العدد الحادي عشر - آيار 2006

جداليات الأخلاق التواصلية

محمود حيدر
السبت 3 حزيران (يونيو) 2006.
 

تميَّز السجال الفلسفي في الغرب ابتداءً من النصف الثاني للقرن العشرين بإعادة الاعتبار لسؤال الأخلاق كأحد أهم الأسئلة الأنطولوجية. فلقد صار من المؤكَّد بالنسبة للنخب ومؤسسات الفكر والمجتمع المدني أنَّ مجتمعاً لا يستطيع أن يرضي رغبة الفضيلة في الطبيعة البشرية، ليس مجتمعاً عقلانياً. إنَّه فقط أحد الأنظمة المتحيِّزة بحسب توصيف أرسطو، والذي يمكن أن يسقط، عاجلاً أم آجلاً، عندما تجد الفئة المظلومة الفرصة المناسبة لذلك.

جرى هذا القول مجرى نقد الحداثة التي اتخذت من العقلانية المجردة سبيلاً أوحد لها لتثبِّت أقدامها وتسود. وسيأتي في الغرب من يستعيد ثالوث الاستفهام الكانطي ويؤوِّله على طريقته بوصفه ثالوثاً لا يخص عقلانية الغرب وحسب، بل يمتد إلى العقل الإنساني في شموله الكوني: ماذا يمكن لنا أن نعرف؟ وماذا نعمل كي نحقِّق المعرفة، أي كيف نعرف؟ وما الذي يمكننا أن نرجوه كي نعرف؟... وهنا تتواصل الحلقات الثلاث في السعي نحو أي مشروع يرنو لتأسيس عقلاني تواصلي: النظري، والعملي، والعملي النظري؛ فننتقل بذلك من حيِّز الفهم والتحليل الواصف، إلى البحث في ذات الحدث المعرفي، أي تفكيك العقل من الداخل.

على هذا الوجه سنرى كيف أنَّ الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس(21) ركَّز ضمن طموحه في تأسيس نظرية معيارية للحداثة، على أربعة أسس نظرية لبلورة تصوره النقدي للمعرفة وللمجتمع وهي: نظرية العقلنة، ونظرية النشاط التواصلي، وجدل العقلنة الاجتماعي، ونظرية المجتمع التي تجمع بين الاهتمام بقضايا الممارسة وباعتبارات النظام. ومن أجل صياغة كل هذه المفاصل النظرية عمل هابرماس على التقاط مختلف الانفتاحات النظرية والفكرية التي سمحت له ببلورة أسئلته وبتعميق تحليلاته للكشف عن الآليات المختلفة المنتجة للظواهر المَرَضية للحداثة. فنقد الاستلاب والتشيؤ كما عند أدورنو ولوكاش من خلال نقد العقلانية الأداتية أدَّى إلى ملامسة ما اسماه بـالإستعمار الداخلي للعالم المعيش الذي تفرضه عمليات العقلنة على العلاقات وأشكال التبادل(22) وبالرغم من كلِّ ذلك فإنَّ هابرماس لم يُرد أن يتخذ من سلبيات العقلانية الأداتية ذريعة لترك مشروع الحداثة، بل إنَّه يلح على موضعة فكره في سياق تطورها وتحوُّلها، ولكن بشرط الانتقال من المجال المعرفي لفلسفة الوعي إلى بنية الفلسفة التواصلية دون القفز إلى مرحلة ما يُسمَّى بما بعد الحداثة، أو التشبث بالمواقف المضادة للحداثة. لأنَّ همَّه المركزي تمثَّل في إعادة تنشيط الطاقة النقدية للعقل الأنواري، من خلال إبراز المضمون المعياري لفكرة التفاهم الموجودة في مختلف اللغات، وأشكال التواصل.

