"ملف الديموقراطية مفاهيم..وأفكار" : الديموقراطية الأميركية ملامح وتناقضات

العدد 1 - تموز 2005 : سهيل رستم
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
مسبقاً، لا أن نقرأ أنه لا يوجد مفهوم واحد للديمقراطية في العالم، ونتعرّف إلى هذا، بالقاء نظرة عامة على الدول التي تزعم أنها ديمقراطية أو تتبنى نظاماً ديمقراطياً، إذ نرى تبايناً في المفهوم، وتبايناً في التطبيق بين دولة وأخرى. وبما أن موضوعنا ليس الديمقراطيات في العالم، والذي يحتاج إلى الدراسة الديمقراطية في كل دولة تزعم تطبيقها. فإننا بالإشارة إلى التباين والاختلاف، بمحاولة تسديد موضوع الديمقراطية الأميركية لقول الولايات المتحدة الأميركية ـ ظاهرياً ـ إلى محاولة تصدير ديمقراطيتها إلى العالم، مدّعية أنها الديمقراطية الأمثل.

إن التباين في مفهوم الديمقراطية شأن طبيعي مادام العالم واقع مجتمعات لكل منها تراثه الثقافي، ومفاهيمه، وقيمه، ونظرته إلى الوجود، ومساره التطوري مع ملاحظة أن تمايز المجتمعات لا يعني تناقضها الكلي،، إنما هناك نقاط التقاء تقل أو تكثر بقدر ما تتقارب وتتفاعل على الثقافات التي تراكمت في كل مجتمع عبر مساره التاريخي. قد تستخدم مصطلحات، وتسميات، وقيم، واحدة في كل المجتمعات الإنسانية ولكن مفهومها يتلاقى أو يتباين حسب ثقافة كل مجتمع، الموروثة، والمتنامية عبر تطوره. إذ أن المجتمع وما وما يعتنق من مفاهيم يخضع إلى تفاعل المجتمع مع بيئته ومدى تفاعل أبناء المجتمع مع بعضهم، ومدى تفاعل المجتمع مع المجتمعات الأخرى، وإلى المؤهلات العقلية للمجتمع، وإلى ما تقدمه البيئة من إمكانيات (1) وهذا ما يؤدي إلى تمايز بين المجتمعات التي ينشأ كل منها ويتطور عبر مسار خاص به يحدد مدى وأسلوب نموه، وتعامله مع المفاهيم السائدة، إذ ان كل مجتمع ينتجّ خلال نموه وتطوره أفكاراً وثقافات ويتبنى مفاهيم وقيماً خاصة به، وتعبر عن روحيته، يلتقي بعضها، أو يتعارض مع ثقافات وأفكار، وقيم مجتمع آخر. وعندما تنتقل الأفكار من مجتمع إلى مجتمع آخر بفعل التواصل، فإما أن يقبل المجتمع الأفكار المنتقلة إليه لأنها تتلاءم مع بنيته الثقافية، ومزاجه النفسي، أو أن يعدّل فيها لتلائمه؟ أو أن يرفضها بشكل كلي، أو أن يتأثر بها جزئياً (2) ويترتب على هذا، أنه لا يمكن لمجتمع أن يفرض ثقافته وأفكاره وقيمه على مجتمع آخر فرضاً بالقوة. وبالقاء نظرة سريعة على الأفكار الوضعية، وحتى على الرسالات السماوية التي لا قت انتشاراً على مساحة الكرة الأرضية، نجد كيف تباين فهمها وتطبيقها بتباين ثقافة المجتمعات التي انتشرت فيها، وبعض المجتمعات أجرى تعديلاً أو تحويراً يتلاءم مع ثقافته. هذه الملاحظات ربما غابت عن عقل قادة الولايات المتحدة، أو أنهم تعمدوا القفز فوقها، وحاولوا ويحاولون فرض مفاهيمهم بالقوة على المجتمعات الأخرى، ومنها مفاهيم الديمقراطية، ومكافحة الإرهاب، اللذين لم يتفق على تعريفهما حتى الآن. فإذا كانت الديمقراطية نظام حكم، وأسلوب حياة، فإن هذا النظام، وهذا الأسلوب يتباينان من مجتمع لآخر، وفق معايير أتينا عليها، ونذكر منها: ـ ثقافة المجتمع ومدى تطوره. ـ قدرة المجتمع على الإبداع والابتكار. ـ بيئة المجتمع وما تقدمه من إمكانيات. وإذا اعتبرنا أن ملامح الديمقراطية السائدة، والمتعارف عليها في العالم، (رغم أنني