العدد العاشر - نيسان 2006

دولة الحد الأدنى

عايده الجوهري
الاحد 21 أيار (مايو) 2006.
 

 لبنان والأمن مترادفان. أمن لبنان يشغل نسبياً العالمين العربي والدولي، منذ ثلاثين عاماً، وربما قبل. ومنذ 14 شباط الفائت قفزت مشكلات لبنان الأمنية وما يرتبط بها من خيارات استقلالية أو غير استقلالية إلى الواجهة، وتحولت هذه المشكلات إلى مادة نقاش حيوية في أروقة الأمم المتحدة وفي عواصم القرار، كما في عقول ووجدان وحوارات اللبنانيين كل اللبنانيين، نزلوا إلى الشوارع للتعبير عن اصطفافاتهم الأمنية، السياسية، أم لم ينزلوا. ولا ريب أن المشكلات الأمنية تشكل مادة أثيرة مثيرة لوسائل الإعلام، المرئية والمسموعة، وهي في مقدم الموضوعات السياسية التي تعالجها، مغفلة استحقاقات من نوع آخر تهدد الأمن الاجتماعي لشرائح واسعة من اللبنانيين وتقضي بإعادة تشكيل دور الدولة نفسه في إدارة حياة الناس، لتحولها إلى ما سمي دولة الحد الأدنى على ما أراده الليبراليون وفي طليعتهم جون لوك. هذا ما سنحاول برهنته مستندين إلى مسوّدات مشاريع تتسرب إلى الصحافة والى المعنيين مباشرةً من اقتصاديين ونقابيين ومناضلين اجتماعيين ويدرسونها خلسة عن المناظرات العامة.

تتضمن مسوّدة المشاريع، وهي كناية عن مجموع الإصلاحات المقترحة للحصول على دعم دولي تحت شعار ترشيق الإدارة وخفض النفقات وزيادة الإيرادات و... و... وهي مجموعة اقتراحات تقضي بتجميد المعاشات (الحقيقية) في القطاع العام واستبدال الوظيفة الدائمة بالتعاقد الوظيفي باستثناء السلك الخارجي والسلك القضائي والأجهزة الأمنية وأجهزة الرقابة، وبإعادة النظر في التقديمات الاجتماعية، وقد سبق الفعل القرار النظري في قضية الضمان الاجتماعي، كما تقضي بزيادة الضريبة على القيمة المضافة، وتحرير سعر البنزين وزيادة الضرائب على دخل الفوائد وخصخصة قطاعات خدماتية منها الاتصالات والنقل، أي استباحة قطاعات معيشية.

الاتصالات هي أيضاً معيشية، لرأسمال متوحش، وتجربة الخليوي ليست سعيدة، فاللبناني يدفع أغلى سعر مخابرة في العالم. ودونما حاجة لتوغل وتفقّه في علم الإدارة والاقتصاد تفترض هذه التدابير أعباء معيشية، إضافية ومهمَّشين جدداً.

وفي السنوات الخمس عشرة الأخيرة كانت تشهر القضايا الأمنية والاستحقاقات الاستراتيجية في وجه الحركة المطلبية كلما جاهرت الأخيرة باعتراضاتها على السياسات الاقتصادية والمعيشية.

واستخدمت لاحقاً هذه الحركة، بعد تأهيلها، وكلما دعت الضرورة، لابتزاز الفريق الحاكم، كالفزّاعة التي تخيف آكلة الثمار في البساتين، وتحولت شيئاً فشيئاً عن وظيفتها الجوهرية. الآن يتكرر المشهد، تتعاظم (بحق) الهواجس الأمنية، وتتعاظم معها الجهود لإيجاد  حلول لها ولكن في ظل هذه الهواجس التحررية تحضر مشاريع غير اجتماعية غير تحررية، تقييدية، فنجد أنفسنا إزاء مشهدٍ متناقض: نجد من جهة تشديداً على الأمن الأمني، ومن جهة أخرى نجد تراخياً تجاه الأمن الاجتماعي.

ومن جهة جدية السلطة وجرأتها على صياغة هذه المشاريع ومن جهة أخرى، خجل النقابات والأحزاب (الاجتماعية) وترددها في صياغة اعتراضاتها، لاسيما أنها واهنة القوى، وسوف تستسهل التلطّي وراء الاستحقاقات الأمنية، وهي لن تجد، إن قررت الاعتراض، مَنْ يعيرها اهتماماً.

 في المحصلة تجمع السلطة بين الاهتمامين والرأي العام وتشكيلاته المطلبية تؤخذ كما تريد له هذه السلطة بالأمن وحده وينشغل عن مشكلاته الحياتية.

عملياً، تطمس الهواجس الأمنية وسجالاتها وتطوراتها خططا ومشاريع تمس أمن المجتمع اللبناني الاجتماعي، وإذا كانت الأوضاع الأمنية مرتبطةً إلى حد كبير بالخريطة السياسية الإقليمية والعالمية، وتتعذر معالجتها كلها بقرارات حكومية داخلية بحت، فان القرارات الاقتصادية والاجتماعية محلية الصنع مرتبطة بسياسات اقتصادية ومالية وإدارية عشوائية سابقة، أغرقت البلاد في ديون فلكية، على مدار الخمس عشرة سنة الماضية ويسرت آليات الفساد وتواطأت معها، ونادراً ما واجهتها! وفي كل مرة يُطلب إلى المحكومين دفع الفاتورة لمواجهة نتائج لم يقرروا أسبابها.

 يجعلنا تقليص دور الدولة الرعائي وتقليص دورها كناظم للحياة والمعيشة الاجتماعية، وحصر وظائفها في القضاء والتنفيذ والإدارة والمراقبة والجباية، إزاء ما يسمى دولة الحد الأدنى ويتم ذلك في ظل ضعف شبكات الأمن الاجتماعي (التي تستوعب العاطلين عن العمل والفقراء والعاجزين والمتشردين) والتي تختص تاريخياً في لبنان بالطوائف وتعطى بشكل حسنات وهبات، كفعل خير، لا كواجب تضامني تكافلي رسمي محق علماً أن هذه الشبكات الرعائية تتفاوت بين طائفة وأخرى، ولا تغطي كل احتياجات المجتمع، عدا عن اعتبار دور الطوائف الرعائي أحد عوامل الانقسام الاجتماعي والوطني لكون مؤسسات الطوائف تقوم حالياً مقام الدولة، الحاضنة والجامعة. وفي المحصلة، تلف هذه المشاريع حالة من الصمت، الرسمي والشعبي، حتى الأحزاب اليسارية تغضّ الطرف عن هذه المشكلات التي تبرر وجودها في الأصل، في ظل نظرية عامة مهيمنة تعطي الأمن والموضوعات الاستراتيجية الأولوية المطلقة، وتنظر إلى حياة الناس المعيشية واليومية نظرةً احتقارية ثانوية.

إذا توصلت الدولة إلى أن تكون دولة أمنٍ وقضاء ومراقبة و جباية كما تعدّ العدة، فهل تضمن أن التدابير المتخذة لن تؤدي إلى انهيارات اجتماعية والى تهميش المهمَّشين أصلاً، مادامت لم تعلن عن آليات لامتصاص نتائج الإصلاحات المرتقبة وتدارك نتائج انسحاباتها؟!