العدد الحادي عشر - آيار 2006

العلاقات المسيحية ـ الإسلامية عبر التاريخ - حلب أنموذجاً

المطران يوحنا ابراهيم - رئيس طائفة السريان الأرثوذكس بحلب
الاحد 4 حزيران (يونيو) 2006.
 
New Page 1

العلاقات المسيحية ـ الإسلامية عبر التاريخ، حلب أنموذجاً. موضوع له وجهان، الأول : يمكن أن يوجه كرسالة إلى العالم، تؤكد على أن العلاقات المسيحية ـ الإسلامية تاريخياً كانت في المستوى العالي المطلوب، أو بعبارة أخرى مرت هذه العلاقات من حيث طبيعتها وفحواها في أقنية صحيحة، مما أدى إلى خلق مناخ وطني في كل المراحل خاصة الصعبة منها.

وثانياً : أن بناة هذه العلاقات المميزة وضعوا أسساً لا تتزعزع لعلاقات أقوى حاضراً ومستقبلاً، وقد يكون هذا الوجه الثاني هو الأهم لأن صفحة الماضي قد طويت، وحتى إذا أساء الواحد إلى الآخر تبقى العِبَر هي الأهم، لأنها تشكّل هذا الأساس لرؤية صائبة تتطلع إلى مستقبل أفضل للعيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين.

New Page 2

 (1)

فإذا عدنا إلى العلاقات المسيحية ـ الإسلامية بشكل عام، لوجدنا أنها ليست حديثة العهد. فالمسيحية ببعض رؤاها ومعتقداتها موجودة في آيات واضحة في القرآن الكريم، نبدأ أولاً بنظرة الإسلام إلى المسيحية، فالآية الكريمة التي تقول : (ولتجدنَ أقربهُم مودةً للذين آمنوا الذينَ قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسينَ ورهباناً وأنهم لا يستكبرونَ) (سورة المائدة الآية : 81). هذا دليل واضح على أن الإسلام منذ اليوم الأول لولادته قد فتح باباً للحوار مع المسيحيين، وبخاصة مع من يمثلهم من القسيسين والرهبان أي رجال الدين المسيحيين.

أما فيما يتعلق في أمر حريتهم وممارسة الشعائر الدينية لديهم، ومكانتهم في المجتمع، ودورهم في بنائه، فنجد أن القرآن الكريم يوصي بحماية بيعهم والتشديد على أن ذكر الله هو دائم في صلواتهم. فأمةٌ آمنت أنها كانت خير أمةٍ أخرجت للناس، آمنت بأن الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر هو مبدأ أساس لها في علاقاتها مع الآخر. لهذا يقول القرآن الكريم : (الذينَ أُخرجوا من ديارِهِم بغيرِ حقٍ إلا أن يقولوا ربُنا الله ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضهم ببعض لهُدمت صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومسجدُ يُذكر فيها اسم اللهِ كثيراً ولينصُرنَ من يَنصُرُهُ إن الله لقويٌ عزيزٌ) (سورة الحج الآية 39). ومما لا شك فيه أن العلاقات بين المسيحيين والمسلمين لا يمكن أن تكون مميزة إلا على مبدأ المساواة. فالعدالة هي الأساس التي تمنح الحرية الكاملة لكل المؤمنين، والقرآن الكريم بيَّن بأن المساواة والعدالة بين الناس، ليس فقط في الشعارات التي ينادي بها الناس، وإنما مبدأ أساس من الإيمان الذي أراده لكل الشعوب (يأيها الناسُ إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفُوا إنَّ أكرمكُم عند اللهِ أتقاكم إنَّ اللهَ عليمٌ خبيرٌ) (سورة الحجرات الآية 12).

