العدد الحادي عشر - آيار 2006

النظام العالمي الجديد والصراع على الهوية

زهير فياض
السبت 3 حزيران (يونيو) 2006.
 

في اليوم السادس عشر من شهر يناير (كانون الثاني) من عام 1991، عند بداية حرب الخليج الأولى، أعلن الرئيس الأمريكي عن نظام عالمي جديد يتميز بسيادة القانون، قائلاً: حيث سيادة القانون، لا قانون الغاب، هي التي تحكم سلوك الأمم. وبعد انتهاء الحرب حاول جورج بوش أن يعرِّف صيغ المصطلحات الغامضة التي وردت في بياناته باستخدام أسلوب عاطفي كالذي استخدمه السيرونستون تشرتشل بعد الحر ب العالمية الثانية، وذلك برفع شعارات العدالة والإنصاف والحرية واحترام حقوق الإنسان كقاعدةٍ لنظامٍ عالميٍّ جديدٍ بين الشعوب، وهو نظام كان من شأنه حماية الضعيف من القويِّ.

لا شك أن عالمنا عالم متغير، كل شيء يتطور فيه من السياسة إلى الاقتصاد، إلى البيئة، إلى الاجتماع، وتحصل اكتشافات علمية ومعرفية هائلة تضعنا أمام حقائق جديدة يصعب تجاوزها وتحدث قفزات كبيرة في زمن قياسي تتمظهر في تحولات كبيرة، وتبدلات كثيرة في المفهوم والرؤية، وتتعزز أكثر فأكثر فرص التواصل والاتصال بين الشعوب والحضارات بفعل التقنيات والوسائل التي تجعل التفاعل الحضاري مسألة شبه يومية، وحقيقة تعيشها الإنسانية جمعاء.

ولكن، إلى جانب كل هذا، ما تزال مسألة العلاقة بين الشعوب والأمم والحضارات في عالم اليوم تشهد تأزماً وخللاً في جوانب كثيرة تهدد الأمن والسلام العالميين، وما تزال هذه المسألة تبحث عن صيغ وأطر وأشكال سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية تنظم الاختلافات القومية و تضبط ديناميات الأمم وتنظم حركة سير العالم باتجاه المستقبل.

ما من شك، أن سمة التبدل والتغير والتحول والتطور خارج مفهوم الداروينية الحديثة تفرض نفسها بقوة على الواقع العالمي، إلا أن هذا التبدل إذا ما تعمقنا في دراسة حركة انسيابه وشكل واتجاه هذا الانسياب لابد تظهر لنا جمل من حقائق تكمن في عمق هذه التبدلات والتحولات، حقائق تولد من رحم طبيعة هذا العالم ولا تأتي من خارج الزمان والمكان، وتفرض نوعاً من الاعتراف بأن العالم الذي تبارى الكثير من المنظرين إلى إطلاق التوصيفات المتنوعة حوله من العالم ـ القرية الواحدة إلى نظرية العالم بلا حدود، إلى عالم عابر للقوميات وغيرها من إرهاصات ما اتفق على تسميته ثقافة العولمة، هذا العالم هو من طبيعة شديدة التعقيد، متشابك إلى درجة كبيرة ولكنه يحتوي على تناقضات هائلة في النظرة القاعدية الأساسية لموقع الإنسان ودوره المحوري في هذا العالم، ويشتمل على تنوعات ثقافية وحضارية مؤثرة إلى حد بعيد في صياغة الواقع العالمي المعاصر.

فالتبرير العقائدي ضروري لإضفاء صفة الشرعية على سياسات العقل الإمبراطوري المتوجه نحو فتوحات جديدة، لا بل التبرير العقائدي يتحول إلى فلسفة قائمة بحد ذاتها ترتكز على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وغالباً ما يقع هذا العقل الاستئثاري في هذه الازدواجية المتناقضة التي عبثاً تحاول المزاوجة بين الهدف والآليات المعتمدة في تحقيقه.

