العدد العاشر - نيسان 2006

نزيف الوحدة السورية

عصام عزوز
الاثنين 22 أيار (مايو) 2006.
 

يقول الفكر زكي الارسوزي، رداً على سؤال وجهه له صحافيان موفدان من قنصل دولة عظمى عام 1940 وذلك لمعرفة رأيه في الشروط التي تسمح للعرب بأن يتعاونوا مع الحلفاء ضد دول المحور: (إقامة دولة مستقلة من العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين أي إقامة الهلال الخصيب) ........

وعندما بلغ الأمر للفرنسيين اعتقلوه وأجبر على المشي طيلة خمسة أيام إلى تل كلخ من اللاذقية وأن الملك الفيصل الأول ملك العراق عرض المشروع ( وحدة الهلال الخصيب ) على كمال أتاتورك فأجابه أن أية محاولة من هذا القبيل تحمل تركيا على إشهار الحرب ضد العراق وأنه مات مسموماً في أحد فنادق سويسرا بعد أن عرض المشروع على جمهورية فرنسا ...

 ويضيف المذكور أما اليوم ( 1963 ) فقد تغيرت الظروف فأصبحت سوريا والعراق دولتين مستقلتين وأصبحت هاتان الدولتان تتبنيان نفس الشعارات الوحدة والحرية.

لم تكن فكرة الوحدة السورية أو وحدة الهلال الخصيب أو وحدة سوريا الكبرى أو بلاد الشام متضاربة مع فكرة الوحدة العربية أو مزعجة للمنادين بها وكان الأمر بينهما لايتعدى السجالات الفكرية في تعريف الأمة ونظرياتها ووسائل توحيدها ودور اللغة والدين والمصير والارادة .. ولم تكن مقررات المؤتمر السوري في دمشق 7 آذار 1920 قرارات سورية قومية، وقد اعتبرها العروبيون مرحلة على طريق تحقيق آمالهم وأمانيهم (( العروبية )) وكان إجهاض جنين الوحدة السورية التي أقرها ذلك المؤتمر، وفيصل المتوج ملكا لهذه ((المملكة)) ضربة قاصمة ومهينة خلفت جرحاً عميقاً في ضمير ووجدان وكرامة الوطنيين بكافة اتجاهاتهم وولاءاتهم ،بعد أن عاش السوريون أيامهم القصيرة تحت راية هذه المملكة متحررين من وطأة قرون طويلة من الذل والعبودية قبل أن يأتي المبضع الغربي ليجهض تلك الأحلام التليدة.

 لقد مثل شعار الوحدة هدفا اندفع إليه الجميع بأي ثمن سواء الهاتفون بالعروبة بكل أقسامهم أو المنادون بالسورية، ومعظم هؤلاء اخذوا على عاتقهم وحدهم تحقيق هذا الحلم وابعدو وأقصوا غيرهم واعتبروا الوصول إلى الحكم خطوة لابد منها على هذا الطريق وبدأت الصراعات والمؤامرات والاتهامات والتخوين والتجريم وبالتالي التصفيات بين الأحزاب مع بعضها أوضمن الحزب الواحد، والغريب في هذه الظاهرة أنه كلما اقترب الحزب من السلطة تناسلت الإنشقاقات وتعمقت الشروخ الداخلية وعند الوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه تكون الضحايا أكثر ما تكون من أعضاء الحزب أنفسهم ومن مؤسيسه وأركانه وأعمدته.

والملاحظ في الأمر أيضاً أن حلم مفكر عروبي مثل الأرسوزي بوحدة الهلال الخصيب بدا تحقيقه مسألة إجرائية ، حيث يحكم البلدان ( سوريا والعراق ) حزب واحد بقيادة واحدة في تلك الفترة من الزمن إلا أن ذلك لم يسهم في جعل امكانية تحقيق الوحدة أمراً ممكناً نظرا للعديد من الظروف السياسية المتشعبة.

لقد ضاعت الفرص الوحدوية في زحمة التناحرات المتناقضة التي بددت كل الفرص الممكنة لإحداث نقلة نوعية على صعيد هذا الحلم، فمنذ بداية الستينيات ((الجيش الموحد والقيادة القومية الموحدة ))، وبداية السبعينيات ((حرب تشرين )) ونهاية السبعينيات (( ميثاق العمل القومي 1979- 1980 )) وبداية التسعينيات حرب الكويت وعلى المقلب الآخر في لبنان الجناح الغربي لسوريا، أهدرت ثلاثون عاماً كان من الممكن استثمارها على نحو مختلف عما جرت عليه الامور وذلك لاحداث تغييرات حقيقية على أرض الواقع المجزأ ودفعه باتجاه التقارب على أقل تقدير.

لقد نزفت الوحدة السورية كل الفرص التي أتيحت لأمتنا بدءا من سايكس بيكو وبلفور مرورا بفجر الثامن من تموز ومقتل المالكي إلى أوسلو واحتلال العراق وتسويق شعار السيادة والاستقلال ليس على أيدي الاستعمار الغربي فحسب بل على أيدي الوحدويين أو رافعي شعار الوحدة .

 حلب آذار 2006

(1) زكي الأرسوزي المؤلفات الكامله - المجلد السادس ص 177