وجميل أن نرى أيضاً بين ثنايا الآيات الكريمة في القرآن التطرق إلى عقائد المسيحيين التي جمعت بين الإسلام والمسيحية، وربما يذهب القرآن إلى أبعد من ذلك عندما يُشير إلى الأنبياء الذين سبقوا السيد المسيح ويقول : (قولوا ءامنا بالله وما أُنزلَ إلينا وما أُنزل إلى ابراهيمَ وإسماعيلَ واسحقَ ويعقوبَ والأسباطِ وما أُوتى موسى وعيسى وما أُوتى النبيونَ من ربهم لا نُفرقُ بينَ أحدٍ منهم ونحنُ له مسلمونَ) (سورة البقرة الآية 135). وإذا أردنا أن نُشير ولو باختصار إلى ذكر بعض عقائد المسيحيين في القرآن الكريم لوجدنا أن في بعض الآيات ذكر لمكانة السيدة العذراء، مثلاً في سورة آل عمران نقرأ عن السيدة العذراء : (وإذ قالتِ الملائكةُ يمريم إنَّ الله اصطفاكِ وطهركِ واصطفاكِ على نساءِ العالمين) (سورة آل عمران الآية 41). وهذه هي واحدة من الآيات المهمة في السيدة العذراء، وهكذا الحال في يوحنا المعمدان أو يحيا، إذ يقول القرآن عن والده زكريا : (فنادتهُ الملائكةُ وهو قائمٌ يُصلي في المحرابِ أن اللهَ يُبشركَ بيحيى مُصدقاً بكلمةٍ من اللهِ وسيداً وحصُوراً ونبياً من الصالحين) (سورة آل عمران الآية 39). وعن ميلاد السيد المسيح يقول القرآن الكريم : (إذ قالتِ الملائكةُ يمريمُ إنَّ اللهَ يُبشركِ بكلمةٍ منهُ اسمهُ المسيحُ عيسى ابن مريمَ وجيهاً في الدنيا والآخرةِ ومن المقربينَ) (سورة آل عمران الآية 44). ولا أريد أن أدخل في تفاصيل حياة السيد المسيح في القرآن الكريم، فالآيات الواردة فيه تتناول سيرته وما رافقتها من أحداث مهمة، وهذا له علاقة بعقيدة المسيحيين، والقرآن الكريم والتفسير الإسلامي أدخلا الرؤية المشتركة في بعض العقائد عند المسيحيين والمسلمين في الباب الصحيح.

ومجمل القول أن نظرة الإسلام من خلال القرآن الكريم إلى المسيحية واضحٌ، فهو مبني على أن : وإلهنا وإلهكم واحد (سورة العنكبوت الآية : 45). (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسنُ) (سورة العنكبوت الآية 45). (لا إكراهَ في الدينِ) (سورة البقرة  الآية : 255). أليس هذا المدخل الإيماني هو الأجمل في أن يأخذنا من بدء عالم العلاقات المميزة بين المسلمين والمسيحيين، فإذا كان القرآن الكريم وهو الأساس في الإسلام يحث المسلمين على أن يربطوا علاقات مميزة مع المسيحيين، فهل من أداة أخرى تستطيع أن تغير في رؤية الإسلام إلى المسيحية عبر التاريخ.

(2)

انتقل الآن إلى ما بعد القرآن الكريم، عندما جاء الإسلام كانت المسيحية قد انتظمت كجماعات، وكنائس في مناطق كثيرة من الشرق، وشكّلت لنفسها نظاماً يعرف بالأبرشيات، وهي تعني جماعة من المؤمنين تنضم تحت اسم أبرشية، فيكون لها أسقف يدير شؤونها، وتحت سلطته عدد من الكهنة، وكان الأسقف مفوضاً للحديث باسم الجماعة مع الآخر، وهكذا نقرأ في التاريخ أن المسيحية انتشرت على هذا الأساس في بلاد اليمن، والبحرين، وقطر، وشمال الجزيرة العربية، أما في مكة والطائف، فقد عاش مسيحيون معظمهم من الأحباش.

والمسيحية في بدايات القرن السابع كانت قد أخذت شكلها بعد الانقسامات المريرة التي مرت عليها، فلم يكن في هذه البلاد سوى أتباع كنيسة أنطاكية من سريان وملكيين (أي أتباع الملك)، وأتباع كنيسة المشرق أي النساطرة. إذاً فاحتكاك المسلمين بعد القرن السابع للميلاد كان حصراً مع السريان والملكيين وهم الروم الأرثوذكس اليوم والنساطرة.