مع مفهوم آخر للديمقراطية ليس هنا مكان عرضه). هي حرية التعبير وحق إبداء الرأي، وحق الانتخابات، والمساواة في الحقوق والواجبات، فإن ما سنبنيه من الديمقراطية التي تحاول أميركا أن تصدرها إلى العالم، أو تفرضها بالقوة على المجتمعات الإنسانية، يوضح التعارض مع هذه المفاهيم، سواء في ما يطبق داخل أميركا، أو في ما تنتهجه أميركا مع المجتمعات الإنسانية. الديمقراطية داخل الولايات المتحدة الأميركية لن أدخل في مناقشة بقدر ما أدخل في استعراض للأفكار والمفاهيم والممارسات التي سادت عند الإدارة الأميركية المسيطرة، والتي تتناقض مع أبسط مفاهيم الديمقراطية. يقول الكاتبان الن نيفنيز، وهنري ستيل كوماجر في كتابهما ـ تاريخ الولايات المتحدة فان مدلول الانفصال عن بريطانية حقق كسباً فورياً لسياسة الديمقراطية. فالحكام أصبحوا يعينون من قبل الشعب لا الملك، كما أصبح ممثلو الشعب ينتخبون انتخاباً نظامياً (3) ويتابعان فإنه كان لا يحق للمواطن أن ينتخب إذا لم يكن صاحب أرض، أما بعد الثورة فقد أصبح لكل دافع ضرائب من المواطنين الحق في الانتخاب. (4) وهذا يوضح أنه عندما انتقل المهاجرون الأوائل من بيئتهم إلى بيئة جديدة واحتكوا مع مهاجرين آخرين من بيئات أخرى تولدت عندهم حاجة لبناء علاقات جديدة فيما بينهم تطورت مع الزمن، وخضعت لمعطيات البيئة الجديدة، وللتفاعل فيما بينهم، وأقروا ديمقراطية تتناسب مع التركيب الاجتماعي السائد، إذ اعتمدوا على جزء من الشعب بإعطائه حق الانتخاب فكان الحق أولاً لمالكي الأراضي، ثم تطور إلى حق دافع الضرائب، ولم يشمل كذلك السود والهنود لذلك فإن تلك الديمقراطية لم تمنع البيض من شن حرب وحشية ضد قبائل الهنود ليستولوا على أراضيهم، ولم يكتفوا بالأرض بل ذبحوا الأطفال وقطعوهم أرباً(5) وكتب عن هذا الموضوع كاتب أبيض فقال: ربما كان المنظر بشعاً مروعاً، فالأطفال المثخنون بالجراح يئنون ويصرخون، ويتلوون من الألم، ثم يموتون.. والنساء المبقورات البطون ينكفئن على وجوههن غائبات عن الصواب.. والرجال يهيمون على وجوههم كالمجانين الذين فقدوا حواسهم ومداركهم لكثرة ما شاهدوه من هول(6). كما أن نظام الرق استمر بلا مقاومة أو منازعة حتى سنة 1844،(7) ولا يزال مستمراً بالممارسة حتى الآن. وتؤكد ذلك الكاتبة اليزا ماريا نستراس في كتابها الرئيسي عن الأساطير الأميركية التأسيسية، إذ تقول: إن التمييز لا زال قائماً في أميركا، إذ أن موقف البيض من الهنود يختصر بأن الهنود هم سيئون بالطبيعة، وهم أولياء الشيطان، وإنّ المطلوب الغاءهم ببساطة، كما أنهم يعيشون على أرض يحتاج البعض إليها، لذلك ما عليهم سوى الرحيل والزوال(8). وتتابع: إن الهندي مستعمل في الكتب ومرفوض في الوقائع(9). واستمر التمييز قائماً، إذ لم يحصل الهنود على الجنسية الأميركية حتى سنة 1924(10)، رغم أنهم هم السكان الأصليون، ولم يسمح لهم بممارسة حياتهم الخاصة حتى سنة 1976،(11) إذ سمح لهم الكونغرس بهذا الحق.. وفي كتابه الولايات المتحدة طليعة الانحطاط يقول غارودي: إن تاريخ الولايات في القرن التاسع عشر هو تاريخ إبادة الهنود، فالطهريون الإنكليز الأوائل الذين هبطوا أميركا حملوا معهم العقيدة الأشد دموية في تاريخ الإنسانية، إنها عقيدة الشعب المختار التي تبرر وتشرع الإبادة وسرقة الأراضي، حسب النموذج التوراتي، حيث