العدد العاشر - نيسان 2006

المؤلف بوصفه أنثى (سوسيولوجيا الملابس) في رواية نساء عاشقات

صخر الحاج حسين
الاحد 21 أيار (مايو) 2006.
 
صفحة جديدة 1

توحي حكاية أو The story of O، مجهولة المؤلف، بأن من كتبها أنثى وذلك بسبب بعض الاستعارات اللافتة. لقد حملت الحكاية في طياتها خدوشاً ذكورية خصوصاً في تلك التفاصيل المتعلقة بالملابس. تفاصيل لا يستطيع أن يوظفها في الكتاب سوى ذكر أراد أن يوحي بأنه أنثى. إن استخدام الأنثى كبؤرة للسرد يعزز من القيادة الذكورية للحكاية ولا يقتصر الأمر على هذا الكتاب فقط بل هناك العديد من الكاتبات شأن جين ريدز وإيدنا أوبريان اللواتي مجدن ندوبهن الرجل الذي مارس فظائعه عليهن. إن طبيعة تمثل دور الأنثى في الفن هو عمل معقد والذكر الذي يشرع في ذلك يجب أن يحرص على ألا يدع ميوله تجاه ارتداء اللباس الأنثوي تظهر خاصة إذا لم يكن يحب النساء.

إن فناني الأوناغاتا وهم ممثلون يلعبون أدواراً نسائية في مسرح كابوكي الياباني يمارسون لعبة التخفي على ذكورتهم بأداء لافت حتى إن أي امرأة حقيقية تبدو مسترجلة بالمقارنة معهم. وهذا ما يقودناإلى  حالة دي ـ إتش ـ لورانس.

صفحة جديدة 2

نساء عاشقات ملحمة دي إتش لورانس رواية متخمة بالملابس تشير إلى الدرجة التي تمثل لورنس فيها النساء من خلال إشاراته للملابس كما تشير إلى الدرجة التي كشف فيها عن ميول فيتشية مرضية اتجاه ملابس النساء. يفهرس لورنس في روايته خزائن ملابس بطلاته بحرص الوصيفة التي تخدم مليكتها. علينا ألا ننظر إلى الأمر بوصفه حالة بسيطة تنم عن حاجته لإقناع القارئ بأن من وضع الكتاب أنثى، فهذا بعيد عن مقاصده. إنها حيلة حاول خلالها لورنس أن يقنع القارئ بأنه على اتصال حميم مع قلوب النساء من خلال تعاطف غير مسبوق لأعمق احتياجاتهن: جواربهن، ملابسهن اللطيفة وأخيراً نزعة الخضوع عندهن.

لورنس وهذا مالا يخفى على أحد، يستمتع بكونه أنثى. وإذا لم نصدق الراوي وصدقنا الحكاية فإن الحكاية تعربد في المشدات والريش الناعم والحقائب والخرز والبلوزات والقبعات. من المؤثر حقاً أن نرى رجلاً تغريه العدة الفكرية الأنثوية كما هو الحال عند لورانس. إنه مسحور. لقد استحوذت عليه براعم الأنوثة الأولى عند المرأة وصولاً إلى محوها لذاتها. لقد أراد لورانس أن يتحول إلى امرأة، كما اقترحت كاتي ميلليت، كي ينجز متعة قصوى، رغم أنها متعة فصامية، في ممارسة الجنس مع نفسه، إذ ليس هناك من يشبعه.

إن عدة المرأة تربك لورانس وتغريه. إنه كما الطفل الذي ينشده لدى رؤية علبة من الحلوى. يظهر لورانس بطلته غودرون في نساء عاشقات شأن عاهرة ساحرة في حلة زاهية: كانت ترتدي ثوباً قوامه جرير أخضر غامق، بكشكش من تخاريم كتانية زرقاء وخضراء عند العنق وعلى الأكمام. إنها التخاريم الكتانية التي تدوخ لورانس. ولكن ما هي تلك التخاريم. إنها وبالتأكيد السر الكامن بين غودورن وخياطها. تكمل غودرون مجموعة ملابسها بجوربين بلون الزمرد الأخضر. وينساب الجوربان عبر الرواية شأن لازمة موسيقية.