وإذا كانت احتفاليتنا بعنوان : حلب عاصمة الثقافة الإسلامية، فلا بد أن نتطرق إلى أهم المراكز الثقافية في المشرق من باب التأكيد على أن الآيات الكريمة في القرآن قد تجسدت في هذه المراكز. فالإسكندرية مثلاً أصبحت مركزاً مميزاً لنقل الثقافة اليونانية إلى الشرق، ولهذا يتفق المؤرخون على أن الثقافة الإغريقية التي كانت تنشر بواسطة الدولة الرومانية والكنيسة المسيحية لم تكن وافدة من أثينا بل قادمة في الأساس من الإسكندرية قبل المسيحية وبعدها، وأصبحت مدرستها ملتقى الشرق والغرب، والمسيحية تعتز بمآثر هذه المدرسة التي كانت قائمة حتى بعد الفتح العربي لـ (مصر) إذ اتصل المسلمون بها، وأثناء الدولة الأموية استدعى خالد بن يزيد بن معاوية بعض العلماء منها وكلفهم ترجمة كتب الكيمياء إلى اللغة العربية، وكما يذكر ابن النديم في الفهرست (أن مارسرجويه في عهد مروان أو في عهد عمر بن عبد العزيز قد ترجم كتاباً لأهرون القس من السريانية إلى العربية)، وحرّان التي كانت عاصمة لإمارة فدان أرام بقيت مركزاً مهماً من مراكز الثقافة الآرامية فترة طويلة من الزمن. وعندما جاء الإسلام عرف عدداً كبيراً من العلماء منهم ثابت بن قرة من القرن الثالث الهجري وهو الذي أوصله محمد بن موسى بن شاعر إلى المعتضد وأدخله في جملة المنجمين وبقيت حران مركزاً مهماً من مراكز الثقافة اليونانية التي أطلت على العالم الإسلامي وقتاً طويلاً.

أما جنديسابور التي كتب عنها كل من اليعقوبي وياقوت وابن الأثير والتي أصبحت مركزاً مهماً للنشاط الفكري، ونقلت من خلال مدرستها الفلسفة اليونانية إلى الفارسية خدمت هي الأخرى العرب حتى قبل الإسلام، وعندما فتحها المسلمون في أيام عمر بن الخطاب، استمرت المدرسة فيها واستفاد المسلمون من مدرستها الطبية وتلقحت بها، ولا ننسى هنا أسرة بختيشوع التي تمتعت بمكانة مرموقة أيام العباسيين وامتدح بروكلمان هذه الأسرة في كتابه : تاريخ الشعوب الإسلامية. وإذا تقدمنا قليلاً إلى الجزء الشمالي الغربي من بلاد ما بين النهرين لبانت مدينة الرها بكل شموخها وهي التي أصبحت قروناً طويلة عاصمة للآداب السريانية من إقليم أسروين بل في كل بلاد ما بين النهرين، ومدرستها التي أعطت للمنطقة والعالم عدداً كبيراً من العلماء والأدباء والشعراء منهم مار أفرام السوري أو السرياني، الذي أردنا في هذه الاحتفالية ـ احتفالية حلب كعاصمة الثقافة الإسلامية أن نتخذ منه أنموذجاً للعطاء الفكري المسيحي. هذه المدينة الرها أيضاً أصبحت واحدة من المراكز التي التقى فيها المسلمون والمسيحيون فتلاقت أياديهم مع بعضها وأخذ الواحد من الآخر وأعطى الواحد للآخر فتكونت هذه العلاقة الفريدة من نوعها بين أبناء الديانتين. أما نصيبين فقبل الإسلام وبعد الإسلام بقيت مدرستها شامخة ناطقة باسم الأجيال وتعاونت في نقل الفكر مثل بقية المدارس في المنطقة إلى العرب. 

وفي هذا المضمار لا بدّ من الإشارة إلى الجهود المشتركة بين المسيحيين ومنهم السريان والعرب المسلمين في الحضارة العربية قبل الإسلام. وهنا نذكر دولة الأنباط وتدمر والغساسنة وكانت عاصمتهم بصرى والحيرة التي يبدو أن العنصر العربي كان يمثّل الارستقراطية الحاكمة فيها. أما سكانها فكانوا من الآراميين السريان المسيحيين، وقامت في المدينة بيع كثيرة وأديرة مثل دير هند الكبرى ودير هند الصغرى. وعن دير هند الكبرى يقول التاريخ :

" بنت هذه البيعة هند بنت حارث بن عمرو، بن حجر، الملكة بنت الأملاك، وأم الملك عمرو بن المنذر" كما ورد على لسان البكري. ولا ننسى أن نأتي على ذكر نجران وعلاقتها بالرسول العربي الكريم محمد. ففي كل هذه المدن تشابكت ثقافات العرب قبل الإسلام مع المسيحيين.     

