العدد العاشر - نيسان 2006

دِراسة في مُعجَمِ وصَرفِ الّلغةِ الإيبلوية

عرّبَهُ و أوجزهُ د. ابراهيم فاضل سوريا ، سلمية
الاحد 21 أيار (مايو) 2006.
 

مُصارَحَة:

لو أنّ طبيباً أعادَ الحياةَ لميتٍ بعد يوم مِنْ وفاتِهِ لشغلَ الإعلامَ العالمي كافّةً ..ولمدة طويلة..!

فكيفَ إذا أُعيدت الحياةُ لشعب بحالِهِ وجلالِهِ ، بعدَ أنْ حرقَهُ الملكُ الأكادِيّ( نارام سِنْ ) منذُ حواليْ أربعةِ آلافٍ ورُبعِ الألفِ من السنين الشمسيّة ...؟

الطبيبُ المعالج ُهو ( البروفِسور باولو ماتييه ) والشعْبُ المعادة لهُ الحياة هو ( شعب إيبلا ) الذي كانتْ ربوعُهُ وحقولُهُ ممتدّةً مِنْ ( البحر الأسود ) إلى ( العقبة ) ومن ( جبال زاغروس ) إلى ( مياه الأبيض المتوسط ).

ذكرتُ هذا الإحياءَ أمامَ أخي ( ماتييه ) يومَ عرّفني عليه سيادةُ الوزير ( وهيب فاضل ) في مدينة ( إدلب ) وكانت في رعايتهِ كمحافظٍ لها يكرِّمُ مُكْتشفي ( إيبلا ) التابعة إداريّاً له .. يكرِّمهم كما يجبُ لباعثي حضارةٍ كان التعليمُ فيها خاضعاً للدولة قَبلَ أنْ تتغذّى بها نيارينُ ( نارم ) .

وفي تشرين الثاني من العام الحاليّ 1998 أطلَعني سيادتُهُ على دِراسة جادّةٍ للعالِمِ اللغويْ ( جوزيف مارتن باجون ) مُتوغِّلةٍ في مُعجمِ وصَرفِ اللّغة ( الإيبلويّة ) يضم الكتابُ أربع مئةٍ وعشرينَ صفحةً مِنَ القطْع الكبير كُتِبتْ باللّغةِ الإنكليزيّةِ عارضةً نصوصاً وأمثالاً ( إيبلوية وأكاديةً وسومريةً وأوغاريّة وكيشيةً ..و ...وغيرها من أخواتها مِنْ اللّغات القديمة العريقة ) .

ونظراً لأهميَّة الكتاب ، رأيتُ مِنْ واجبي أنْ أوجزَهُ لأنقُلَ ثِمارَهُ ناضجةً ، سائغةً للقارئ ، الذي لم تتركْ لهُ مشاغِلُ الحياة ، ومسؤولياتُ الأهل وقتاً لدراسةِ مجلَّدٍ كبيرٍ وبلغاتٍ تحتاجُ إلى اختصاصاتٍ شتّى .

والآن ، وبعد شكري واحترامي لكلٍّ من سيادة الوزير ، وعَرافةِ العالِمينِ الجليليْن ( باولو وجُوزيف ) أقدِّمُ خلاصة ما جاء في الكتابِِ مرتَّبةً ترتيباً منهجياً يُسَهِّلُ احتواءها .....!

-----------

خلاصة دراسةِ ( جوزيف ) :

يبدأ المؤلِّفُ بدراسة الأزمنةِ اللّغويّة الإيبلويّة فيجد فيها أزمنةً شتّى أعرضُ منها :

الزمن الماضي :

الدّال على فعل مضى ،كما في الأفعال (الإيبلوية ) التالية ، مع مراعاةِ لفظها ( الإيبلوي ) المرسوم عليها بالشكل:

حَبّ ، بِكىِ ( يِِ تلفظ مثل say  ) دَعَمْ ، دَارْ ( التفتَ ) ذَكَرْ ( يَذكُرُ ) قدّ ( قَطَعَ ) جَدَّ ( صار جديداً ) حنا ( يحنو عليه ) خِبِرُ ( من الخِبْرة ) حاصَرْ ، خَبىّ ( خبّا ) قَدَسْ ( قَدَّسَ ) طَرَدْ ، تَرَمْ ( قطّعَ ) ، زابَنْ ( اشترى وباع ) ...

الزمن الحاضر:

الدال على فعلٍ مزامنٍ للقول ، و ( الإيبلوي ) يكسرُ الحرفَ الأوّلَ مِنَ الفعل إذا لم يكن ( أجوفَ أو مشدّداً ) .....