ـ رب الجنود ـ يعطي شعبه مهمة إبادة الأوائل من الكنعانيين، والاستيلاء على أراضيهم(12). إذن، بدأت الديمقراطية لدى حكام الولايات المتحدة بالتمييز بين أبناء الشعب، ولا زالت حتى الآن تمارس هذا التمييز، رغم صدور قوانين مغايرة لذلك، إلا أن البنية الفكرية والأخلاقية للقادة السياسيين، ومحركي الاقتصاد، ما زالت قائمة على التمييز بين البيض من جهة، والسود والهنود من جهة أخرى، وبين الأغنياء من صناعيين وتجار وملاك أراضي من جهة، وبين بقية الشعب من جهة أخرى. هذه هي الديموقراطية التي تريد أميركا أن تصدرها للعالم في ظل ما يسمى النظام العالمي الجديد، رغم ما تزينه في إعلامها عن الديموقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان. وباستعراضنا لبعض الأمثلة عن ممارسة حكام أميركا للديموقراطية داخل الولايات المتحدة نلاحظ مدى خروجهم على أبسط مفاهيم الديموقراطية. أمثلة عن الممارسات في الولايات المتحدة: ـ في الترشيح للرئاسة، أو لعضوية الكونغرس، لا يمكن لمرشح أن يصل إلا إذا كان صاحب ثروة، أو تتبناه مؤسسات مالية، وبالتالي لا يصل إلى قيادة الدولة إلا ذوي النفوذ المالي، وأصحاب الشركات الكبرى، ونادراً ما يصل إلى المواقع المتقدمة أشخاص آخرون، رغم وجود مواهب، وإمكانيات فكرية وإدارية. ويؤكد هذا هنري كيسنجر في مذكراته، إذ يقول: إن الوصول إلى السلطة أداته المال(13). ويضيف: إن التلاعب في الانتخابات عنصر الاستراتيجية الأميركية الحديثة(14). ويرى روجيه غارودي أن الديموقراطية في أميركا، كما غيرها كذبة من الأكاذيب وحالة تسلط على الشعب فيقول: الديموقراطية في أميركا هي ديموقراطية للسادة وليس للآخرين، وهي للبيض وليس للسود(15) وبعد مناقشته لما يطبق داخل أميركا وما تبثه من إعلام يخرج بنتيجة تقول: إن ما يطرح من قبل الإدارة ليس سوى دعاية كاذبة، فليس هناك أية مسلّمة من مسلّمات الحداثة ليست كاذبة، وأولها مسلّمات الديموقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان، والحرية. فالديموقراطية كانت ولا تزال نمطاً لأقلية ملاك العبيد، ولسادة الثروة(16). وجميعنا يذكر انتخابات الرئاسة التي أوصلت جورج بوش الابن، وما رافقها من ملابسات، وإعادة فرز الأصوات، وتأجيل النتيجة، وتدخل المحكمة العليا. فكانت فضيحة واحدة من فضائح الديموقراطية المزيفة في أميركا. ـ عام 1910، أسس بعض المصلحين والمفكرين جمعية باسم (الجمعية القومية لترقية الملونين) إلا أنها لم تستطع أن تفعل كثيراً، إذ قتل منذ تأسيسها وحتى سنة 1916 (500) أسود، منهم (62) من أبوين أسود وأبيض، وما بين 1936 ـ 1966. عرف أكثر من (2800) أسود موتاً شنيعاً(17). ـ التمييز في المدارس: عام 1957 تدخل الرئيس ايزنهاور لادخال ستة طلاب سود في مدرسة مخصصة للبيض(18). في عام 1965، وبعد اغتيال قسيس أسود في ألاباما، وافق المجلس التشريعي في ولاية ماساشوستس على قانون ينص ألا يتجاوز عدد الطلاب السود في المدارس 5%. فكان هذا القرار شرارة لمعركة طويلة بين أنصار الاختلاط في المدارس وخصومه(19). وفي 12 أيلول 1974 جرح (13) شخصاً منهم (8) سود من جراء قذف السيارات التي تقل الطلاب من حي لآخر، لتحقيق الاختلاط في المدارس، وارتفع عدد الجرحى من جراء تكرار العملية إلى (100) جريح(20). ـ التمييز العام: عام 1965 حصلت فتنة