغيرَ موارنة، وسط الركام والغمام وازدحام المصالح الدولية والإقليمية، في عراءٍ والتباس وكلٌ يحاول أن يستر، تجاه الآخر، عريَه بورقة تينٍ يابسة. فلا العروبة حُدِّدت واضحةً، جامعةً مانعةً في اتفاق طائف الطوائف ولا استطاع عاقلٌ منا أن يفهم إلاَّ الله وحده نهائياً. فعلامَ كان الاتفاق؟ أعلى لبنان بطبيعتين ومشيئة واحدة أم على مشيئتين وطبيعتين؟ عدنا، كما في عصر مارون، كما في عصر يوحنا مارون، إلى خلاف اللاهوت والناسوت. إلى القائلين بمقاومةٍ تبقى ما بقيت حربُ الوجود علينا، مقابل الذين ميلشوها ليوقفوها عند الحدود، متدرعين متذرعين بمشيئةٍ قراراتٍ دولية ما عرفنا لها في تاريخنا أنها حفظت عهداً أو نفذت قراراً ووعداً.

إنََّ علة عللنا في أزماتنا المتواصلة هي في عدم وضوح حقيقتنا الوجودية لنا، فالموارنة اليوم يُعانون، كما غيرهم في لبنان ومحيطه، التباساً في الهوية، هو الذي أدى وأودى بنا إلى التباسٍ في الاتجاه، وفي المقصد، وفي الاقتصاد: إلى هذا الخلل في التفاعل والشلل في الفعل، إلى أزمةٍ في المفاهيم حادّة غالباً ما فشل فيها العلاج لأن الكثيرين منا مازالوا يدفنون الرؤوس في الرمال متوهمين أننا لسنا على خطّ الزلازل مقيمين.

أيها المحترمات والمحترمون.

استشعاراً لمدى الأخطار، واستعداداً لدرئها، حسناً فعل القيّمون على المجتمع البطريركي الماروني الأخير بجعلهم شعاراً للمجتمع العودة إلى الجذور فعسى ألاَّ يكون البعض وهو في طريقه إلى هناك قد التبس عليه العنوان فأضاع المكان.

إلاَّ أنَّ البداية كانت مبشرةً بالخير لأنها قامت هذه المرة على ما جاءنا من الغرب يسر القلب؛ قامت على ما جاء في الإرشاد الرسولي الذي وجهه قداسة البابا الراحل إلى جميع المؤمنين في لبنان وفي محيطه والذي ينص صراحةً على: أنَّ مصيراً واحداً يربط المسيحيين والمسلمين في لبنان وسائر بلدان المنطقة. ص150.

ويضيف في مكان آخر: على جميع الذين يتعهدون الخدمة العامة في السياسة والاقتصاد أن يخضعوا مصالحهم الخاصة والفئوية لمصلحة أمتهم)).

وإنّ لانعقاد المجمع على قاعدة العودة إلى الجذور لدلالاتٍ، لعل أهم ما تنطوي عليه ما أوحى للقيمّين على المجمع وقد هالهم يباس في الفروع والأغصان ونتوءات وبثورٌ مرضيةٌ على الجذوع، أوحى للقيمين أن بداية العلاج هي في العودة إلى الينابيع: إلى مكوِّنات الهوية المارونية الأولى وعلاماتها الفارقة، فعسى أن يكونوا قد أخذوا في الحسبان ما تعرّضت له تربةُ الجذور في التاريخ من تبدل في كيمياء العناصر، حيث الأسباب في ذلك عديدة منها لا ما نحن مسؤولون عنه ومنها ما فرضه علينا الاستعمار الفكري والإرهاب الروحي. وفي هذا المجال، صوّر الحالَ أحدُ الآباء قال: منذ أربعمئة سنة والمسيحيون الكاثوليك يُنشؤون على تراثاتٍ دخيلة أفقدتهم الأصالة فاستبدلوا بها هوية منحولة، وهؤلاء يقول المرحوم الأب ميشال الحايك: لا يرقون إلى ما قبل المجمع التريدنيني في الجيل السادس عشر، يوم كان المبعوثون من الغرب يحرقون كتبنا في لحفد وبشري وحدشيث، ويطبعون نصوصنا محرّفة ويردونها إلينا ويفرضون علينا قوانين وعادات وترانيم وتعاليم غير ما ألفت وأحبت نفوسنا.

