العدد الحادي عشر - آيار 2006

أفكار حول الديمقراطية

اسماعيل الحجي
الاحد 4 حزيران (يونيو) 2006.
 
New Page 1

درج أغلب السياسيين إلى القول أن الديمقراطية هي / حكم الشعب/ لتأتي بعد ذلك الاختلافات في الصيغ والتفاصيل. ورغم الاختلاف في وجهات النظر، تبقى الديمقراطية فعالية سياسية مجتمعية بجدارة تستنهض وتحفز كل القوى الخيرة الكامنة في النفس الإنسانية على الإبداع والتقدم، هذا جانب والجانب الآخر فهي أي الديمقراطية، تضفي على العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني جواً من التنافس على الأصلح، والتحاور بدلاً من التوجس والاحتراب.

وقبل عقد من الزمن كانت الحركة الوطنية العربية بأطرافها القومية والاشتراكية والشيوعية تتبنى مفهوم (الديمقراطية الشعبية) كأسلوب لإدارة الحكم، وكان البعض يعتبرها مرحلة مؤقتة ريثما الطبقة العاملة يشتد عودها، كماً وكيفاً، لتقود النضال الوطني التحرري، تحت مقولتي ديكتاتورية البروليتاريا و/الصراع الطبقي/. وهذه المفاهيم تقصي بطبيعتها من العمل السياسي اليمين الديني والليبرالية وكل من لا يوافقها الرأي على الصعيد الإيديولوجي، والرأسماليين وملاكي العقارات على الصعيد الاقتصادي.

New Page 2

أما عن الديمقراطية السائدة في المجتمعات الغربية التي عرفت بالتعددية الحزبية وتبادل السلطة وحرية العمل السياسي وحرية الرأي، لم تكن تذكر في أدبيات هذه الأحزاب إلا للتقليل من أهميتها ونقدها على اعتبارها نهج سياسي لا يخدم إلا مصالح الطبقة البرجوازية مع أن التاريخ الأوروبي السياسي يشهد للبرجوازية بعظيم انجازاتها على جميع صعد الحياة.

وفي الواقع العملي تبين أن هذه الإيديولوجية التي عبرت عنها ما كان يعرف بأحزاب (البرجوازية الصغيرة) بما حملته من مشاريع تنموية ومن أماني وأحلام لجماهير الناس، قد أصابها الضمور ثم التراجع والفشل في تحقيق الطموحات الوطنية، وتحولت /الديمقراطية الشعبية/ في أطار الممارسة، من ديمقراطية للعمال والفلاحين والجماهير الشعبية إلى ديمقراطية وحرية مطلقة للبيروقراطية الرسمية والحزبية. والحزب الطليعي الذي قاد التجربة واستأثر بالحكم طوال عقود قد أبعد من المشاركة الفعلية في الحكم والعمل السياسي الأحزاب الوطنية الأخرى الحليف المفترض له، والمركزية الديمقراطية الناظم لحياة الحزب الداخلية، لم يبق منها إلا المركزية الشديدة، حيث تحول الحزب إلى جهاز بيروقراطي يلم شمل المنتفعين والانتهازيين وليصبح سواد العراق بستاناً لقريش، وليسود الاستبداد بالرأي والقمع المعمم. وكان /لينين/ يقول: الديمقراطية هي حكم السوفيتيات ـ مجالس العمال والفلاحين والجنود ـ زائد سمنس وذلك للتدليل على تأكيد المشاركة الشعبية في تسيير شؤون الدولة والعمل على التطوير العلمي للبلاد في آن.

ورغم الفشل والسقوط في ما عرف بأنظمة الديمقراطيات الشعبية فلم تحصل المراجعات ونقد الذات إلا بعد سقوط النظام السوفييتي وبشكل لا يذكر، وبشكل لا يحيل على الدروس المستفادة من هذا السقوط... وفي هذا الإطار هل يحق لنا أن نتساءل: كيف تسنى لمجموعات بشرية عارية وجائعة من العمال والفلاحين والجنود أن تقيم دولة عظمى في زمن قياسي رغم المواجهات الداخلية والخارجية الكبير؟ ثم سقطت هذه الدولة ـ الدولة السوفياتية ـ بكل جبروتها وبعد أن قضي على الجوع والفقر والحرمان، بينما /الصين الشعبية/ الشيوعية بقيت محافظة على استمرارية دفعها ونموها الاقتصادي والعلمي!

ولا ننسى أن الكثيرين قد حذروا من مساوئ انفراد البيروقراطية بالحكم على الأنظمة الوطنية، التي تحولت بالنهاية على يديها إلى أنظمة شمولية لها بعض سمات الفاشية.

واليوم أصبحت هذه الديمقراطية الغربية مطلب الجميع، الكل يتدثر بعباءتها بما فيهم الحكام وعلى قول الشاعر:

(كلُ يدعي حباً لليلى  وليلى لا تقر بحبها لأحد)

والواقع أن التجربة البشرية في تاريخها الطويل، وفي سعيها الدؤوب إلى الأفضل عن طريق خلاصها من استبداد الأنظمة الشمولية، قد تخطت في غالبيتها صيغة (الحاكم الفرد) الذي مشيئته قانون، وكل تصرف له عدل، كما تخطت صيغة (حكم الأقلية) مهما كان شكلها إلى (حكم الأغلبية) السياسية، ولا العرقية والفئوية.

