العدد الحادي عشر - آيار 2006

مصطلح المواطنة وعملية التحول الديمقراطي

نظام مارديني
السبت 3 حزيران (يونيو) 2006.
 

من يرسم خريطة الإصلاح والديمقراطية الاجتماعية في المنطقة، هل هي الدعوات الغربية أم حاجة الشعوب إلى عالم أكثر عدالة؟

في ضوء هذا السؤال يجب قراءة الواقع العربي الذي يعيش نهايات أنظمته الشمولية، أو وسط هذه الأجواء تأتي عملية الإصلاح السياسي لتزيد الوضع تعقيداً.

بعد تلويح الإدارة الأميركية لإحكام خناقها على المنطقة. فبين تربص خارجي وتوتر داخلي يصبح التنبؤ بمصير هذه العملية أمراً شديد التعقيد والصعوبة. لذلك لا يمكن قراءة التحولات الديمقراطية في المنطقة بمعزل عن التحولات الدولية.

العراق الذي أرادت له الإدارة الأمريكية أن يكون نموذجاً يحتدى للديمقراطية في المنطقة، تحول إلى وهم وخرافة وبات مستنقعاً للمذهبية والطائفية والعرقية، وهو ما ظهر واضحاً في الدستور العراقي المشبع بروح انتقامية وتحريض لجماعات بعضها ضد الآخر، الأمر الذي سيؤدي في النهاية ليس إلى بناء دولة إنما إلى تفكيكها، وبات واضحاً ما يمكن أن نطلق عليه عملية تدوير سياسي، حيث تولي أفراد بعينهم مؤسسات الدولة في كافة مراحل العملية السياسية وهو ما يتنافى مع الديمقراطية.

فبين ديمقراطية عمياء مزعومة آتية على فوهة الدبابات، وأخرى داخلية عرجاء متواضعة.. تتأرجح الشعوب العربية متثاقلة الخطى.. فضلاً عن أوضاع معيشية متردية في بعضها يجعلها عرضة للمتاجرين بأحلامها، إلى جانب إرث من الخبرات يجعلها تدرك تماماً ما يحاك لها من الخارج وما يدبر لها من الداخل، وهو ما ينعكس على مشاركتها السياسية لتأتي بطيئة أحياناً ومتخاذلة أحياناً وعازفة في كثير من الأحيان، وهو ما يدفع الجاهلين بحقيقة الشعوب، إلى وصفها بأنها غير ناضجة سياسياً ولم تؤهل بعد لممارسة الديمقراطية متجاهلين أن الصمت هو أحد أشكال الاحتجاج، والعزوف هو أحد أشكال الرفض.

اختلاف الرؤى الراصدة لحالة الحراك الشعبي في اتجاه الديمقراطية بين متفائل يراها تتقدم بخطوات لا بأس بها، ومتشائم يطمح في تغيير أكثر جذرية وفاعلية وسرعة تحركه قناعة بأن الديمقراطية لا تمنح وإنما تؤخذ ـ كالدنيا ـ غلاباً.

هذا الخلاف يفتح الباب للتساؤل حول مدى أهمية وتأثير الأوضاع الاجتماعية والثقافية العربية على مسيرة التحول الديمقراطي؟!

إزاء هذا الوضع بدا هناك ثلاثة سيناريوهات لمستقبل العلاقة بين الديمقراطية والقضايا الاجتماعية والثقافية:

السيناريو الأول: وهو يتحدث عن عملية اختيار القوى السياسية والاجتماعية المحتمة لهذا التغيير.

السيناريو الثاني: وهو المدى المتوسط الذي يشير إلى حدوث صراع أفكار وأطروحات وبرامج تنتهي بالتعايش السلمي.

السيناريو الثالث: وهو المدى البعيد الذي يؤكد إمكانية حدوث اختراقات لعلاقة الدين بالدولة تكون منطلقاً لإحياء فكر النهضة وحركة التنوير.