كيف صيغت الأخلاق التواصلية بالترابط الحميم مع العقلانية لكي تتم إعادة تشكيل الحداثة بعيداً عن التشيؤ والاستلاب؟

سنلاحظ بداية أن احتمال الهيمنة داخل مجتمع معقلن يمكن تجنبه، في نظر هابرماس، وذلك باحترام معايير محددة تسترشد بما يسمّيه بـأخلاق التواصل لأنَّها تقدِّم وجهة نظر نقدية لمختلف وجهات النظر المعرفية للسياسة(...) ففي هذه الحالة تتدخَّل أخلاق التواصل لتأسيس وجهة نظر نقدية لا تعطي الأهمية، فقط، للمنطلقات المنهجية أو للمنطق المحرِّك للموقف المعرفي، بل تهتم كذلك بالصيرورة الإيديولوجية. أي إنَّ هذه الأخلاق تعترف لكل مجال بقدرته على التبرير والتفسير داخل حدود مجاله الخاص، بدون أن تسمح له بادّعاء التعميم انطلاقاً من المقدِّمات والنتائج والأحكام التي تنتجها ممارسته المعرفية على موضوعاته الخاصة(...) فالأخلاق التواصلية، عند هابرماس، هي التي تخلق إطاراً عقلانياً للتفاهم بين مختلف مجالات المعرفة، وللتفاوض بين المصالح المتعددة، وذلك كله بالتأكيد على العلاقة الضرورية بين العقلانية السياسية والشرعية الديمقراطية، والتساؤل الدائم عن شروط الاتفاق بين ما هو ضروري عملياً وما هو ممكن موضوعياً.(22)

إنَّ ما يمكن النظر إليه بوصفه استراتيجيا أخلاقية هو لأجل إعادة تصويب حركية العقل، حيث ظهرت هذه الحركية في المراحل المتقدِّمة لصعود الحداثة كما لو أنَّها سخِّرت للاستلاب المحض. ربما بدا المجهود النظري الذي بذله هابرماس منذ النصف الثاني للقرن العشرين وكأنه محاولة فلسفية تتوخَّى إقامة الحد على ظاهرة اختزال العقل التي امتلأت بها الأحياز المختلفة للحداثة الغربية. إنَّ محاولة هابرماس وسواها من المحاولات المتأخرة في الفلسفة الغربية سعت إلى الكشف عن العقل المرتبط والملازم للممارسة التواصلية اليومية، وفي إعادة بناء مفهوم غير اختزالي للعقل. وذلك اعتماداً على قاعدة صلاحية الخطاب. لا سيما وإنَّ العقلانية الغربية تعطي أولوية استثنائية للعقل الغائي وللممارسات التي تستهدف تحقيق مصالح وغايات معينة. ولأجل ذلك فهي تدمج أكثر من وساطة، وعلى رأسها المال والسلطة لضمان التوازن الاجتماعي الذي يسمح بمبادرات تدخل في سياق النشاط الأداتي أو الاستراتيجي.

في هذا المدلول يبدو العقل التواصلي ضرباً من كانطية متجددة ولكن بلغة ما بعد حداثية. فالعقل التواصلي هو روح العقل العملي لجهة تلازمه التكويني مع الأخلاق. ذلك أنَّ الفلسفة الألمانية في ما بعد الحداثة انبرت إلى توكيد العقل التواصلي كصيغة تركيبية لقضية الحداثة الغربية والعقلانية، سواء في تعبيرها الأنواري أو في تمظهراتها النقدية. صحيح إنَّ فكر الأنوار يؤكِّد على عنصر النقد في دعوته العقلانية، لكن تطورات المجتمعات الصناعية وتطبيقات العقلانية، التي لا تكف عن التجدد والتبدل، جعل الفكر الأنواري يستنفد طاقاته المفاهيمية من جهة، فيما تحول بشكل من الأشكال إلى خطاب يضفي المشروعية على المجتمع الحديث من جهة أخرى.(23)

إنَّ العقلانية التواصلية التي ستجد في القيمة الأخلاقية أساساً لها، هي المقابل الفلسفي للعقلانية الأداتية، مع أنَّ الأخيرة ستفلح بالسيطرة على عالم ما بعد الحداثة في الغرب. لكن العقلانية الأداتية التي أنتجت عالماً موجهاً من طرف إدارة صارمة إلى درجة الرعب كما يقول أدورنو، ستكون موضع نقد لا هوادة فيه فيما كان العالم يتجه بخطى حثيثة نحو نهاية القرن العشرين.