وبعد الإسلام نرى أنّ النشاط الفكري للسريان في ظلّ الأمويين بارزة  خاصة في موضوع بناء الثقافة الإسلامية فالأمويون اهتموا بأن يجعلوا الدولة عربية خالصة ولكنّهم ساعدوا كثيراً على قيام مراكز ثقافية مثل الكوفة والبصرة حيث كانا مركزي لقاء للثقافات العربية والفارسية.

واشترك النصارى والمسلمون واليهود في إبراز هذا الدور. وفي أيام الأمويين تأثّر المسلمون العرب بالسريان في موضوع ضبط اللغة العربية. وفي العصر الأموي عُرف مار يعقوب الرهاوي وهو سوري المولد وقد أُثِرَ عنه انه أفتى رجال الدين من النصارى بأنّه يحلّ لهم أن يعلّموا أولاد المسلمين التعليم الراقي. وهذه الفتوى تدلّ من غير شك على إقبال بعض المسلمين في ذلك العصر على دراسة الفلسفة عليهم وتردد النصارى أولاً في تعليمهم. 

هذه وغيرها من الأمثلة في التاريخ العربي بعد الإسلام يؤكد على أن العلاقات المسيحية ـ الإسلامية كانت على مستوى رفيع واستمرت حتى أيامنا.

 

(3)

أما حلب فتبقى من المدن النموذجية بخلفياتها التاريخية، وتراثاتها، وغناها في مجالات متعددة، وربما هذا هو السبب الذي توقفّت عنده منظمة المؤتمر الإسلامي عندما اختارتها لتكون عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2006. فمنظمة عالمية تحترم نفسها، خاصة وأنها تضمّ عدداً كبيراً من أصحاب الرأي والباحثين والعلماء، لا تستطيع أن تمنح مدينة ما اسماً، أو عنواناً، أو مكانةً، أو دوراً، دون أن تستند على معطيات تبرر قرارها.

فإذا عدنا إلى تاريخ حلب لوجدناه غنياً، لأنّ العصور التي مرّت بها المدينة تبدأ من أيام الأكاديين والآشوريين، وبعض المؤرخين يعيدون جذورها إلى الحثيين. وإذا كان هذا التاريخ القديم غير واضحٍ كلياً، بسبب المصادر التاريخية غير المتوفرة حتى تاريخه أولاً، وللبعد الزمني الفاصل بين نشوئها، ومرورها بمراحل زمنية متعددة ثانياً، وما مرّ عليها من فتوحات وغزوات وكوارث طبيعية وأحداث هامة ثالثاً، ولكن تجدر الإشارة إلى أن المدينة قد ذُكرت في الألف الثانية قبل الميلاد في وثائق (بوغازكوي) من جهة، وفي النصوص البابلية، أي في المعاهدة بين (آشور نراري) و(ماتو إيلو) حوالي عام /750 ق.م/ من جهة أخرى، وكذلك في النصوص المصرية في القرن السادس عشر قبل الميلاد. وبعض المؤرخين يشيرون إلى أن (إرم صوبا) الوارد ذكرها في العهد القديم هي حلب.

ولكن عندما نصل إلى القرن الرابع قبل الميلاد، نجد أن الروايات التاريخية تنسب إعادة بنائها إلى سلوقس نيكاتور اليوناني، الذي أطلق عليها اسم (بيروه) أو(بيرويه) وكان يفضّلها كثيراً، وإليه أيضاً يُشير التاريخ في بناء القلعة الشامخة التي هي من أهم رموز ومعالم هذه المدينة. هذا وقد قاست حلب الأهوال عند غزو كسرى الأول لها عام /540 ق.م/.

وقبل الفتح العربي دخلت المسيحية إلى حلب. ونظراً لأهمية موقع المدينة وانتشار المسيحية فيها بكثافة، وظهور شخصيات دينية بارزة على مسرحها، اعتبر كرسيها الأسقفي واحداً من أهم الكراسي التابعة للكرسي الأنطاكي، وكانت أنطاكية عاصمة سورية والمركز الأهم للمسيحية في كل الشرق، وقد جلس على كرسي حلب أساقفة ومطارنة منذ نهايات القرن الثالث للميلاد، وبرزت بعض أسماء لأولئك الأساقفة في عالم الفكر والعطاء، وبينهم من تبوأ منصب بطريرك أنطاكية، مثلاً : الأسقف أوسطاثيوس نُقِلَ إلى كرسي أنطاكية سنة             /324 م/، واشتهر أقاق بين مطارنة حلب، وغيرهما من الأساقفة الذين أغنوا تاريخ حلب في عطاءاتهم المتنوعة. هذا وعقدت في المدينة ذاتها مجامع كنسية ذات شأن وتأثير في تاريخ كنيسة المشرق.