يِبْني ، يِبْرِقْ ( من البَرق ) يِكبُبْ ( يَلفّ الخيطان كُبّةً ) يِكبُرْ ، يْموتْ ( من مات وهو أجوف لذلك سُكِّنَ أوله ) يِنحَرْ ، يِنظر ( أي يراقب ) ومنهُ ناظر الحقل ) يْنود ( يُحرّك رأسهُ حركاتٍ قلقَة ) ، يْنوّخ ( يستريح ) ، يْذمّ ( ضدّ يَمدَحُ ) ، يِفتحْ ، يِقنعْ ، يْقوم ، يِرعُد ، يِرضى . .

الزمن التام perfect  :

وقد رآه المؤلف مُصوغاً في ( الصرف الإيبلوي ) بزيادة ألفٍ أمام الفعل وتاء بين الحرف الأول والثاني للدلالة على إنجاز الفعل بالتدريج المطوّل:

إسْتَمَعْ ( سِمِعُ ثلاثيّها ) ، إستَألْ ( ثلاثيها سَأَلَ ) ، إذدَكَره ( ثلاثيها ذَكَرْ + إ ذ ت ك ر مع إبدال ت بالحرف د لتسهيل اللفظ ) ، اترّق ( ثلاثيها وَرِق أي أورقَ بعد سُبات + إ و ت ر ق . . . وبإبدال الواو تاءً تحولت إلى إ تّ رَ قَ ) ، ومثلها اتقى ( من وقى ) . .

الأمرْ imperative:

يأتي بالصرف الإيبلوي مُسكّنَ الأولِ إذا كان ( صحيحاً ) ومُحرَّك الأولِ إذا كان ( أجوف أو مشدّداً ) :

قُومْ ( قٌمْ ) كِنّ ( اسْترِحْ أو ريّحْ حالَك ) ، سْقىِ ( اسْق ) ، حْمِضْ ( حَمِّضْ ) ، صَطِّرْ ( اكتبْ ) . . .

اسم الفاعل :

للدلالة على طول تنفيذ الفعل حتى وكأنّه دائم :

راعىِ ، سامِعُ ، قايمْ ، بايتْ ( غير طريّ )

ويهتم الدرّاسُ المجدّ بالضمائر اللغويّةِ فيوزّعها توزيعاً مَدرسياً مُفيداً ، بعد أن يستنتج توحّدَ اللهجات السومريّة والأكادية والأوغاريتية في قوانين ورودها

الضمائر المنفصلة :

أنا ، هِنْتْ ( أَنْتَ ) ، هِنْتِ ( أَنْتِ ) ، هُوْ ، هوَ ، هوّىِ ، هْيْ ، هِيَ ، هيىِ . . .

الضمائر المتصلة :

ياء المتكلم ، كاف المخاطَب المفتوح ، كاف المخاطبة المكرر ، هاء الغائب المضموم ، ها الغائبة ... وقد تنوب عنها أحرفُ العلّة ، إذ يقول ( الأيبلويّ ) : سِمْعا ( سَمِعَها ) ، سِمْعو ( سَمِعَهُ ) ، سِمْعِن ( سَمِعَهنّ ) .

ضمائر الملك المنفصلة :

التي تقابل في الإنكليزية (  ours , mine ... ) :

كَيِّي أو كيّوتىِ ، أو كَياتيِ ( mine ) ، كَيّوتْنا ( ours ) وقِسْ على هذا ... وقد تُلفظ الكاف جيماً مصرية ... !

ضمائر الاستفهام :

وتتألف من مقطع مِين + آ أو وُ أو نْ فيقول ( الأيبلوي ) :

مِينا ( من هي ) ؟ ، مينو ( من هو ) ؟ ، ميننْ ( من هنّ أو هم ) ؟ .

الضمير غير المحدد :

مينْما ، مقابل : anybody , everybody .

وينتقل المؤلّف إلى النّفي فيجدُه سهلاً بمصاحبة ( ما ) لأحرف الألف والواو والنون والياء:

ماني ( لا أريد )! ، مانا ( لا تريد )! ، مانو ( لا يريد )! ، مانن ( لا يريدون أو لا يردنَ)

 ـ ـ ـ ـ

دراسة الظروف :

يختار من الظروف الشائعة في ( إيبلا ) :

عَ ( ظرف مكان بمعنى فوْق ) ، مَتىِ ( ظرف زمان ) ، اخِرْ ( بَعْد )

دراسة حروف الجرّ :

أختار منها : بَلا ( بدون without ) وكاف للتشبيه .