 

العقل الأخلاقي الغربي منقوداً

سوف تنمو لدى الأنتلجنسيا الفكرية والفلسفية في الغرب الراهن ما يمكن اعتباره فلسفة أخلاقية نقدية. من مبادئها أنَّ الفلسفة وهي تقترح قواعد عامة للسلوك، أو تقدم نظريات عن العالم، فلا بد من أن يكون لها وجهة دينية. فيحتاج الدين لعقلانية الفلسفة. ومن جهتها لا تتجاهل الفلسفة مشكلات الدين. ولقد كانت اهتمامات كانط التأسيسية في السؤالين الأشهرين ماذا أعرف؟ وماذا عليَّ أن أسلك، ذات قيمة دينية لا تقل عن قيمتها الفلسفية. فتسأل عن كيف يرتبط الإنسان بحاجاته، وعن الذي يوجد في الأشياء ويتحقَّق في أفكارنا.

لكن الأخلاقية الحقيقية بحسب المفكر الأميركي جون بانيس هي أكثر من قواعد للسلوك في مجتمع ما. لأنَّ هذه القواعد يمكن أن تختلف كلياً باختلاف الجماعات. فالأخلاقية تقضي باحترام نظام الكون الذي فرضه اللوغوس، الفيض المقدس الذي يحافظ على بنيان الكون ونظامه. وبما أنَّه ما من شيء يمكن أن يوجد خارج اللوغوس فنحن أيضاً جزء منه، حتى أنه يجب أن نحترم دستوره الذي هو واحد لكافة اشكال الحياة وحتى للأشياء غير الحيّة.(24)

منذ كانط إلى الكلام اللاحق على الحداثة البعدية، أو ما سمِّي ما بعد الحداثة مرَّت ثلاثة قرون أو نحوها. في هذه الأثناء لم ينفك سؤال الإنسان عن كونه السؤال الفلسفي الذي تدور حوله أسئلة الوجود كلها. لكن هذا السؤال سوف يستدعي سؤال الأخلاق كسؤال متعلِّق به تعلُّقاً سنخياً. بل هو عين الأول، وتجلٍّ له. تماماً كما هو شأن العقل كمائز للإنسان، وإن ذهب فلاسفة محدثون إلى تقديم العقل على الأخلاق تقديماً لم يدركوا أنهم بهذا إنما ينزعون من الكائن البشري ما هو من تكوين ذاته وطبيعته.

لقد بدا واضحاً في الرؤيات الجديدة لسؤال العقل / الأخلاق في الغرب أن مقولة كل ما هو عقلي هو واقعي ليست إلاَّ واحدة من القواعد التي أسَّست للاستلاب. وهي بهذا جعلت الإنسان حيواناً سياسياً بامتياز، إذ دفعت به إلى الحد الذي لا يرى نفسه إلاَّ في مرآة سلطانها. والذين وضعوا هذه المقولة في سياق الزمان الواقعي كانوا على يقين بأنَّهم إنما فعلوا ذلك ليبيِّنوا أنَّ الأطروحة الأخلاقية التي حملتها الفلسفة الألمانية على أجنحة اللاّهوت الديني إنْ هي إلاَّ سراب لا يلوي على شيء. كان التنظير الذي أراد أن يُسقط الأخلاق من عليائها الأرضي، يستهدف أصلاً كل ما له صلة بالدين والميتافيزيقا. قالوا إنَّ الأخلاق والدين هما شكل من أشكال الإيديولوجيا الهائمة خارج دائرة الواقع. وإنَّ الكائن هو نتاج التاريخ، وإنْ انتظم الأمر في نطاق الديالكتيك الذي يبيِّن أنَّ الوعي ليس فليس الوعي هو الذي يحدِّد الحياة، بل الحياة هي التي تحدِّد الوعي..