وبعد فتح حلب أي عندما أصبحت تحت ظلّ الحكم العربي، نرى أن مفهوم العيش المشترك والإخاء الديني يبرز في أعلى الدرجات، فأهم نقطة ظهرت في التاريخ بعد الفتح العربي، كان الأمان الذي أعطاه العرب لأهل حلب خاصة على حياتهم، وكنائسهم، ومنازلهم، واحتفظ المسيحيون بخمس كنائس كانت مبنية ومعروفة قبل الفتح العربي، وهنا تتجلى أروع صفحات التلاحم بين أبناء المدينة الذين انتموا إلى الديانتين المسيحية والإسلامية، وعاشوا تحت كنف هذا المفهوم قروناً طويلة. فهذه التعددية التي أصبحت من أهم سمات مدينة حلب رافقت سكانها في كل العهود التي مرّت على المدينة، ولا يمكن أن يتجاهل الإنسان كل هذا التاريخ الغني الذي مرّ على مدينة حلب، خاصةً وأنّ لغات عدّة، وخلفيات تاريخية كثيرة، وشعوب متنوعة، وإدارات سياسية متباينة، وعلاقات مميّزة مع الجوار من ممالك صغيرة، ودويلات نشأت هنا وهناك في المنطقة، وحصل احتكاك مباشر بحضارات وثقافات، وكلّها أثّرت بشكل أو بآخر على هذا التنوع الذي عرفته مدينة حلب، بل أكّدت على أن التعددية في الاثنيات، واللغات، والثقافات، ليست إلاّ مصدر غنى لواقع مدينة حلب، التي مازال يتفاعل فيها هذا التنوع المميز من تاريخها. وكم أثّر هذا التنوع في التعددية في أبناء حلب، إذ نراه حتى اليوم في الغنى بالتراث العمراني، والثقافي، والاقتصادي، والفكري. فحلب لأكثر من سبب أصبحت من أهم المحطات التجارية على طريق الحرير، والمدينة ضمّت كل الأديان قبل المسيحية والإسلام، وعاشت فيها كل الطوائف والمذاهب، وتركت هذه الديانات والمذاهب آثارها في الأوابد والكنائس والمساجد، التي مازالت تشهد على عمق التاريخ المتجذّر في قلوب أبنائها.

والذي حصل في بلاط سيف الدولة الحمداني، عندما جمع كبار أعلام الفكر والأدب مثل : المتنبي والأصفهاني والخوارزمي والفارابي، هو الأنموذج الذي عرفته حلب في كل العهود التي مرّت عليها تحت ظلّ الحكم العربي.

وقد أصاب ِياقوت الحموي في كتابه الشهير : معجم البلدان، كبد الحقيقة عندما  قال : حلب مدينة عظيمة واسعةٌ، كثيرة الخيرات، طيبة الهواء، صحيحة الأديم والماء... وفي قبلي الجبل جبّانة واحدة يسمونها المقام، بها مقام لإبراهيم عليه السلام، وبظاهر باب اليهود، حجر على الطريق يُنذَر له ويُصب عليه ماء الورد والطيب، ويشترك المسلمون واليهود والنصارى فيُقال أنّ تحته قبر بعض الأنبياء. وهذا دليل آخر على تعددية الأديان والمذاهب في مدينة حلب.

وفي كتاب : بغية الطلب في تاريخ حلب، الذي صنّفه ابن العديم، نقرأ باباً في ذكر ما بحلب وما بأعمالها من المزارات، وقبور الأنبياء والأولياء، والمواطن الشريفة التي بها مظان إجابة الدعاء. فابن العديم يؤكّّد على أنّ قلعة حلب فيها مقام إبراهيم الخليل، أمّا المقام التحتاني فكان موضعه كنيسة للنصارى إلى أيام بن مرداس، وفي المقام الأعلى رأس يحيا بن زكريا موضوع في جرن من الرخام في خزانة.