إن لدى كل عهدٍ مَيْلاً إلى تمجيد منجزاته بلهجة المؤمن إيماناً عميقاً. فالمرء، إذْ يُفرِطُ في التعميمات عن روح العصر، يسارع إلى الاستشهاد بـالروح التاريخية العالمية، بينما لا يعدو الأمر أن يكون في الحقيقة مجرد حماية لمصالح القوة المعرَّضة للخطر. لقد بيَّن ذلك هيغِل ـ كما فعل هايديغَر فيما بعد ـ في انتهازيته المحرجة بالحديث عن روح العصر التي بُرِّرت بمفهوم فلسفة التاريخ المثالية غير المنطقية، وحققت استمراريتها في الصور المتعددة للأنظمة الاستبدادية في هذا القرن.

ثم إن فرانسيس فوكوياما، أحد أبطال الدفاع عن نمط الحياة الأمريكية، الذي بولِغَ في تقديره كفيلسوفٍ في الحضارة، قد وقع في غواية الإشادة قبل الأوان بمنجزات النظام الغربي  وتحصينه، وذلك عندما أعلن أن انهيار الشيوعية هو بمثابة نهاية التاريخ في حدِّ ذاته. ونظراً إلى كون ديمقراطية الغرب الليبرالية أثبتت في هذه التطورات ـ على حد زعمه ـ أنها النظام الاقتصادي الأكثر نجاحاً،وهو أي فوكوياما يجادل بأنها قد تشكِّل نقطة النهاية لتطوُّر البشرية الأيديولوجي. إن النجاح الفعلي لهذا النموذج من التنظيم السياسي، من حيث سياسة القوة، يمكِّن المدافعين عن هذا النظام، مثل فوكوياما، من إهمال التحليل النقدي لمفهوم الديمقراطية إهمالاً يكاد يكون تاماًّ، والقول بوجود إجماع مرموق على شرعية الديمقراطية الليبرالية كنظامٍ للحكم، حتى وإن انتشر في عدد كبير من الدول نظامُ قِيَمٍ يختلف عن ذلك اختلافاً تاماًّ.

وإن التصريحات القائلة بأن هذا النظام خالٍ من أيَّةِ تناقضات داخلية جوهرية تحول فعلاً دون مواجهةٍ عقلانيةٍ غير متحيزة مع الهياكل الأساسية لهذا النموذج من الديمقراطية. ويزيد في تعزيز هذه التفسيراتِ الاستنتاجُ الخاطئُ لسياسة القوة، القائل بأن فشل النموذج المناوئ قد أثبت بالفعل صحة النظام الغربي ـ  أي كفايتَهُ الديمقراطية.

ولذلك، بعد انتهاء الحرب الباردة حل التنـزيه محل النقد الذاتي. ويتجسد هذا الموقف في الحديث عن نظام عالمي جديد مصوغٍ على غِرار الخطوط الأساسية للديمقراطية الليبرالية. وكُبِتَتْ أيُّ أسئلةٍ أخرى حول النوع المحدد من أنواع الديمقراطية ومدى تحقُّق هذا النوع في النموذج الذي يمارسه الغرب، لأن هذا النموذج ـ الذي يُدَّعى بأنه نموذجٌ يُحتَذى منذ نهاية الحرب الباردة ـ يمثِّل على أتمِّ وجهٍ الأساس الذي يقوم عليه ادِّعاء العالم الغربي بحق السيطرة على العالم ومكانةُ الولايات المتحدة كزعيمة له. بل إن الإيمان السياسي المصاحب لهذا الافتراض يسمح ببعثِ نظرية الحرب العادلة في خدمة الديمقراطية والسلام، التي يُفترَضُ أنها اندثرت. وهكذا نرى أن النـزعة المتطرفة غير الناقدة التي كانت سائدة في العهد الاستعماري، والتي ترى أن أوروبا هي مركز العالم، بُعِثَت من جديد بكل صلفها واستبدادها السياسي عندما نجد ممثِّلاً لما يسمىّ بالعقلانية الناقدة، مثلاً، وهو السير كارل بوبر، يتحدث عن دول العالم المتحضِّر ويفترض ضمناً أنها يمكن أن تستخدم أسلحة الدمار الشامل بمسؤولية وأن لها الحق في تأديب دول العالم الثالث غير الناضجة. وهذه العنصرية الممجَّدة، التي تسمح لمفكرين من أمثال بوبر بأن يشبِّهوا العالم الثالث بـروضة أطفال تتفق مــع كثير من المقالات الافتتاحية الصحفية التي كثيراً ما تبرر تدخُّلات الغرب العسكرية الوحشية.