ولكن يبقى أن حدوث هذه السيناريوهات وإنجاحها دونها عقبات أهمها ميل الأنظمة الشمولية للحفاظ على الأوضاع القائمة، وانتشار فكر يرفض الديمقراطية المطروحة الآن على أرضية يسارية وطنية معادية للخطاب الأميركي، فضلاً عن فكر يرفض الديمقراطية أياً كانت على أرضية سلفية دينية ترى في الدعوة الديمقراطية دعوة تغريبية بعيدة عن روح الإسلام!

رصد حالة التغيير الاجتماعي أيضاً تتطلب التوقف عندما يطلق عليه حالة العجز الديمقراطي، والناتج عن الفجوة النظرية والتطبيق، ورصد حالة العجز الديمقراطي العربي تحتاج لدراسة العوامل المختلفة من تعليم وصحة وعدالة ومستوى معيشة وغيرها من المقومات التي تقود إلى هذه الحالة.

الأمر أيضاً يحتاج للتعرف على الثقافة السياسية السائدة ما بين استبداد وخوف وتهديد السلطة وخضوع جماهيري لها يجعل من عملية التحول الديمقراطي أمراً بالغ الصعوبة. لأن الأنظمة لا تريد ديمقراطية حقيقية وهي أيضاً لا تستمر إلا بالاستبداد، ولكن هناك فرقاً كبيراً بين هذه الأنظمة الشمولية وشعوبها، هناك ثقافات للشعوب العربية تميزها عن بقية شعوب أوروبا، والأخيرة لم تتقدم ديمقراطياً وسياسياً إلا عندما تقدمت اقتصادياً وتكنولوجياً وسادت قيم العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات، وقد مرت شعوب أوروبا بمراحل عديدة قبل سيادة النظم الديمقراطية ذاقت خلالها تلك الشعوب مرارة الديكتاتورية، تخللت هذه المراحل حروب عديدة تفتح بعدها وعي الشعوب على أهمية الدولة القومية وتوسعت مفاهيم الحرية الفردية وسيادة العقل الإنساني.

أما في منطقتنا العربية والعالم الإسلامي فما زال الفقر والجهل يمثلان النصيب الأكبر في المعادلة السياسية ولكن مع استمرار ثنائية الفقر والاستبداد ستثور الشعوب بنفسها وتقوم هبات احتجاجية بين الحين والآخر على مجمل الأوضاع، حيث سترغب تلك الشعوب في انتزاع حريتها ورفاهيتها الاقتصادية من بين أنياب الديكتاتوري الذي يحكمها.

لا شك أن غياب فكرة المواطنة، وتفكك المجتمعات إلى عرقيات وطائفيات ومذهبيات، جعلها أرضاً خصبة للاستثمار الخارجي، ولكن وراء هذا التشرذم والتفكك إرث ضخم خلفته الدولة العثمانية عبر خمسة قرون وهو ما دفع لبروز مشكلة الأقليات أو ما سمي بالمسألة الشرقية، وما زاد من استفحال هذه المشكلة ما قام به الانتداب الفرنسي ـ الإنكليزي من رسم لحدود دول ووضع شكل لهندسة اجتماعية لمجتمعات الشرق العربي دون الرجوع لخريطة التنوع السكاني، ولم تفلح محاولات الدول الاشتراكية في حسم الصراعات الإثنية ـ المذهبية، وجاءت العولمة لتزيد الأمر صعوبة حيث ساعدت على يقظة الهويات الخاصة لكثير من الجماعات الإثنية والمذهبية.

منذ البدء أعاقت المسألة الشرقية عملية التحول الديمقراطي، وأظهرت أن حل هذه المسألة يكمن في فكرة المواطنة التي تشير إلى وحدة الحياة داخل المجتمع القومي، وهو ما يفتح بدوره باب التساؤل حول مدى أهمية وتأثير الأوضاع الاجتماعية والثقافية العربية على مسيرة التحول الديمقراطي؟