جوربان مبهرجان يشدان الانتباه إلى تلك القائمتين اللتين تحملانها، ساقيها. رغم أن ساقيها لم يذكرا باسمهما الحقيقي في الرواية إلا نادراً. بات جورباها رمزاً لعنادها. يؤخذ جيرالد كريش بغودرون عندما تصل إلى قصره مرتدية جوربين سميكين من الصوف الأصفر. فجورباها كانا دائماً يجعلانه في حالة من الاضطراب والارتباك. لقد ألمح لورانس إلى أن جيرالد كريش ما هو سوى بورجوازي منحط لا يستطيع أن ينظر إلى زوج من الجوارب الغجرية باتزان ورباطة جأش. لكن لورانس نفسه لم يكن غير ذلك. فقد كان يرتبك في أعماقه لدى رؤية ساقي غودرون عاريتين. إن كريش هنا ما هو إلا لورانس وقد لبس طاقية الإخفاء. بالنسبة للورانس يجب أن تحجب الساقان. وهنا يبرز الجوربان بوصفهما رقابةً.

جوارب، جوارب في كل مكان. جوارب هيرميون روديس القرنفلية، جوارب أورسولا الصفراء الفاتحة، لافتة، رائعة، غير هيابة. لورانس رجل جوارب وليس رجل سيقان. لقد حلت الجوارب محل السيقان وحلت الملابس محل لحم الجسد الآدمي. إنهاالنزعة الفيتشية في منتهاها.

يأتي تمجيد الجوارب في نهاية الرواية حيث تكتسب دلالة جنسية إيجابية. دخلت غودرون إلى غرفة نوم أورسولا ومعها ثلاثة أزواج من الجوارب الملونة كانت قد اشتهرت بهم. رمت بهم على الفراش. جوارب سميكة وحريرية. الأول قرمزي والثاني أزرق بلون العنبر، أما الثالث فأخضر. لقد ابتاعتهم من باريس.

وبحدس الأنثى الذي لا يخطئ أدركت أورسولا أن غودرون تشعر بحب عميق، ما جعلها تمنح هذه الكنوز الدفينة كانت الفتاتان المهتاجتان تدعوان الجوارب جواهر وأحبة وكأن هذه الأشياء الحريرية باتت عشاقاً أو أطفالاً مدللين. وبالفعل بدت الجوارب وكأنها تعجل بحالة من إثارة إيروتيكية مفرطة عند غودرون، فهي تتحسسهم بيدين مرتجفتين مهتاجتين. إن الطبيعة الأورغازمية لتبادل الجوارب يتم التأكيد عليها بمقطع لافت: هذه الجوارب الحميمة تمنح المرء متعة قصوى قالت أورسولا.

نعم. إنها تمنحنا أعظم المتع ردت غودرون.

لقد حاول لورانس أن يخضع النساء اللواتي خلقهن في خياله ليتفاعلن وبشدة حيال الجوارب التي يملك اتجاهها التفاعل ذاته. تعود أورسولا وغودرون لتلتقيا من جديد في سويسرا بعد زواج أورسولا، وبعد الأسبوع الآثم الذي أمضته غودرون مع جيرالد البغيض على قلب لورانس في باريس. وعلى الفور تسرعان إلى غرفة نوم غودرون. وهناك تتجاذبان أطراف الحديث والموضوع بكل تأكيد هو ملابسهما وتجاربهما. ويستطرد لورانس في بذاءاته وصولاً إلى نهاية الكتاب.

إن لورانس في هذه الرواية يصنع حلواه ويأكلها أيضاً.

في مشهد في دير بيشاير يطلق أطفال عمال المناجم بالنعوت على غودرون. كم ثمن هذه الجوارب!. ويا له من مشهد واقعي. إن عقوبة شذوذ الملابس وغرابتها هي السخرية دائماً. فبعض أنواع الملابس تجعل من يرتديها شهيداً لها. لقد استطاع لورانس أن يكسو جميع الفتيات في الرواية بتلك الأزياء المحببة التي يرغب في أن يراها على بطلاته اللواتي خلقهن، في الوقت الذي يتملص وبذكاء من المسؤولية الأخلاقية التي يفرضها ارتداؤه لتلك الملابس وبالتالي من مواجهة البشر له. إنه يسمح لنفسه أن يسخر من تلك الفتيات بإجبارهن على أن يستعرضن أنفسهن ببهارجهن الغريبة التي أجبرهن على ارتدائها. لقد أجبر غودرون على أن تستشهد على مذبح الملابس. إنها الفانتازيا السادية في منتهاها.

