العدد العاشر - نيسان 2006

ديوان الشعر العربي الجديد

محمد إسماعيل دندي / سلميه
الاحد 21 أيار (مايو) 2006.
 

عن دار الكنوز الأدبية في بيروت، صدر كتاب ديوان الشعر العربي الجديد ـ الجزء الرابع محتوياً مختارات من الشعر السوري، جمعها وقدّم لها السيد محمد عضيمة، الذي تعددت اهتماماته ونشاطاته الأدبية في السنوات الأخيرة، فقد نشر تسع مجموعات شعرية، وعدداً من الدراسات الأدبية، وترجم عن الفرنسية كتباً عدّة، وفي سلسلة الاختيارات أصدر ثلاثة كتب تباعاً هي عن الشعر في العراق ـ 2000 ـ، عن الشعر في الجزيرة العربية ـ 2001 ـ، عن الشعر في لبنان ـ 2002 ـ، عن الشعر في سورية ـ 2003 ـ وهذا الكتاب الأخير يتألف من /396 / شغلت المقدمة / 81/ صفحة منه، وما تبقّى من الكتاب، شغلته المختارات الشعرية. وخلال قراءتنا للكتاب، تبيّن لنا أنّه جدير بالمناقشة والعرض، سواءٌ اتفقنا معه أم اختلفنا، وسواءٌ رضينا عنهُ أم سخطنا، فنحن مع الحوار دائماً، ومع الإصغاء إلى الآخر، حتى نصل إلى الموقف الصحيح والرأي السديد. ففي المقدمة يطالعنا المؤلف بتوصيف المشهد الشعري في سورية متمهلاً عند ثلاثة مظاهر منه:

أولاًـ الخضوع للرقابة: يحتجّ المؤلف على أن الشاعر الذي يطبع مجموعته الشعرية في سورية، حتى لو كان الطبع على نفقته الشخصية، لا بد أن يخضع لرقابة اتحاد الكتاب العرب، أي رقابة شاعر أو شاعرين من أعضاء الاتحاد المكلفين بقراءة المجموعات الشعرية، وفي النهاية تجاز أو لا تجاز، وإن عقلية الإجازة والموافقة أو عدم الموافقة ـ في رأي المؤلف ـ ذات أصول دينية إسلامية، تعود إلى مجال الفقهاء والفتاوى، والمثير في الموضوع ـ في رأيه أيضاً ـ أن الشاعر الذي يصدر فتوى الإجازة، لا ينتمي ـ ظاهرياً ـ إلى الطبقة الدينية، وإنما ينتمي إلى أحزاب علمانية، كما يقول. ولذلك لم يجد ضالته في مطبوعات الاتحاد ولا في مطبوعات وزارة الثقافة، وإنما في الإصدارات الخاصة حيث تنكسر عين الرقابة أو يخف ضغطها. وهو يستنكر بشكل حاد مطبوعات الاتحاد خاصة.

ثانياًـ التشابه والتماثل: لقد وجد المؤلف في منشورات الاتحاد ووزارة الثقافة تشابهاً لا يصدّق، حتى كأنَّ شاعراً واحداً يقف وراءها، وكأنها كتبت بلسان واحد، وتعليل ذلك يعود إلى الظاهرة الأولى، فالقارئ الرقيب الذي يوافق على النشر، هو هو لم يتغير منذ أربعين عاماً، والشعراء باتوا يعرفون ذوقه وميوله، فيكتبون ما يرضيه، وقد سكن هذا الرقيب داخل كل شاعر، فاستغنى ـ ذاتياً ـ عن الرقابة الخارجية.

ثالثاً ـ المحلية: الشيء المذهل الذي بدا للمؤلف وهو يطالع الأعمال الشعرية، أن هذا الشعر مكتوب للاستهلاك المحلي، لقارئٍ سوري دون أيّ قارئ آخر، حتى لو كان عربياً، شعر غير قابل للتصدير قطعاً. إن هذا الشعر وخلال ربع قرن أو أكثر، يعني حتى بداية التسعينيات، بقي يجتر نفسه داخل غرفة من المرايا المتقابلة. لم يبرح أرضية الخمسينيات أو الستينيات على أبعد تقدير، وينطبق هذا الكلام بالدرجة الأولى على إصدارات الاتحاد، وبالدرجة الثانية على إصدارات الوزارة. هكذا يتراءى المشهد الشعري السوري في مرآة المؤلف دون أن يقدم أمثلة عينية أو أرقاماً دقيقة أو شواهد دامغة، فهو تالياً يتحدث دائماً في إطار العموميات. فماذا عن المنطلقات الفنيّة التي تمثّل أرضية الاختيار؟.

بعد التدقيق في المقدمة والمختارات ذاتها برزت أمامنا المنطلقات التالية:

1 ـ الثورة على الوزن والمجاز: فهو يحمل بشدة على هذين العنصرين، اللذين يتّفق كثير من الدارسين والنقاد على أنهما من أركان الشعر الأساسية، وتتجلى حملته عليهما بقوله: يمتطي الشكل حمارين مشهورين ومألوفين وصبورين: حمار الوزن وحمار المجاز، وأبناء الحداثة يقولون: الوزن حمار لا يستخدمه إلا شاعرٌ كسول، الوزن حمار الشعراء الكسالى. وبكلمة واحدة: المجاز شعر جاهز، التجريد شعر جاهز، الخيال وما يفرزه شعر جاهز، الوزن أيضاً شعر جاهز.