في بوسطن قتل فيها (34) شخصاً، وأحرقت ونهبت المباني، وبعدها، في أوائل السبعينات، وعندما حاول ادوار كنيدي عضو مجلس الشيوخ مجابهة جمعية من أعداء الاندماج العنصري في بوسطن، استقبلوه بقذفه بالبندورة والبيض الفاسد، وكتبوا على الجدران شعار ـ افتكوا بالزنوج. وفي عام 1974 هاجم جمهور من البيض سيارة زنجي وانهالوا عليه ضرباً، وفي عام 1965 أيضاً، أدى توقيف فتى أبيض يسوق سيارته بحالة سكر إلى غرق لوس انجلس بالدم والنار، وقتل (34) شخصاً، وحصل ما يشبه ذلك في حي هارلم في نيويورك وفي ديترويت(21). وفي عام 1985 قصف حي الزنوج في فيلادلفيا وقتل (11) شخصاً(22). هذه بعض الأمثلة وهناك الكثير من أمثلة التمييز وعلى جميع الصعد، وفي جميع الاتجاهات، لا يتسع هنا المجال للتعرض لها.

الديمقراطية الأميركية خارج الولايات المتحدة: إن عقلية الساسة الأميركان المؤمنة بنظرية (الشعب المختار)، وبحقها على الآخر تسعى منذ وصول الإنسان الأوروبي إلى الأرض الجديدة، إلى الهيمنة والسيطرة على الآخر، بأساليب مختلفة ومتعددة، ودون اعتبار للنواحي الإنسانية، وبدأت هذه النزعة في الداخل، واستمرت حتى إكمال هذه السيطرة، ثم تطورت إلى البحث عن السيطرة إلى ما وراء حدودها، وحيث واتت الظروف، ومن خلال استراتيجية مرسومة فعملت على إزاحة الاستعمار الأوروبي القديم، لتحل محله بشكل غير مباشر، تمثل في بعض المناطق بتغيير النظم، سواء بالانقلابات، أو بتمرد شعبي، أو عن طريق اغتيال القيادات السياسية أو العسكرية، وفي مناطق أخرى اتبعت أسلوب الحروب المباشرة إضافة إلى السيطرة ما أمكن، على منظمة الأمم المتحدة، والمنظمات الكونية الأخرى، وقد ابتكرت لتحقيق استراتيجية السيطرة نظريات تبرر تدخلها في شؤون الآخرين، مثل، حافة الهاوية، التطويق والأحلاف، لعبة الكراسي المتحركة، الانقسام المكثف، الرد المرن، الرد الواقعي، المجابهة السياسية، حرب النجوم، وغيرها، إضافة إلى اتباع سياسة خلق الأعداء(23). إذ أن سعي أميركا لتشكيل امبراطورية هو تعبير عن علاقتها مع العالم الذي يجب أن يكون تحت سيطرتها، وأن يتحول إلى فضاء داخلي بالنسبة للسلطة، الدولة(24). إن حلم القادة الأميركيين في السيطرة على العالم يتجلى الآن في الدعوة إلى النظام العالمي الجديد، والدعوة إلى مكافحة الإرهاب، وما نتج عنها من حق التدخل في شؤون الدول الأخرى، وليس هذا إلا مظهراً من مظاهر الاستعمار. فالجشع الأميركي للسيطرة على العالم يشكل هاجساً عند بعض قادتها، وربما أغلبهم فهاهو الكسندر هيج يطلق عام 1981 ـ وكان وزيراً للخارجية ـ صيحة، تصف كل من يتعارض مع أميركا بالإرهابي(25). وفي مقالة نشرتها مجلة افريقيا ـ آسيا، عام 1983 تصف فيها المطامع الأميركية، تقول: إن الإدارة الأميركية تسعى إلى فرض عالم على الطريقة الأميركية(26). وأمام مطامعها لم تجد حرجاً في خرق القوانين الدولية، أو في تنصيب نفسها وصية على العالم، إذ أباحت لنفسها التدخل في شؤون الدول الأخرى سواء بالقضاء على حكومات، أو بتغيير أنظمة، أو بمحاربة منظمات اعتبرتها هي إرهابية، واختارت الأساليب التي رأتها مناسبة، دون اعتبار لحرية المجتمعات، أو حقوق الإنسان، أو القوانين والأنظمة الدولية، إذ صممت تطبيق نظريتها ـ أميركا والآخر ـ وليس في منظورها حقوق للآخر إلا ما تقرره هي. إن تناقض إجراءات