فربط المدينة وتاريخها بابراهيم الخليل، والكنائس، والمساجد، والمزارات بأسماء الأنبياء والأولياء، كل ذلك تأكيد على أن التعددية في الأديان والمذاهب لم تكن حاجزاً بين الإنسان وأخيه الإنسان، بل أن العيش المشترك الذي أصبح واحداً من سمات هذه المدينة نراه يتفاعل ويتجلى في آن في كل العهود. ففي ظل الحكم العربي بدءاً من أيام الخلفاء الراشدين، ومروراً بالأمويين، ثم العباسيين، نرى أن المدينة بتنوع خلفياتها الاثنية، واللغوية، والدينية، المذهبية، تقف معاً من أجل الدفاع عن المدينة من كل التعديات والتحديات التي قد تحصل لها أو عليها. ثم أثناء حروب الفرنجة لم يقف المواطنون من كل الأطياف، والشرائح، والأديان، والانتماءات، والمذاهب، مكتوفي الأيدي تجاه غزوات الفرنجة الذين جاؤوا من أوروبا محتلين، ودخلوا هذه البلاد غزاة، ودمروا أولاً أهم المعالم المسيحية بدءاً من القسطنطينية، ومروراً بالرها، ثم مرعش، وأنطاكية، وحلب، ووصولاً إلى بيت المقدس، وكان على المسيحيين أن يدافعوا مع المسلمين عن كرامتهم ويحموا مدينتهم من الخراب، وهكذا الأمر في عهد الأيوبيين. إلى أن استولى هولاكو على حلب، وقد شهد مطران حلب السرياني يومئذ العلاّمة (ابن العبري) أثار هذا الغزو المغولي الغاشم بقيادة هولاكو حفيد جنكيزخان، وسقوط حلب، ومقتل ما يقارب الخمسين ألفاً من الأهالي بحد السيف، وكان المطران ذاته قد زار هولاكو مستعطفاً لئلا يفتح مدينة حلب عنوةً ويقتل أهلها. ونقرأ في التاريخ أن المسيحيين مع المسلمين تعاونوا في سبيل إبعاد المدينة عن المخاطر، وأن جند التتر أشاعوا الخوف في نفوس الحلبيين وأنزلوا بهم ضروب القسوة ألواناً وأشكالاً. ومجمل القول أن التعددية الدينية والمذهبية في تاريخ مدينة حلب بكل مراحلها، لم تكن عائقاً أمام التلاحم الوطني من جهة، وبث مفهوم الإخاء الديني بين المواطنين من جهة ثانية، وليس هذا فحسب، بل أن مكانة حلب التجارية والشهرة الني نالتها، بأبوابها، وأسواقها، وحماماتها، وأوابدها، وكنائسها، ومساجدها، وبيوتها، وكل آثارها التاريخية، ورجالات الفكر فيها الذين أغنوا المكتبة العربية بأبحاثهم، وكتاباتهم، وقصائدهم، ومآثرهم القلمية التي أغنت المكتبة العربية، كلها دخلت ضمن هذه التعددية التي تنادي بها المدينة، لا بل تؤكد عليها من مبدأ أن اختيار مدينة حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، لم يكن بالأمر السهل لولا أن كل هذا الغنى التاريخي، والأبعاد الفكرية، والصناعية، والتجارية، والسياحية، قد شكّلت محطة مهمة من محطات المدينة وما جاورها من المدن. وعندما تمتد الثقافة الإسلامية بكل أبعادها لتشمل عطاءات المسيحيين الذين عاشوا في المدينة قبل الإسلام، وعاشوا مع أخوتهم المسلمين قروناً طويلة، وامتدت أياديهم في كل مجالات التعاون من خلال عطاءاتهم المتنوعة، وتركوا بصمات في كل المجالات المذكورة، دون أن ننسى صفحة النضال المشتركة، سيما أيام الانتداب وقبله، خاصة أثناء حروب الفرنجة، كل هذا يؤكد على أن حلب كما كانت في الماضي أنموذجاً للتعددية الدينية، والثقافية، واللغوية، والاثنية وهكذا اليوم تبقى الأنموذج الحي لهذا المصير المشترك الذي يجمع بين أبناء الوطن الواحد.