العدد الحادي عشر - آيار 2006

من نحن

زيد قطريب
السبت 3 حزيران (يونيو) 2006.
 

ستة قرون مضت على وفاة رائد علم الاجتماع العربي ابن خلدون، الذي يبدو أن قراءته للدولة لا تزال راهنيةً على نحو مدهش، خصوصاً في استطلاع واقع دولنا الآيلة للتفكك.. وأكثر من نصف قرن على غياب أنطون سعاده صاحب نشوء الأمم، والسؤال الخطير: مَن نحن؟ الذي أجاب عنه بمواصفات الهوية بقي مفتوحاً دون إجابةٍ كاملة، على صعيد الفعل الحضاري والثقافي وصعيد البرامج السياسية والمدنية أو ما يرافقها من خطط ومشروعات تتبنّاها مؤسسات تهتم بشؤون المجتمع المختلفة.

من نحن؟ وأية أنظمة أو أية دول نريد؟!.

لو أجرينا استبياناً حول هذا السؤال، يشمل عيّنات مختلفة من الأفراد في المجتمع، لاكتشفنا حجم الكارثة التي تحدق بنا، إذ أننا ولا شك سوف نحصل على عدد كبير من الإجابات المتناقضة والمختلفة، قد تكون بعدد العينات المشاركة في هذا المسح، وهي نتيجة متطابقة مع ما توقّعه سعاده في بداية القرن الماضي حين افترض التوجه إلى الناس بمثل هكذا استبيان، وهي مسألة تعني في جملة ما تعنيه أننا منذ ذلك الوقت لم نتقدم قيد أنملةٍ واحدة، بل إنّ مجتمعاتنا العربية بشكل عام تراجعت كثيراً على صعيد وجودها ووعيها الاجتماعي، أو أنها مازالت تراوح في مكانها على أقل تقدير..!

New Page 2

بالأمس، عندما اجتمع اللبنانيون كي يتحاوروا ويتفقوا أيَّ لبنان يريدون، وأيضاً عندما حدثت الاشتباكات بين أنصار حماس وفتح في غزة على خلفية تصريحات مشعل حول حكومة الظل ومحاولات إفشال الحكومة الحالية.. وقبل ذلك بقليل ما حدث في الإسكندرية من هجوم على الكنائس من قبل من وُصفوا بالمختلّين عقلياً أو الإرهابيين، الأمر الذي أدى إلى مقتل وإصابة بعض المصلّين.. إضافةً إلى ما يصلنا يومياً من أخبار خطف وتفجيرات في العراق تطال المساجد والأسواق فيما يشبه تغذية لنار يراد لها أن تشتعل بأي ثمن كان ومهما تطلّب الأمر من قتل وتخريب، بهدف إعادة رسم المجتمعات العربية وإنتاجها من جديد بما يخدم المشروع الإمبراطوري الكبير الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية في العالم والذي يقوم على وجوب استغلال الفرصة التاريخية السانحة لتثبيت دعائم سيطرتها على هذا الكوكب حتى أمد طويل..

كل ذلك يظهر كجزء من مشكلة أعمّ وأشمل وهي ليست وليدة اللحظة الراهنة بل إنها تعود إلى قرون مضت حيث كانت تختفي وتظهر بحسب الظروف الدولية والإقليمية، وطبيعة القوى التي تحاول فرض سيطرتها على المنطقة التي نسمّيها العربية، ويصرّون هم على تسميتها الشرق الأوسط، فقد تأخّرت القوى الفكرية والسياسية العربية عن صياغة جواب موحّد على ذلك السؤال الخطير: من نحن؟! رغم أنه ما زال مطروحاً منذ عهود الاستقلال الأولى، وقيام الدول الوطنية، وأيضاً إنشاء الجامعة العربية.

هذا السؤال الذي عاد وأرّق صموئيل هنتنغتون المبشّر بصراع الحضارات، فكتب مؤلفه الأخير من نحن ليناقش من جديد أزمة الهوية التي تحدق بالفسيفساء الأميركية وتهدّدها مستقبلاً بالتشظّي في عدة ولاءات أو كيانات قد تؤدي إلى انهيار الحلم الإمبراطوري إذا لم يُسارع إلى وضع الحلول العلمية لها..

المشكلة الآن، أن المجتمعات العربية تواجه أعتى هجمة استعمارية تستفيد بشكل مدروس وجيد من هشاشة بنيان هذه المتحدات وتراهن على إمكانية تفككها وإعادة إنتاجها من جديد، ضمن سلسلة حروب داخلية وطائفية تعيد رسم الحدود الجغرافية بما يكفل السيطرة التامة على الثروات ومصادر الطاقة، وينهي إلى غير رجعة أي احتمال لنشوء قوى إقليمية يمكن أن تشكل خللاً في المعادلة التي يحاول هذا النظام العالمي الجديد تثبيتها.

أسئلة كثيرة تلحّ على جميع النخب العربية، لكنها ما زالت برسم التأجيل حتى الآن، لكن من المؤكد أن الأحداث المتلاحقة لا تنتظر أحداً..