خارج خطأ الحكاية.. الجسد كنص لم أكتبه بعد؟!

العدد 2 - آب 2005 : أحمد تيناوي
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 
من الممكن أن أستخدم عبارة ميشيل فوكو (إنسان الرغبة) في كتابة نص عن الجسد، ولكنني لن أفعل ذلك، لاعتبارات أرى أنها تشكل في النهاية رؤيتي أنا.. تلك الرؤية البعيدة عن فلسفة ما بعد الحداثة وتثمينها لكل ما هو إيروتيكي في حياتنا!؟

الجسد ما قبل تفشي الصورة، والجسد ما بعد تفشي الصورة، تلك هي عبارتي المأثورة كشاعر اختط لنفسه سلوكاً رومانسياً ظن أنه يعتاش على المخيلة أكثر مما يعتاش على الجسد.. مجسداً، فاللغة التي فرضت على كل مراحل حياتي خطاباً جنسياً يتهجى المتخيل في حله وترحاله، قد بدت الآن عاجزة عن اللحاق بتلك الأجساد العالقة على قارعة طريق ما بعد الحداثة، فهنا عند هذا المنعطف تحديداً أرى أن الوعي الحداثوي قد تزامن مع اشتقاقات الرغبة، كما تحدد أيضاً بوعي الجسد لذاته كعنصر جمالي له فلسفته الخاصة، تلك الفلسفة التي أفصحت عن نفسها بعري كامل، أو على الأقل بعري لا يحتاج إلى مخيلة شاعر كي يعيد تركيبه في صورة شعرية كما كان يحدث في السابق.

إذن، أنا أمام خيار كتابة تفترض أنني خارج سياق سيكولوجي محدث.. يدعو إلى تأمل خامة الجسد التي لم تنتهك بعد (على الأقل فلسفياً)، أما علم الجمال الذي كان ينظر إلى تلك المادة الخام بوصفها تابو أخلاقي أكثر منها مادة لحوار افتقده العالم طويلاً، فقد بدا هو الآخر بالنسبة لمخيلتي الرومانسية ملاذاً أحتمي به من كل ما أصاب هذا الجسد من تحولات، كنت مجرد شاهد عيان عليها.. ولكن، كيف تحولنا؟ أقصد الجسد وأنا.. هو إلى حضوره، وأنا إلى غيابي؟ وكيف انفصلنا؟ أقصد الجسد ومخيلتي.. هو إلى خروجه إلى العلن، وهي إلى المسافة الآمنة من رغبتي في كتابة نص لم أكتبه بعد؟

ماذا يفترض بي أن أكتب عن جسد بدا مستحيلاً لي.. كشاعر يعيش هنا، الآن؟ وماذا علي أن أكتب عن جسد تم تفصيله هناك على شاكلة الصورة العادلة لوجوده؟ في حين تخلى عن عدله عندما اصطدم بهذا المستنقع البشري.. المبتسم داخل الصورة، والمتجهم خارجها؟.. التفكير بالجسد، الحب بالجسد.. أخطاء تؤكد رغبتنا به، وتنفي حدوثه.. تمتحن قدرتنا على تخطيه، وتهزأ من قدرتنا على الفكاك منه.. تجعلنا نطيعه إلى الدرجة التي نتلذذ معها بإحراق رغباتنا فيه..

.. وكما افترضت في ادعائي رومانسية امتهنت الجسد كمادة لفعل الحب، افترض أيضاً أن الحب ذاته سيكون إطاراً نهائياً لفعل الجسد.. فالحب كما تنطق به عرافات الحكاية، فعل مستحيل، أي فعل بلا فاعل، فحكايات الحب جميعها كانت تنتهي بالموت.. كما كانت تتنبأ العرافات تماماً، أما الجسد الراقد إلى جوار الحكاية وأبطالها، فقد كان بطلاً في التحول إلى الفراغ!

.. الجسد الآن لم يعد فراغاً، حتى بعد موته، والحب لم يعد فعلاً، والعرافات افترشن الأرصفة وصرن يبعن عبوات حبوب الفياغرا.. أما رومانسيتي المنسية داخل قصيدة بلا قافية أو تفعلية، فقد تحولت إلى خطأ فلسفي احتجت لسنوات عمري كلها إلى تصحيحه؟!