هذا هو الأمر الذي جعل الكلاسيكيات الفلسفية للماركسية تصب نقداً لا هوادة فيه على الفلسفة الألمانية. فلم ترَ فيها إلاَّ إيديولوجيا واغتراب كونها خاضعة من حيث تكوينها وتطورها لهيمنة التصورات التي وفَّرها لها اللاّهوت الديني.

لقد أرادت المادية الديالكتية أت تدفع عن الإنسان الاستلاب الذي أطلقته حركة الحداثة وتقنياتها، فإذا بها تدفعه نحو استلاب من نوع آخر منذ تلك اللحظة التي أمسكت فيها بناصية الحركة التاريخية بدءًا من نهاية القرن التاسع عشر وعلى امتداد القرن العشرين بأكمله.

ولم يكن افتتاح الألفية الثالثة ليجيء بما يبدِّل من روح التساوي الحاد في مقولة العقلي/ الواقعي. فلقد أظهر المشهد العام كل ما يمت بصلة إلى النهايات والبدايات في آن. كان ثمة نهاية مدوِّية للسجال الإيديولوجي في حداثة الغرب المتأخرة. ليبتدئ ضرب جديد من المواج الإيديولوجي تولَّت الليبرالية المابعد حداثية رسم أحداثه وأجناسه وفصوله عبر الآليات الهائلة لثورة الاتصال وما توصَّل إليه الذكاء الخارق للزمن التكنوـ إلكتروني المعولم.

لقد أخذ السجال في العقلاني والأخلاقي مناحي أوثق تواصلية مما سبق. فالنظام الإجمالي للقيم (القوانين ـ الدولة ـ مبدأ السيادة ـ المجتمع المدني ـ الفرد الخ) هو الذي سيعيِّن اتجاهات السلوك العام. وهبطت مقولتا الخير والشر من عليائها النظري البحت إلى حقل الاختبار الإنساني الحي والسيَّال. وهكذا فبإزاء الاجتياح الهائل للعقلانية الصارمة، كان ثمة ما يُظهر الحاجة إلى أخلاقية حقَّانية وعقلانية في آن، تعيد التوازن إلى النظام المهزوز في الاجتماع البشري. لقد كانت روح كانط حاضرة في السجال المتأخر خصوصاً لجهة إحياء البعد الأخلاقي لعالم الحداثة البَعْدية وبث الروح فيها. كان الحضور واجباً وبديهياً أيضاً حين بلغت العقلانية وهي تقود مجتمعاتها، ذروة الشغف اللاّهث نحو السيطرة. وكذلك حين تركت الإنسان هائماً على وجهه في صحراء الغربة والسأم. فعلى هذا النحو لم يكن إعلان موت الإنسان إلاَّ المنجز المأساوي الأشد استغراقاً في التشاؤم والعدمية.

في كتابه سؤال الأخلاق ـ والذي يعد بحق علامة فارقة سيشار إليها في فلسفة الأخلاق ـ ينقد الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن الحداثة الغربية ويبيِّن نقطة إشكالية مهمة في الحدود الفاصلة والجامعة بين العقل والأخلاق وأيهما أخص بالنسبة للإنسان. يبدأ بالرد على القائلين بأنَّ ميزة العقل الإنساني أنه لا يملك اليقين بنفع لا ضرر فيه، ولا بصواب لا خطأ معه فيرى أنَّ هذه الدعوة لا تصدق إلاَّ على القوة العقلية من قوى الإنسان التي هي من جنس قوة الإدراك التي تتمتَّع بها البهيمة. فمعلوم ـ كما يقول ـ أنَّ البهيمة لا تهتدي إلى أغراضها إلاَّ بعد محاولات متتالية تخطئ فيها أكثر مما تصيب. وحتى إذا أصابت، فلا تضمن لنفسها أنها لا تعود إلى الخطأ مرة ثانية. وكذلك الإنسان في ممارسته لعقله على مقتضى التصور المذكور؛ بل ما المانع من أن نسمِّي القوة الإدراكية الخاصة بالبهائم هي الأخرى عقلاً ! فإنها ليست تختلف عن قوة الإدراك عند الإنسان إلاَّ في الدرجة؛ وإذا كان الأمر كذلك، لزم أن لا تكون العقلانية ـ كما هي في تصور هذا البعض ـ هي الصفة التي يتفرَّد بها الإنسان وتُميِّزه عن البهيمة؛ فكلا الإنسان والحيوان لا يقين له فيما أصاب فيه، بل تكون، على العكس من ذلك، هي الصفة التي تجمع بينهما؛ وبهذا، يقع هؤلاء هم أنفسهم في الخطأ من حيث أرادوا الصواب، آتين مرة أخرى على غفلة منهم بنقيض مقصودهم، فقد أرادوا أن يرفعوا رتبة الإنسان، فإذا بهم يُنزلونه رتبةٌ دونها.

