العدد الحادي عشر - آيار 2006

التهديد بـ الشارع في تحقّير الأتباع

نزار سلوم
السبت 3 حزيران (يونيو) 2006.
 

لا يحاول بعض الزعماء السياسيين، في لبنان، تجنب الالتباس الذي يتسبب فيه استخدامهم المتواصل والمتشاوف لـالشارع كـمكان لحسم أو تصفية الحسابات السياسية، كلما ضاقت بهم مجالس السياسة وعصت عليهم لغة الحوار، وقُطعت عنهم الإمدادات الخارجية وسبل المساعدة وعوامل تفوق أحدهم على الآخر.

على أن هذا الإصرار في استخدام الشارع والتهديد به، يدل بالمقابل أن الالتباس الذي نقصده، يعرفه السياسيون وبدلاً من تجنبه فإنهم يقصدون حدوثه لـحاجتهم إليه.

في الدلالات الفيزيائية، الشارع ليس سوى مكاناً خاوياً من زعماء السياسة، بعيداً عن أروقتهم ومجالسهم، يمرّ الناس فيه، بحكم ضرورته الحتمية لممارستهم الحياة وفعلها. وفي الدلالة السياسية الشارع هو البديل عن مكان المبارزة المفقود منذ نهاية طبقة النبلاء وفرسانها، الذي كان يصار إلى اختياره لـتصفية وضعٍ يبدو فيه من الصعوبة استمراره، بوجود خيارين متعاكسين، فيما المطلوب واحد غير قابل للمشاركة.

New Page 2

وفي حين كان مكان المبارزة يشهد تصفية نخبوية عبر صراع مباشر للـقادة ـ النبلاء ـ الفرسان، فإن الشارع يشهد ذلك الاستعراض لقوة الأتباع ومناداتهم بما يقوله زعيمهم دون توقف، إلى أن يتم تحقيق مطالبهم أو يعود زعيمهم عن هذه المطالب فيعودون عنها، ويعودون إلى بيوتهم، ويعود الشارع خاوياً!

وإذا كانت الثورة الفرنسية 1789 قد دشّنت أوسع الاستخدامات المتاحة للـشارع كمكان لإنهاء وتصفية نظام سياسي مُغلق وأقلّي، مستبد وظالم، وفتحت الباب واسعاً لـتغييرات كبرى طاولت مسألة الحرية بشكل مميز، وعملت على الوصول إلى نظام أخلاقي إلى جانب نظام سياسي، يعتبر حرية الإنسان قيمة عليا، لا تعلوها أخرى، فإن هذه الثورة قد تم اقتباسها على نحو ما في الثورة الروسية البلشفية 1917، بتوسّلها الشارع كـمكان للتغيير، ولكن نحو ديكتاتورية البروليتاريا التي قامت على مبدأ الحزب الواحد ـ الديكتاتورية الحزبية وقوة الأجهزة الأمنية المرتبطة به.

وفي حين أن الثورتين: الفرنسية والروسية، على اختلاف مآلهما، قد توسلتا الشارع للـتغيير فإن بعض زعماء السياسة في لبنان، يحاولون أو حاولوا استخدام الشارع كـمكان لتأكيد القائم لديهم أو لـتثبيت نظام سياسي لا يمكن تغيير فاصلة واحدة في فلسفته، فيما تخاض حروب أهلية من أجل أشخاصه!!

هنا، ينكفئ الشارع عن المعنى السياسي له، ويلتبس معناه، بذلك الإدغام له مع المعنى العام الرائج عن الشارع بكونه مكاناً لـفعل الرزيلة، وبكون فاعل الرزيلة ليس سوى ابن شارع ويمكن وصفه بـالشوارعي الشارد في الخواء، غير المنتمي إلى أي نظام أخلاقي قيمي، المجرّد من مختلف المعاني، والذي يمكن تعريفه فقط والاستدلال عليه بصفاته الفيزيائية ـ العضلية، حيث يتم اختصار وجوده كله بكونه زلمي!!

ولكن، لا يوجد زلمي لنفسه، بسبب خلّو وجوده من أي معنى قيمي ذاتي، بل هو زلمت أحد ما، أي تابع لـزعيم صاحب مدرسة أو نظام سياسي اجتماعي له قواعده وأسسه وتقاليده. والزلمي تابع لهذا الزعيم على نحو أعمى، وخاضع للنظام الذي يفرضه عليه وفق مبدأ الزعيم يمون دائماً، والزلمي يلبي دائماً منتخياً: لعيونك بتمون.

في نسق هذا الالتباس المفضي إلى إعادة إنتاج الأتباع كـزلم للـ سياسي، يصار إلى تغيير وظيفة الشارع ومعناه، ليقترب من المعنى الذي يحوله إلى ساحة مواجهة، أو جبهة صراع، حيث لا أحد يمتلكه وحيداً، ولابدّ من اقتسامه على التوازي مع اقتسام الفعل السياسي في المجالس والقصور والقاعات والردهات، ووفق منطق هذه القسمة يتشكل الشارع على نحو افتراضي، من ميليشيات متنازعة، هي بالأصل استخدمت السلاح في المعارك الدموية، وجاهزة لاستخدامه دائماً، ولكن شروط المواجهة الراهنة لا تبيح لها سوى استخدام سلاح الشعارات ولكن إلى الحدّ الأقصى الذي يبيحه استثمار المعنى الدارج للـ شارع كـمكان لفعل الرزيلة فتتصاعد حدّة الكلام ويتهاوى المعنى وينحطّ ليصل إلى القاع، فلا تبدو إلاّ الشتيمة أداة كلامية مناسبة ولائقة بـكتلة فيزيائية ـ عضلية ليست سوى زلم أو أتباع يشعرون بحريتهم من مستوى الشتيمة التي يتقولون بها، ويتفنون بإطلاقها، في محاولة لتأكيد تبعية عمياء مطلقة لـزعيم سياسي ـ إقطاعي، جاهز للإذعان بدوره، لمنطق معادلة إقليمية ـ دولية تتجاوز إقطاعيته، وتطلب منه أن يسحب الميليسشيا الخاصة به من الشارع، فيهرول الأتباع إلى البيوت (=) الموازية لمعنى الخيم العسكرية أو البلوكوسات التي ليست سوى مكان للتدريب والمناورات، فيما يواصل الزعيم قيادته، ولكن وفق فصول سياسة المجالس والقاعات النخبوية التي تعيد الصراع إلى السياسة ولغتها، التي يرتفع فيها منسوب النفاق والتكاذب إلى الوقت الذي لا يمكن احتماله، فيعود الزعماء ليأمروا أتباعهم بالنزول إلى الشارع!

يحقَّر الزعيم السياسي أتباعه إذ يحولهم إلى زلم بلا معنى، ويأمرهم بالتشكل كـميليشيا في الشارع ثم يأمرهم بالانسحاب منه، وبحكم ولائهم الأعمى له لا يشعرون أبداً بالهزيمة ولا في مرة خاضوا فيها المعارك، وقتلوا مع أبنائهم، وهُجرّوا مع عائلاتهم.

لا هزيمة إطلاقً رغم كل هذا الدمار النووي اجتماعياً طالما الزعيم يجلس سعيداً في قصره وقادراً على تحقيّر أتباعه على مدار الساعة!.