2 ـ الثورة على المطولات الشعرية: يرفض المؤلف المطولات سواء أكانت قصائد نثرية أم قصائد تفعيلة، فأولاد الحداثة الجديدة ـ في رأيه ـ لا علاقة لهم بالمطولات، لأنهم يحترمون القارئ بحق، والقصائد الطويلة طاغية مستبدة، لا تترك حرية للقراءة. والموجزات الشعرية ديمقراطية، تمنح حرية كاملة، كان أجدادنا يعتزون بما يسمونه (بيت القصيد) وفي اليابان يعتزون بمقطعاتهم القصيرة، وبصراحة: السيد عضيمة لا يحب القصائد الطويلة.

3 ـ الثورة على وحدة العمل الأدبي: إن وحدة العمل الأدبي التي طالما تحدّث عنها النقاد وطالبوا بها، هي في نظر المؤلف كلام نظري لا يقتنع به، فنحن نستطيع اقتطاع أي جميل من سياقه، فالجميل هو سياق بذاته، مكتفٍ بجماله، وهذا الجمال لا يمكن أن يمتد إلى عدّة أسطر، عندما يكتمل المعنى يكتمل الشكل. كم معنى داخل النص الطويل؟ هل هناك معنى واحد فقط؟ غالباً لا يبقى من أعظم الأعمال الشعرية سوى بضعة أسطر توجز العبقرية الجمالية لصاحبها، وتجعله خالداً على مر الدهور، وتاريخ الاستشهادات دليلٌ على ذلك، فغالباً، يستشهد بشيء من العمل الأدبي لا بالعمل كله.

4 ـ الثورة على القضايا الكبرى: كالقضايا السياسية والوطنية والميتافيزيقية ودواعي الحزن والتشاؤم والجدّية المتجهمة والعبوس والتشاؤم وكل ما يدعو إلى اغتيال هذه الدنيا (الفانية).

5 ـ الثورة على الماضي: فهو يتحدّث بلسان أبناء الحداثة قائلاً: نرفض رفضاً قاطعاً أن نكون لقمةً دائمة أو مؤقتة في فم الماضي وتحت أضراسه، وبناءً عليه نرفض حضور أيَّ شاعرٍ قديم بين صفوفنا، ولا نقبل انتماء المتنبي أو المعري أو الجاحظ أو غيرهم من الأسماء الأخرى إلى الحداثة والمعاصرة.. إنهم كالسياط المرفوعة فوق جلودنا من البيت إلى المدرسة إلى الشارع إلى الجامعة.

6ـ الحملة على الكبار: يحمل المؤلف أيضاً على الشعراء الكبار، لأنهم ـ في رأيه ـ مرضى بما أنتجوه، لا يستطيعون تجاوزه وهم يمارسون هيمنة لغوية وأدبية بعيدة عن التواضع وقريبة من التعجرف، ونصوصهم دهون وشحوم ليس فيها دم الشباب المتوثب، وقصائدهم تشعره بالضغط والكبت والتبعية والاستلاب، لأنها تأتيه من فوق، وكأنّ بين سطورها ألف جلاد.

تلك هي المنطلقات الفنيّة التي يتمترس الأستاذ عضيمة خلفها وهو يخاطب قارئه، فما هي المبادئ التي ـ على أساسها ـ تم اختيار ديوان الشعر السوري الجديد؟.

بدراسة المقدمة، وامتحان المختارات تتجلى أمامنا المبادئ التالية:

1ـ التنوّع: لقد وصلت إلى المؤلف / 300 / مجموعة شعرية، وبعد تمحيصها اختار / 170/ شاعراً وانتقى مختاراته من مجموعاتهم، وهو يعتقد أن هذا العدد الكبير من الشعراء يمكن أن يقدّم صورة قريبة من الواقع الشعري في سورية، ويلفت نظره أن أسماء المعروفين من هؤلاء الشعراء لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وهو ينوّع في الصفحة عدداً من الأسماء، أكثرهم من جيل الشباب وأقلهم من جيل الرواد، أكثر القصائد نثرية وأقلها شعر تفعيلة، أكثرها إصدارات خاصة وأقلها إصدارات اتحاد الكتاب ووزارة الثقافة، وليس هناك شاعر واحد يستولي على روح الديوان، لا أمير ولا عبد، ولكن ديمقراطية مطلقة وتنوّع رشيد..