أيها المحترمات والمحترمون:

وما المارونية؟

المارونية هي الموارنةُ في مجرى التاريخ. والتاريخ هذا نهر نابع من مكان، وروافدُ ومجارٍ وأقنية ومحطّات، وشح في زمن وفيض في زمن آخر. وغالباً ما انشغل المحتاجون منّا إلى الري والارتواء عن مصدر الماء، بالأقنية والقناني المعبَّأة فإذا في تاريخنا ملوّثات وإذا الواصل إلينا مارونيات لا مارونية واحدة، والتاريخ شاهدٌ غير مُقنّع، من شهاداته ـ على سبيل الدلالة والتمثيل ـ أنّ موارنة ماشوا في العهود الصليبية، الصليبيين، وموارنة ناصروا إسلام شعبهم ضدّ الغطرسة الصليبية. موارنة الشمال سلموا أمير حلب بزواش ممرات الجبل ورافقوه حتى سهل طرابلس 1137. فانتقم الصليبي ريمون الثاني منهم وأعدم النساء والأولاد، كما وصف الحادثة غليوم الصوري، واستمر الانشقاق في الموقف وتصاعدت موجة العداء الماروني للصليبيين طوال الفترة التي حكم فيها هؤلاء مناطق الشرق. وأبرز الأحداث العصيان الذي قاده البطريرك لوقا البهراني 1145 ومعه، بالطبع قسم لا يستهان به من الشعب ـ كما يروي ابن القلاعي. كذا حَدِّث عن مقدَّم بشري سالم حيث حصل في أيام حكمه انشقاق جديد حول الموقف من الصليبيين والاتحاد مع روما ما أدّى إلى انتخاب بطريركين (بين 1250 ـ 1292). وتكثر الشواهد وتكثر وتمتدّ وتحتدُّ ويختلط حابل بنابل وتتفاقم أزمةُ المفاهيم حتى أنها بلغت في بعض المراحل من الويلات وقصر نظر القيادات حدّاً جعل قسماً من الموارنة يكفرون بهوية ذاتهم ويضيعون، فتتلقفهم، في ضياعهم ومآسيهم الإرادات الغريبة التي أدخلت بعضهم في تجارب الشرير... فعن أية مارونية، تُراك، تحدثنا هذا المساء يا محترم؟

أعن مارونية المطران يوسف الدبس والموارنة عنده سريان سوريون أم عن مارونية البطرك المعوشي وقد رفع صوره سنّة طرابلس منادين به حبيبَ الله؟

أعن مطرانية المطران مبارك أم عن مارونية الأب يواكيم مبارك المنادي في باريس بأنَّ معيار مسيحية المسيحي هو في مدى التزامه بعدالة قضية فلسطين؟

أعن مارونية سعد ولحد أم عن مارونية الرئيسين فرنجية ومعوّض؟

 أعن مارونية ميشال شيحا وميشال عون أم عن مارونية تبدل الطعم واللون؟ أعن مارونية الانغلاق أم عن مارونية الانفتاح على الآفاق؟

للخروج من حرج الأسئلة والتيه، خلّنا إلى مارون نمضي، إلى الينابيع لعلّنا نشفي، هناك، الغليل، لعلّنا نداوي المفهوم العليل..

فما هي صورة الواقع عند الينابيع؟ استجير، هنا بالمؤرخ الماروني الأب بطرس ضو وأستعير من كتابه تاريخ الموارنة ـ الجزء الأول ـ الصفحة 323 مايلي: منذ اهتداء الشعب السوري الآرامي في الأرياف إلى المسيحية، وقد جرى هذا الاهتداء بصورة رئيسة عن يد مار مارون وتلاميذه، تحوّل مجرى الأمور من الاتجاه اليوناني إلى الاتجاه الآرامي الوطني، لأن مسيحيي سوريا أصبحوا بأكثريتهم الساحقة آراميين وطنيين لغة وفناً وحضارة وطقساً، ويضيف ضو: أضف إلى ذلك الحماسة التي دبّت في الصدور من جراء أنَّ المسيح سوري من فلسطين وآرامي لغةً.

وعلى ضوئها في النص الضوي، كانت صلاة الموارنة في عيد مار مارون ـ بحسب كتاب القداس المطبوع في دير قزحيا 1896، ترتفع، وبلغة هاتيك الأيام:

لك شرف مفرد كبدر الضيا

لك اسم يزهو كالثريا

مار مارون فخر سوريا

ويتابع نص الصلاة المختزن ملامح الهوية:

أتيتنا منقذ من الطغيان

وحارس وعاصم من البطلان

محامي عن الدين والإيمان

برهبان ديرك وأهل لبنان.

للأسف تغيرت الصلاة وغيّرت... وكفر يائساً من الحكام والأحكام وتراكم أخطاء الداخل والمحيط قسمٌ من الناس، كفروا بالقضية والهوية، لكن العزاء بقي أن القسم الأكبر ظلّ ثابتاً على الإيمان بالحقيقة والجذور يستخلص معناها من مبنى الأحداث مراهناً من أجل وحدة الحياة على الأرض الواحدة، مراهناً على التفاني في التآخي رغم التجارب والآخ.. متطلعاً إلى لبنان أكبر من الموارنة وأصغر من أن يتسع للمارونية.

يقيني أن الأب مونس يحدثنا الليلة عن محطات الرجاء المضيئة، يجلو بها عتمة الطريق إلى الينابيع والجذور، فإلى المارونية الحضارية نمضي: إلى الأصول التي تؤمّن لنا سلامة الوصول لمستقبل، إن لم يمت لبنان الطائفي لا يحيَ لبنان الرسالة.

 تقديم فهد الباشا لمحاضرة الأب يوسف مونس التي ألقاها في صالون منصور عازار في بيت الشعار بدعوة من مكتب الدراسات العلمية.