دراسة حروف التوكيد :

أختار منها : لا مثل : هُوْ ، لا ، لاكيلْ ( هُوَ ، حقاً ، وكيل ٌ )

ما مثل : هُوْ ، أَبْ ، ما ( هُوَ أبٌ بالتاكيد )

ثم يورد الدّراسُ المجدُ صفاتٍ عدة استخرجَها من المعجمِ الإيبْلويِّ اختر ت منها :

لا لا ( جميلة مُتّقدة ) ، زَهْو ( الإشعاع جمالاً ) ، زَيْن ( يُنوّر ما حولَه ) حْسانْ ( حَسَنْ أو حُسيْن ) هادي ، حيّ..

 ـ ـ ـ ـ

ويتمثل المؤلّفُ مراراً بكلمة ( آدَمْ ) بمعنى إنسان man كمفهومٍ عام أو بمعنى رجل .

  ـ ـ ـ ـ

ولا ينسى الدراسُ أشهرَ المصطلحات الدينيةِ :

عيلْ ، دايمْ ( بمعنى عائل الكل أبداً ) يذكرنا هذا بالقول المأثور الطيِّبِ ( الناسُ عيالُ اللهِ مِنَ الأزَلْ إلى الأبدِ ) .

 ـ ـ ـ ـ

ولا يذكر مِنَ الفلكِ إلاّ اسْمَ ( عَطّار ) قاصداً به ( نجمةَ الصبح ) .

 ـ ـ ـ ـ

ويورد للسلوكِ الفرديّ :

زميل ، عازبْ ( مُنفرِد ) ، عَزوبْ ، عَزيز ، حَسَنْ ، زَيْنو ، جيد ، صابِر ، حَبيس ( محبوس ) ، حَصين ( مُحصّن ) ..

  ـ ـ ـ ـ

ومن مفردات الفلاحة أختار :

بير ( بئر ) ومثلها جِبّ ، جَنّىِ ( جنة ) ، وَرِق ( مُورِق ) ، زاهي ، ظمي ( عطشان ) ، عُود ، يَمّ ( بحر ) كَرْمْ ( أشجار من نوع واحد ) ، وكيل ( ناظر الحقل ) ، صَبْر ( نبات طبيّ مرّ ) .

  ـ ـ ـ ـ

ومِن الحِرَف : نجار ( أخشاب ) ، فخاري ( فخار ) ، مَلاّح ( سُفُن ) .

 ـ ـ ـ ـ

وفي مجال الصحة أذكر : جيّد ، وهِنْ ( ضعيف ) ، سَليمْ ، كِرِشْ ( بطن ) ، مخّ ، راسْ ، يدّ ، سِنةْ ( نوم ) بَدين ( سمين ) .

 ـ ـ ـ ـ

ومن أفراد الأسرة أذكر :

أبّ ، أبو ، أبا ، أبي ، بَيْيي ، بَيْيو ( وكلها بالمعنى نفسه)

أمّ , ماما ، مِيمْ  ... ، بن ( ابن ) ... ، أَخّ ، أَخو ، أَخا ، أَخي ، خيْيُو ، عَمّْ ، عموّ .. خالْ ، خالُو ... ، حمو ، حَماتُو ...

غلام ، بُكرْ ( أكبر الأولاد ) ... ، عَبْد ( إنسان مُستَعبْد ) .

 ـ ـ ـ ـ

ومن الرياضة اخترتُ : صرْاع ( مصارعة ) ، صيْيدي ( اصطياد ) .

ومن المخلوقات التي كانت معروفة في العهد الإيبلوي :

أسَدْ ، غُزالْ ، مُهْرْ ، جّدي ، ثَوْرْ ، ذيبْ ، ثَعْلِبْ ، نِسْرْ ، صوص ، نون ( سمكة ) بُرغوث ( حشرة ) ، والقائمة طويلة جدّاً ... !

 ـ ـ ـ ـ

هذا غيضٌ من فيضِ ، يكفي للبرهان الأكيد على وحدة الجذور اللغويّة في القواعد الصرفيّة والمعجمية بين مَحْكيّات ( سَوْمر ، وأكاد ، وكِِيشْ ، ولَكَشْ ، وأور ، وبابل ، وماري ، وأوغاريت ، وصور ، وصيدون ، ... و ... و إيبلا ) وتحية لكلِّ وحدةِ تجمعُ الناسَ على إنسانيتهم ، بما هيَ حبٌّ محض.

والتحية والإجْلال للبروفسور ( باولو ماتييه ) مكتشف إيبلا ...

للأستاذ العالم اللغويّ ( جوزيف باجون ) ، ولكلِّ من قدّم للبشرية خيراً وأمناً على قدر طاقته.