2ـ الإيجاز: تقديراً للإيحاء ومفهوماته، ولأن الشعر إيحاء، والإيحاء لا يكون من خلال المطولات لذلك أوجز، وهو يميل إلى قصيدة النثر، ولكن ليست الطويلة قطعاً. وهي تبدو له طويلة إذا تجاوزت أربعة أسطر أو خمسة، وهو يقتطع القول الشعري أو الخبر الشعري أو المقطع ـ وهي أسماء لمسمى واحد ـ من سياقها، ويضع لها عنواناً لم يكن لها، ويختارها بحسب مزاجه بعد أن تثير إعجابه وترضي ذوقه، ويرى أن في كل قول من هذه الأقوال تجاوزاً أو تحالفاً بين لفظين أو أكثر هو الذي يشكل جمالية المقطع، ويستطيع القارئ أن يقرأ من حيث يشاء، في المقدمة أو المختارات، وفي أية صفحة، دون ضغط ما سبق وما لحق ودون تبويب أو ترتيب.

3ـ التمرد على القيم المورثة في الشعر والحياة: ليس هذا الديوان للمنابر والصياح والتبشير أمام آلاف الناس المحتشدين في مدرج كبير أو ملعب لكرة القدم أو صالة سينما، فالذي يبدو تافهاً وغير شعري من وجهة نظر تقليدية، والذي يبدو غير أخلاقي من وجهة نظر المتديّنين، والذي يبدو من اللحوم المحرمة (لأنه مذبوح ذبحاً غير شرعي) والذي يبدو عبثيّاً وفارغاً من أي معنى.. الذي يبدو بهذه الصفات وأمثالها، هو الشعر المفضل والمختار في نظر المؤلف، وهو الذي ملأ ديوانه به، فمن وجد اسمه بين شعراء هذا الديوان فليعلم أنَّ المؤلف وجد في شعره هذه الصفات والقيم المذكورة. وإذا كان من عادة الذين يؤلفون المختارات تفضيل الأموات على الأحياء والكبار على الصغار والمشهورين على المغمورين والنصوص الشامخة على المتواضعة، فإن مؤلفنا قلب هذه المفهومات رأساً على عقب، واختار من شعر الأحياء والمغمورين، وفضّل النصوص المتواضعة والخارجة على القانون والقيم المتداولة، وآثر المقاطع العبثية التي لا معنى لها ولا جدوى، وجعل أسماء الشعراء تتوالى في الصفحة الواحدة، وليس الشاعر في رأيه من احترف الشعر فحسب، ولكن الصحفي والجندي والخياط والنادل يمكن أن يكتبوا شعراً.

وبعد.. إلى أي مدى يستطيع المؤلف أن يقنعنا بهذه المختارات التي سماها (ديوان الشعر العربي الجديد)؟؟ مما لا شك فيه أنه كغيره من بني البشر، يصيب أحياناً ويخطئ أحياناً أخرى، يكون طريفاً ومقنعاً تارة ومتحاملاً أو متطرفاً تارةً أخرى، فبالإضافة إلى جوانب إيجابية كثيرة في عمله وأحكام هامة في بحثه، فهناك جوانب سلبية أيضاً تتلخص في بعض المغالطات فنذكر مثالاً عليها هو الربط الميكانيكي ـ السطحي ـ بين قصيدة التفعيلة والأنظمة الدكتاتورية، ومظاهر الذل والعبودية والخنوع للسلطة إذ يقول: شعراء التفعيلة أو العموديون الجدد يدرّبهم الإيقاع على العبودية والذل والتبعية، ولذا سرعان ما يستجيبون لأدنى إشارة من السلطة ومن الحاكم الثقافي والسياسي. والراكضون وراء الإيقاع هم الراكضون وراء السلطة، شعراء التفعيلة والأنظمة الديكتاتورية العربية توءمان أ صحيح أن كل شعراء التفعيلة شعراء سلطة؟ أليس بينهم متمردون ومعارضون؟ أين السياب وأمل دنقل ومظفر النواب إذاً؟ وأما عن المبالغات عنده فنكتفي بما نسميه مبالغات التعميم التي تظهر في كل مكان من المقدمة، ومن الأمثلة عليها قوله عن قصيدة النثر: لا يمكن لأي سلطة سياسية أن تجيّر قصيدة نثر واحدة لمصلحتها أو ضدها، ولا يوجد شاعر واحد من الأجيال الجديدة الذين يكتبون قصيدة النثر، استطاعت السلطة استخدامه أو استخدام نصوصه أو قوله عن قصيدة التفعيلة كل ما هو موزون موقّع يتقارب مع السلطة الموزونة الموقعة، ثم إن الأوزان من إنتاج عصور ماضية فلا تتلاءم مع هذا العصر، وجميع شعراء العالم يكتبون قصيدة النثر، والشعر الموزون غير قابل للترجمة.. وأمثال هذه التعميمات والأحكام الكلية القاطعة تضفي على المؤلف صفة المبالغة والبعد عن الدقة العلمية والفكر الموضوعي.

أخيراً، مهما يكن من أمر، فمادام هذا (الديوان الجديد) قادراً على فتح أبواب المناقشة والحوار وإثارة الذهن ودفعه إلى التفكير، فهو كتاب (استفزازي) جدير بالاطلاع، ومؤلفه يستحق التقدير، ويترك الحكم النهائي لذائقة القراء الجادّين، الذين يبحثون عن الجميل والنافع في الكتب والحياة ويؤمنون أن الزبد يذهب جفاء، وأن الذي ينفع الناس يبقى ويخلد.