كم تريدين؟ ستأتين معي، أليس كذلك؟. كلمات كان العمال يطلقونها كلما رأوها. لقد تحول تسليع الملابس إلى تسليع للحم البشر. إن تحديها للمجتمع من خلال ملابسها قادها إلى الخزي والعار. فعمال المناجم لا ينظرون إلى الرقعة التي كتب عليها ثمن الجوارب كما فعل أطفالهن الأبرياء، لكنهم يتجرؤون على النظر إلى عري ما تحت الجوارب، وجعلوا يتأملون الرقعة التي كتب عليها ثمن هذا العري.

يفكر أحد العمال. إن قضاء ليلة مع غودرون تستحق أجرة أسبوع كامل. وبالفعل كان مستعداً للقيام بذلك. لكن شاباً أصغر منه هز برأسه بوساوس لم يستطع التغلب عليها.

لا. لا يبدو بأنها تستحق ذلك.

إن لورانس هو من منح تلك اللغة البذيئة لعمال المناجم التي صبوها على غودرون لإذلالها. إنه هي. فتماهيه مع الأنثى بمطلقها يفرض عليه أن يتحمل عواقب ما تتحمله هي. إنها المازوشية بعينها. أو فلنقل السادية معكوسة. منح لورانس غودرون نوعاً خاصاً من الجمال الصاعق. لا لن تكون بالجمال ذاته عندما تخلع ملابسها. إنه يؤمن بالتعري معكوساً، فكلما تكومت عليها الملابس باتت مرغوبة، فذلك يجعلها تبتعد عن كونها امرأة حقيقية.

لم تتمكن بطلات لورانس من الهروب من فخ الملابس الذي نصبه لهن، رغم وجود صلة بين كومات الملابس التي كومها عليهن وصفاتهن الإيروسية.

نكاد نلحظ في جل صفحات نساء عاشقات نزوع لورانس لارتداء ملابس الأنثى. لكن الملابس عنده سلاح يستخدمه للانتقام من المجتمع. إنها حالة تنفير من الأنثى التي تتكوم عليها الملابس. إنها ابتعاد عن الطبيعة المجتمعية التي يرفضها في الأساس. إنها أسلوب ابتكره ليكرس فيه دور الأنثى في داخله. لنستمع إليه وهو يصف هيرموين. جاءت هيرموين إلى العشاء غريبة كئيبة. عيناها ثقيلتان مشبعتان بعتمة وقوة جنائزية. ارتدت ثوباً مقصباً قديماً متصلباً ميالاً إلى اللون الأخضر. انسل في جسدها وفصله وجعلها تبدو مثل شبح طويل مخيف. من الواضح أن لورانس يخشاها وفي الوقت ذاته يجلها. إن الغرابة التي تمثلها له، هي غرابة طبقتها الأرستقراطية. وثيابها تحدد القوة المجردة التي تسكنها. إن هيرموين لوحة من الحياة أيقظت فيه وعياً بدقائق الثياب وتفاصيلها التي لابد أنه أنفق الساعات الطويلة والبهيجة وهو يختلس النظر ويدقق في خزائن ثيابها.

إن مشهد الحفلة في بريدالبي يظهرهم جميعاً وهم ذاهبون إلى السباحة. تقترب هيرموين من الماء في عباءة من الحرير الوردي. منمقة مزخرفة متلفعة بثياب على النمط الباروكي. إنها الأرستقراطية بعينها. لذلك هي مقدسة. إذا كان لورانس يشير إلى تلك النساء اللواتي يكومن الثياب على أجسادهن فإنه لا يفعل ذلك في العلن. فهو يبدو وكأنه يقلب القول البودليري المرأة طبيعية، لذلك هي منفرة لجعله عندما تكون المرأة غير طبيعية تصبح منفرة. ذلك أن معظم النساء في الرواية ينتهين إلى مجرد جهاز خلق من ثياب وقماش. وهو يحاول الوصول إليهن عبر هذه البهارج السحرية التي تحددهم وتحجمهم.

لا يخفى على القارئ العزيز أن لورانس لم يخف ميوله اللوطية يوماً. وهو وفي جميع رواياته يحاول الأنثى الخاضعة. وهذا ما أشار إليه الناقد الكبير إدموند ولسون في مقال لافت له. لمزيد من التفاصيل انظر رواية (عشيق الليدي تشارترلي) الفصل السادس عشر، كما نحيل القارئ العزيز إلى قصيدة لورانس Manefesto.