العدد الحادي عشر - آيار 2006

النظام العالمي الجديد نظام تحويلي للإنسان والحضارة

محاضرة ليوسف الأشقر
السبت 3 حزيران (يونيو) 2006.
 

النظام العالمي الجديد نظام تحويلي للإنسان والحضارة أثار صاحب (عولمة الرعب) في المحاضرة التي ألقاها في بيت الشعار في المتن، جملة من الأسئلة والحوارات حول طبيعة الصراع في المنطقة والعالم وأهداف القوى التي تقف خلفه، وأعاد إلى الواجهة من جديد ما هو مطلوب من الشعوب والقوى الحية كي تأخذ دورها في الوقوف بوجه هذه الحرب التحويلية الخطيرة التي تريد العودة بنا إلى عصور ما قبل النظام العالمي القديم.

يوسف الأشقر مفكر وباحث وصاحب العديد من المؤلفات في الفكر والسياسة، يصفه سركيس أبو زيد في معرض تقديمه بأنه يحلل الوقائع والأحداث فهو لا ينفعل فيها بل يفعل عقله بها من خلال رؤية تاريخية حضارية مشدودة إلى قواعد المنهج القومي الاجتماعي بعيداً عن التكرار الببغائي أو الاكتفاء بشرح النصوص والمفردات.. وأيضاً فإنه لا يكتفي بتوصيف الواقع بل ينتقد صورته وخطابه والنظرة إليه والأوهام المواكبة له بهدف نقضه وتغييره ومقاومة سلبياته والعمل من أجل نهضة متجددة.

ويتابع أبو زيد: من ميزات يوسف الأشقر تواضعه وزهده بالسلطة دعا إلى مجتمع الحرب وقال لا للسلم الإسرائيلي فكان تيار التسوية أقوى منه فاختار الابتعاد عن مسرح الملهاة وانصرف إلى الكتابة المقاومة الناقدة الصارخة بوجه المتآمرين.. بشّر مبكراً بالمجتمع المدني كطريق لوحدة المجتمع وبناء نظام جديد غير طائفي وحاضن للمقاومة منعاً لتضييعها، فكانت بشارته صرخة في صحراء السياسة وضجيج المصالح الآنية، ففضل الاستقالة من المسرح السياسي والغربي على المساومة والمشاركة الصورية.

يوسف الأشقر يقوم بما يشبه المسح العام لمجمل آليات الصراع والممانعة ويدعو في الوقت نفسه للاستفادة من عامل الوقت في تقوية عوامل المجابهة ضد الهجمات التي إذا ما نجحت فإنها ستشكل خطراً على وجودنا ككل.

في البداية وصف الأشقر النظام العالمي الجديد بأنه نظام تحويلي للإنسان والحضارة وليس مجرد نظام للسيطرة والاستغلال كما هو النظام الإمبريالي وريث النظام الإمبريالي التقليدي، فخلال الأربع سنوات الأخيرة حصلت تطورات كثيرة على صعيد الإنسان، فكل يوم يستفيق سبعون أو ثمانون ألف مليون أميركي معتقدين أن الله يكلمهم ليلاً وأنه انتدب بوش لحكمهم وهذا شيء رهيب.. هذه التحولات ليست طبيعية ناتجة عن تطورات عادية تخضع للمد والجزر وإنما هي مقصودة، مثل الصناعة التحويلية فالمعروف تاريخياً أن هناك صراعاً بين ثقافتين ثقافة التوحش وثقافة التمدن في كل مجتمع، في أميركا هناك ثقافة المصهر الكبير وهناك ثقافة أخرى ممتدة منذ الأيام الأولى التي دخلوا فيها إلى القارة ودمروا وقتلوا وأبادوا السكان الأصليين بحجة أنهم شعب الله المختار... مهمة هذا النظام العالمي الجديد هي تغليب ثقافة التوحش على الثقافة الأخرى.. بحث يخرج من الإنسان أسوأ ما فيه وليس أفضل ما فيه.. الذي يقود هذا النظام منظمة مستقلة لا علاقة عضوية لها بالدولة الأميركية لكنها تغلغلت في مؤسسات الدولة الأميركية منذ العام وظهرت مع ريغن ثم انكفأت مع كلينتون ثم عادت واستمرت فدخلت في الدين والإعلام والثقافة والجامعات والمدارس وفي الصلاة اليومية، إنها شيء جديد على تاريخ الإنسانية عقيدتها بأن السماء وجهنم هنا على الأرض والدينونة هنا وهم الديانون، فالمدينة الصالحة حسب معتقدهم ستكون على قمة الجبل التي يصفونها بأنها ستكون سعيدة وتضم الكثير من الثروات ولكن علينا أن نفكر ماذا يوجد في سفح الجبل وتحته... إنهم الأكثرية من سكان العالم.. هذه الفئة لديها أبحاث موثقة تتساءل عن جدوى وصول عدد سكان العالم إلى ستة أو سبعة مليارات ويقولون أربعمئة أو خمسمئة مليون يكفي، والوسائل لذلك متنوعة ابتداءً من أنفلونزا الطيور إلى الحروب المتنقلة.

هذا النظام التحويلي الجديد أدعوه الما بعد إمبريالي إذا استطاع أن ينتصر فإنه سيعيدنا إلى ما قبل النظام العالمي الأول، إلى ما قبل التمدن وذلك عبر إستراتيجية تعتمد عدة وسائل كخلق الحدث التحويلي مثل الحادي عشر من أيلول واغتيال الحريري، وسوم الكاريكاتور المسيء، وتصريحات بن لادن المؤقتة جيداً.. وأيضاً من وسائل هذه الاستراتيجيات استثمار الفعل وردود الفعل فهذه العقيدة تبحث عن الأعداء وتريد أن تشكلهم وتغذي التوتر بين المسلمين وأوروبا.. إنها تراهن على ردة الفعل دائماً وهم يدفعون بالإنسانية دائماً باتجاه الطريق المسدود.

في العراق هناك 135 ألف جندي بجانبهم 50 ألف مرتزق لا أحد يعرف ماذا يفعلون، هؤلاء لا أحد يحاسبهم ولا أحد ينتظرهم كي يعودوا وبإمكانهم أن يتصرفوا دون رادع من أي قانون.

فيما يخص لبنان هناك سلعة يريدون إخراجها وهي مشروع تدميري انتحاري يستند إلى عناصر الفساد الموجودة في النظام الطائفي، وأيضاً الاعتماد على عنصر دفع لبنان باتجاه واجهة الأحداث ابتداء من القرار 1559 واغتيال الحريري، ولكن أحب أن أذكر اللبنانيين أننا نعيش في منطقة أعطت المسيح وأعطت الرسل وانطلق الإسلام منها للعالم فغير وجه التاريخ، كما كان للبنان دور بالنهضة العربية، لذلك لا يمكن أن تنضب فينا الرؤيا والعطاء.

وشدّد الأشقر في نهاية محاضرته على أن تلك الصناعة التحويلية في العالم المتنقلة من مكان لآخر بغية الهدم وإنتاج مآزق جديدة، لابد من مواجهتها بالكثير من العمل والحذر وعدم الاستكانة لأن نتائجها إذا ما نجحت فسوف تكون مدمرة لمجتمعاتنا ووجودنا ومستقبل أبنائنا.