الإدارة والسياسة في أميركا مع القوانين والمعاهدات الدولية يرافقه نزعة إحلال القانون الأميركي محل تلك القوانين والمعاهدات، وهذا ما نجده في القرار الذي أصدره ريغن بتاريخ 1984 بشأن الأمن القومي، والذي أطلق يد البنتاغون في العمل، وكما أفادت الصحف الأميركية فأن البنتاغون أعدّ قائمة بالأهداف خارج أميركا، للقيام بأعمال مباغتة ضدها وإبادتها، أو تسديد ضربات انتقامية لها. وكذلك في حديث لمدير وكالة المخابرات المركزية في نيسان 1984، أورد قائمة بأسماء المنظمات التي اعتبرها إرهابية، ومعارضة للسياسة الأميركية، بلغت حوالي (50) منظمة. واختارها لتكون أهدافاً للضربات الوقائية، كذلك وضع البيت الأبيض قائمة بالدول التي اعتبرها إرهابية، إضافة إلى إعلان الإدارة الأميركية صراحة، أن من حقها اسقاط الحكومات التي لا تروق لها.(27) ان الاستراتيجية الأميركية للسيطرة على العالم لم تبدأ بعد الحادي عشر من أيلول الذي ابتكرته الإدارة الأميركية، إنما تعود إلى ما قبل ذلك بكثير، وبوضوح أكثر إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، إذ بدأت تهتم ببناء عالم على طريقتها ووفق رؤيتها، وحددت المعالم بدوائر هي أميركا الجنوبية، أوروبا، آسيا، واستطاع الرئيس ولسن أن يفرض على الأوروبيين خطته ورؤيته للديمقراطية الجديدة أو ديموقراطية الدولة تحت قيادة أميركا، ونتج عن هذه الرؤية تأسيس عصبة الأمم المتحدة على النموذج الأميركي(28)، وكانت كما سماها انطون سعاده عصبة الدول المنتصرة في الحرب، والتي آلت فيما بعد إلى منظمة الأمم المتحدة والتي نص نظامها على التمييز بين دول عظمى لها حق الفيتو، والدول الأخرى التي لها حق التصويت فقط. هذه العقلية عند الساسة الأميركيين شكلت عندهم قناعة بأنه من حق أميركا أن تعمل على فرض سيطرتها حيث ترى ذلك ضرورياً، وممكناً، منتهكة بإجراءاتها سيادة الدول، وبأساليب متعددة، وهذا ما حصل عام 1982 في الأراضي التي كانت تحت السيطرة البريطانية في جامايكا، وكذلك ما حصل عام 1982 في غرانادا، وتحت شعار إقامة الديموقراطية وحماية المصالح الأميركية(29) وما حصل في مناطق أخرى قبل ذلك، وبعد ذلك، وما يحصل الآن في أفغانستان، والعراق، وما يعد لدول سورية الطبيعية، وإيران وكوريا. هذه العقلية الراسخة عند معظم القادة الأميركيين، هي نتاج بنية ثقافية يربطها بعضهم باختيار الله لهم لقيادة العالم، وتعود إلى ثقافة مؤسسي أميركا الأوائل، إذ جاء في دعوة للرئيس ترومن قال فيها: إن رسالة أميركا هي أن على العالم أن يتطور حسب معاييرنا، لأنها معايير مباركة من القدرة الإلهية، وستساعد عملياً على القتال من أجل السلام، ولكنه سيكون السلام الأميركي(30). ويذهب ريتشارد نيكسون إلى أبعد من ذلك، إذ يقول: إن الله مع أميركا، إن الله يريد أن تقود أميركا العالم(31). هذه العقلية المتشدقة بالدعوة للحرية، وسيادة الشعوب، والديموقراطية، وحقوق الإنسان، هي التي أباحت غزو فيتنام، والتدخل في كوريا، وكوبا، وبنما، وأفغانستان، والعراق، ودول أميركا الجنوبية، وهي التي انشأت حلف الأطلسي، وركزت قواعدها العسكرية في العديد من دول العالم. هذه هي الديموقراطية التي تتعامل فيها أميركا مع العالم، وبهذه الديموقراطية توجه منظمة الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية الأخرى.