ويلحظ في التاريخ القديم، إن المدن الإغريقية قد مارست التجربة الديمقراطية المباشرة، في حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، فكل مواطن حر هو ناخب ومنتخب في آن، ويجري ذلك من مستوى محلف في محكمة قضائية إلى رئيس الدولة، يجتمع الشعب في كل عام فيما يسمى (الجمعية العمومية) ليمارس حقه الانتخابي، ويذكر التاريخ أن دولة أثينا المدينة قد شهدت في هذه الفترة حكم /بركليس/ العظيم الذي انتخبه شعبه لثلاثين مرة خلال ثلاثين عاماً في كل عام مرة، ولكن لم يعطوه الحكم مدى العمر، رغم أنهم خبروه وبقية صروح هذه الفترة الذهبية شاهداً إلى يومنا هذا مميزة بفلسفتها وأدبها وفنها.

وفي العصر الحديث، استلهمت أوربا هذه التجربة، التي أصبحت من التراث العالمي وطورتها بما يتلاءم مع ظروفها، من حيث تعداد السكان الكبير المتعسر اجتماعهم في مكان واحد، إضافة على تعقيدات تسيير شؤون الدولة الحديثة، فاضطروا إلى ابتداع ما يسمى بالديمقراطية التمثيلية حيث ينتخب الشعب بمجموعه (لا فرق بين مواطن وآخر)، ممثلين للمجالس التشريعية. ويتيح هذا النهج من إشكال الحكم للمواطن أن يعبر عن رأيه في كل القضايا المطروحة، وأن يكون قريباً من المشاركة في صنع القرارات الهامة التي تمس كيان الدولة وكيانه وذلك في إطار المجالس المنتخبة أو في إطار الأحزاب السياسية والنقابات ووسائل الإعلام. وانطلاقاً من مبدأ المواطنة فإن هذه المجالس المنتخبة لا تقوم على مبدأ المحاصصة العرقية أو المذهبية أو الفئوية أو المهنية، الكل مواطن والكل له حقوق وعيه واجبات. والتمايز بين جماعة سياسية وأخرى تفرضه البرامج السياسية والاقتصادية المطروحة.

وفي تجربة الديمقراطية العربية الوليدة، قد رفضت الكنيسة والنخب القبطية المصرية في دستور عام 1923 وفي قانون الانتخابات لها مقاعد في مجلس النواب أو الشيوخ وأصروا على أنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني الاجتماعي المصري وأن التخصيص لن يؤثر في قرار يصدر عن البرلمان، ولأن مهام المجالس النيابية وطنية عامة، وذلك التخصيص سوف يكرس التجزئة العامة التي يرفضها الأقباط (مجلة المستقبل العربي مجلد 4 حلقة نقاشية).

وإذا كنا نتحدث عن فضائل الديمقراطية فهي بالواقع ليست خير مطلق، وليست العصا السحرية التي تحل كل المشاكل وتهيئ السعادة لكل مواطن، إذ في الوجود الإنساني لا شيء مطلق، فالأمر نسبي وكما أن الحرية نسبية (تنتهي حريتي عندما تبدأ حرية الآخرين) كذلك الأمر بالنسبة للديمقراطية فهي نسبة بشروطها الاجتماعية وبمعطياتها، ولكن التاريخ والمنطق يقولان، أنها تزيد في ترشيد الاختيار وهو الشيء الجوهري في الديمقراطية، وتزيد في مساحة العدل والأمل في النهوض والتقدم من جديد، وأنها أيضاً تزيد في فرص الحرية.. وفي الوقت نفسه أن حكم الأغلبية السياسية يضفي الشرعية على النظام السياسي، التي يفتقدها حكم الأقلية وحكم الفرد.

ومعروف أن الديمقراطية ليست فقط صناديق انتخابات، وتحديد ممثلي الشعب في مؤسسات الدولة إنما هي أيضاً سعي مستمر لتحسين شروط أداء الحكم، وشفافية اتخاذ القرارات حيث لا يبقى اتخاذها حكراً على دائرة ضيقة من المسؤولين، وحيث تكون إرادة الاختيار مرشدة بالمعلومات والحوارات حتى يكون هذا الاختيار أقرب ما يمكن إلى الصواب.

ولهذا فإن من مقتضيات العقل التسليم بقوانين اللعبة، فتكون ديمقراطية سياسية وفكرية وعقلية، فالديمقراطية تبقى الخيار لرقي الشعوب فهي المناخ الوحيد الذي يمنح القوى الوطنية القدرة على التنفس بحرية، والمناخ الذي يمنح الجميع حق التنافس ويمنح الجميع فرص متكافئة ويحمل الجميع على الحوار وليس على الصراع.