العدد العاشر - نيسان 2006

ما أشبه الأمس باليوم... لبنان والمفارقة الحلوة المرّة...

زهير فياض
الاثنين 22 أيار (مايو) 2006.
 

مفردات كثيرة تزدحم بها صفحات الجرائد، وشاشات التلفزة، ويصدح بها أثير الإذاعات، وتتردد على ألسنة المتعاطين في الشأن العام وكذلك الخاص في هذه الأيام الدقيقة، وهي في مجملها تردد عبارات من نوع ... إن المرحلة التي نعيشها هي مرحلة تاريخية صعبة ، و... الظروف المصيرية التي تمر بها البلاد تتطلب...، و... نحن أمام منعطف خطير، و... المرحلة تستوجب... وهي لا تتوانى عن إطلاق الدعوات لـالحوار و التلاقي والتآخي والمحبة ونبذ الأحقاد، وأيضاً تلح على اتخاذ إجراءات من نوع رصّ الصفوف و... تضافر الجهود... ... وتفويت الفرصة على... من فصيلة ... المتربصين شراً بهذا الوطن، أو... أعداء الوطن والأمة.... هذه هي استراتيجيتنا على مدى عقود إذا لم نقل قرون ماضية تحذيرات ... صرخات... دعوات  للمِّ الشمل، كلها تبدو غير ذي منفعة.

فنغرق جميعاً في... من نوع ... فتن وصراعات وحروب أهلية وتهجير ودمار وخراب، ووقوع السقف على رؤوس الجميع على اعتبار أن كل التحذيرات والصرخات والدعوات والمناشدات والقمم الروحية لم تنفع في تجنيب البلاد من شرور الفتنة والمخططات الرامية إلى ضرب السلم الأهلي.

وكذلك على اعتبار أن كل الخطابات والرسائل المتبادلة والكتب المفتوحة التي يوجهها بعضنا للبعض الآخر لم تنجح فيما يعرف تاريخياً في بلادنا بـوأد الفتنة أو وقف النزف الحاصل، أو من صنف تغليب لغة العقل و التبرير بالطبع يكون جاهزاً وهو يعود إلى أن الحق دائماً عالطليان إضافة طبعاً إلى مقولة أن حجم القوى التي نواجه ...  كبير وكبير جداً لدرجة نقف أمامه عاجزين عن الفعل أو حتى ردّ الفعل أو بالحد الأدنى الانفعال بشكل يقلل مخاطر الفعل نفسه.

وتنطلق آلة العنف لتأكل الأخضر واليابس، فتدمر الحجر والبشر والأرض والسماء وما بينهما وما عليهما وما تحتهما وما فوقهما من كائنات حية من زواحف أو طيور أو حتى بهائم ذات قوائم أربع أو من ذوات القائمتين، فتتحول البيوت والقرى والمدائن والدساكر وحتى المزارع إلى خرائب، وتنعق الغربان في الزمان والمكان، إلى أن تحط دورة العنف رحالها بعد حين على أثر مبادرة أو وساطة أو مسعى خير يقوم به الأشقاء في دنيا العرب أو الأصدقاء من جمعية إنسانيون بلا حدود.

فتبدأ حفلات أكل الأصابع ندماً على ما اقترفته أيدينا من جرائم بحق بعضنا البعض، وتبدأ القداديس  في الكنائس والخطب في الجوامع تشكر الله لإلهامه لنا العودة الميمونة إلى لغة الحوار والعقل والمنطق والاعتراف بالآخر والرجوع المظفّر إلى جادة الصواب.

وتبدأ في طول البلاد وعرضها، وعلى مدى الـ 10425 كلم مربع حفلات تبويس اللحى وتتردد في الصالونات اللبنانية التراثية مفردات من نوع تنذكر ما تنعاد ، الله يلعن الشيطان، نحنا أهل، هذه كلها حروب الآخرين على أرضنا، وبعد أن نقوم طبعاً بتكريم شهدائنا الذين سقطوا في الحرب لا ننسى التأكيد أنهم جميعاً شهداء الوطن سقطوا لكي يحيا الوطن، ولأجل أن نحيا نحن على أرض الوطن، بعد ذلك يأتي رموز الفن اللبناني الأصيل من نوع  فيروز أو الرحابنة أو ماجدة الرومي أو جوليا بطرس إلى باحة ما كانت  في يوم من الأيام تمثل خط تماس يفصل بين المتقاتلين الأحبة، نزيل منها أكياس الرمل، ومن تلك الساحة نبدأ بإحياء عرس الوحدة الوطنية ومنها تنطلق مسيرة السلام على أرض لبنان، وندبك ونسكر ونشرب نخب الحب والدفء والأمان بعد الحرب  القذرة الوسخة البالية التي لا ننسى دائماً التأكيد لبعضنا البعض أنها أصبحت وراءنا.

يا رب نجنا من الآتي، وألهمنا الآن الآن وليس غداً الطريق المستقيم، طريق الحق والخير والجمال والمحبة والرفق ببعضنا البعض كي تفيدنا الذكرى.