الهوامش 1 ـ نشوء الأمم، انطون سعاده 2 ـ الآثار الكاملة، ج9 ص172، انطون سعاده 3 ـ تاريخ الولايات المتحدة ـ ص101 ـ الن نيفينـز ـ هنري ستيل كوماجر ـ ترجمة أصيل خليل بيدس المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر ـ بيروت. 4 ـ تاريخ الولايات المتحدة ـ ص101 ـ الن نيفينـز ـ هنري ستيل كوماجر ـ ترجمة أصيل خليل بيدس المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر ـ بيروت. 5 ـ تاريخ الولايات المتحدة ـ ص62 ـ الن نيفينـز ـ هنري ستيل كوماجر ـ ترجمة أصيل خليل بيدس المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر ـ بيروت. 6 ـ تاريخ الولايات المتحدة ـ ص69 ـ الن نيفينـز ـ هنري ستيل كوماجر ـ ترجمة أصيل خليل بيدس المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر ـ بيروت. 7 ـ تاريخ الولايات المتحدة ـ ص176 ـ الن نيفينـز ـ هنري ستيل كوماجر ـ ترجمة أصيل خليل بيدس المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر ـ بيروت. 8 ـ أميركا التوتاليتارية ص35 ـ ميشيل بوغنون ـ موردان ـ تعريب خليل أحمد خليل ـ دار الكافي بيروت ـ طبعة أولى 2002. 9 ـ أميركا التوناليتارية ص35 ـ ميشيل بوغنون ـ موردان ـ تعريب خليل أحمد خليل ـ دار الماضي بيروت ـ طبعة أولى 2002. 10 ـ أميركا المستبدة 29 ميشال موردانت، ترجمة د.حامد فرزان، منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 2001. 11 ـ أميركا المستبدة 29 ميشال موردانت، ترجمة د.حامد فرزان، منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 2001. 12 ـ الولايات المتحدة طليعة الانحطاط 58 ـ 69، روجيه غارودي، ترجمة حبيب بو دبوس ـ الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والاعلان ـ ليبيا ط1 1998. 13 ـ مذكرات هنري كيسنجر ص17، هنري كيسنجر، ترجمة خليل فريجان ـ دار طلاس 1993. 14 ـ مذكرات هنري كيسنجر ص19، هنري كيسنجر، ترجمة خليل فريجان ـ دار طلاس 1993. 15 ـ الولايات المتحدة طليعة الانحطاط 173. 16 ـ الولايات المتحدة طليعة الانحطاط 173. 17 ـ الجريمة على الطريقة الأميركية ـ ص311 فرانك براوننغ ـ جوه جيراسي ـ ترجمة فؤاد جديد، مكتب الخرمات الطباعية ـ دمشق 1987. 18 ـ الحلم والتاريخ 336، كلود جوليان، ترجمة نخلة كلاس، منشورات وزارة الثقافة ـ دمشق 1978. 19 ـ الحلم والتاريخ 337. 20 ـ الحلم والتاريخ 340، 341. 21 ـ الحلم والتاريخ 439، 443. 22 ـ الولايات المتحدة طليعة الانحطاط 70. 23 ـ الاستراتيجية الأميركية في القرن القادم 22، بسام العسلي، مركز الدراسات العسكرية، دمشق 1999. 24 ـ الاستراتيجية الأميركية في القرن القادم 101. 25 ـ الإرهاب العالمي 69، تركي ضاهر، دار الحسام، بيروت، ط1 1994. 26 ـ الإرهاب العالمي 70. 27 ـ الإرهاب العالمي 73، 74. 28 ـ أميركا المستبدة 74. 29 ـ أميركا المستبدة 78. 30 ـ أميركا المستبدة 98. 31 ـ أميركا المستبدة 194.