وإذا بطل أن تكون العقلانية هي الحد الفاصل بين الإنسانية والبهيمة، وجب أن يوجد هذا الحد الفاصل في شيء لا ينقلب بالضرر على الإنسان من حيث أراد الصلاح والفلاح في المآل، ولا يقع الشك في نفعه متى تقرر الأخذ به ولا في حصول الضَّرر متى تقرَّر تركه؛ وليس هذا الشيء إلاَّ مبدأ طلب الصلاح نفسه، وهو الذي نسميِّه باسم الأخلاقية؛ فالأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلاً عن أفق البهيمة؛ فلا مراء في أنَّ البهيمة لا تسعى إلى الصلاح في سلوكها كما تسعى إلى رزقها مستعملة في ذلك عقلها؛ فالأخلاقية هي الأصل الذي تتفرِّع عليه كل صفات الإنسان من حيث هو كذلك، والعقلانية التي تستحق أن تُنسب إليه ينبغي أن تكون تابعة لهذا الأصل الأخلاقي.

ويمضي طه عبد الرحمن في الشطر الأول من رحلته النقدية في كتاب سؤال الأخلاق، مظهراً الالتباسات التي غشيت أعمال دعاة العقلانية والمحدثين. حيث ظنَّ هؤلاء أن العقلانية واحدة لا ثانية لها وإنَّ الإنسان يختص بها بوجه لا يشاركه فيه غيره. وعبد الرحمن يخالف أصحاب هذا الظن بملاحظة أنَّ العقلانية تقوم على قسمين كبيرين: فهناك العقلانية المجرَّدة من الأخلاقية، وهذه يشترك فيها الإنسان مع البهيمة، وهناك العقلانية المسدَّدة بالأخلاقية، وهي التي يختص بها من دون سواه؛ وخطأ المحدثين أنَّهم حملوا العقلانية على المعنى الأول وخصّوا بها الإنسان؛ ولا يصح أن يُستدرك علينا، فيقال بأنَّ العقلانية التي يختص بها الإنسان على نوعين: العقلانية النظرية التي لا أخلاق فيها والعقلانية العملية التي تنبني على الأخلاق؛ ذلك لأنَّ الأولى ـ أي العقلانية النظرية ـ إنْ أمكن وجودها، فلا يمكن أن يتفرَّد بها الإنسان كما تبين؛ أما الثانية ـ أي العقلانية العملية ـ، فإنَّه، إنْ جاز أن يتفرَّد بها الإنسان، فلا يجوز أن تكون الأولى أصلاً لها ولا حتى أن تكون في رتبتها كما يُظَن؛ والصواب أنَّ الأخلاقية هي ما به يكون الإنسان إنساناً، وليست العقلانية كما انغرس في النفوس منذ قرون بعيدة؛ لذا، ينبغي أن تتجلى الأخلاقية في كل فعل من الأفعال التي يأتيها الإنسان، مهما كان متغلغلاً في التجريد، بل تكون هذه الأفعال متساوية في نسبتها إلى هذه الأخلاقية، حتى إنَّه لا فرق في ذلك بين فعل تأمُّلي مجرَّد وفعل سلوكي مجسَّد.