ويتبيَّن من الفحص الدقيق للمُثُل، التي يتذرعون بها مراراً وتكراراً في الإعلانات السياسية، أن هذه المثل جزء لا يتجزَّأ من استراتيجية لإضفاء الشرعية على تصرفات هذه البلدان تروِّج سياسة المعايير المزدوجة لتحقيق مصالحها هي نفسها القائمة على القوة، أي أنها تهدف إلى جعل هذه السياسة مقبولة لدى العالم أجمع في هذه الظروف، وتماماً بمعنى القانون الدولي التقليدي، الذي كان يُعتقَدُ أن الناس قد تغلَّبوا عليه، يمكن تبرير ممارسة القوة ـ بل استخدام العنف ـ أخلاقياًّ. فإذا كانت هذه الأعمال تخدم هدفاً أسمى ـ كـضمان السلم والديمقراطية، مثلاً، أياًّ كان المعنى المفترض لهذه العبارة ـ فهي عندئذٍ أعمال مشروعة. بل يبدو من الممكن، في إطار النظام العالمي الجديد، التحايل على حظر استخدام القوة، المكرَّس في ميثاق الأمم المتحدة، إذا نجحت الدولة المعنية في إضفاء الشرعية على مصالحها تحت رعاية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ونتيجةً لذلك، يُعلَنُ بسخريةٍ أن الحروب العدوانية (التي تكون في شكل حروب ائتلافية) تدابير اتُّخِذت دفاعاً عن القانون الدولي.

يقول ابن خلدون في مقدمته المشهورة: ... لا يكفي أن تصف موج البحر، وظهور السفن، حين تريد أن تتكلم عن حياة البحر.. لا بد أن تفهم ما في القاع.. قاع البحر المليئ بالغرائب والتيارات والوحوش .. وقاع السفينة حيث يجلس عبيد وملاحون إلى المجاديف أياماً كاملةً، يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السفن، وثروات وركاباً .. وينزفون عرقاً، وتتمزق أجسامهم تحت السياط..

أجل! ينبغي أن تعطيني الصورة كاملة، عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور والدافع الأقوى لولوج هذا المسلك البحثي هو في كوننا سئمنا من وصف موج البحر، وظهور السفن، فيما نحن قابعون في قاع السفينة التي تحدث عنها ابن خلدون، ننزف عرقاً، وتتمزق أجسامنا تحت السياط.

والنظام العالمي ليس حالة سكونية جامدة بل دينامية متطورة دائماً وفق موازين دولية وأقليمية ومحلية تصنع ترتيباته وتحدد علاقات أطرافه بعضها ببعض، وهو بهذا المعنى ليس قدراً وإنما مسار تصنعه إرادات الشعوب والأمم الفاعلة في حركة الصراع سواء بالمعنى الايجابي أو السلبي لمفهوم الصراع.

وقيمة هذا التحشيد الثقافي هو في كون الثقافة مرتكز الوعي، والوعي يحفز على معرفة الذات وحفظ الهوية، وحفظ الهوية يشكل مقدمة للمثابرة والجهاد من أجل أن نتحول من دائرة الانفعال ورد الفعل إلى دائرة التأثير والفعل الايجابي القادر على تحويل مسار الأحداث في الاتجاه الذي يحمي أمتنا وينقذ بعض الحاضر وكل المستقبل.