العدد الحادي عشر - آيار 2006

ما هو اللوبي الاسرائيلي وماذا يعني؟

الاحد 4 حزيران (يونيو) 2006.
 

 تُستخدم كلمة لوبي كرمز لـ"تحالف حر لأشخاص ومنظمات" يعملون بنشاط لصنع السياسة الخارجية الأمريكية باتجاه مؤيد لاسرائيل.

يتألف جسم اللوبي من اليهود الامريكان الذين يقومون بمجهود كبير في حياتهم اليومية لقلب وتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية كي توافق المصالح الاسرائيلية.

وتذهب نشاطاتهم إلى أبعد من انتخاب مرشح مؤيد لاسرائيل, لتصل إلى مساهمات مالية, وكتابات, ودعم منظمات مؤيدة لاسرائيل, ودعم السياسة التوسعية الاسرائيلية التي كان ينهجها حزب الليكود وهم معادون لعملية السلام في اوسلو, ويتشاورون مع الضباط الاسرائيليين حتى يزيدوا من تاثيرهم على امريكا. ونادراً ما يدعمون الضغط على اسرائيل. وفد شكلوا تجمعاً نظامياً ضاغطاً من المنظمات ,

والـAIPAC هو الأكثر شهرة والاكثر قدرة وقوة, وهو الثاني بين اللوبيات الامريكية.

 

ويضم هذا اللوبي مسيحيين انجيليين مرموقين مع معظم القادة السابقين في البيت الأبيض. فهم يعتقدون ان اعادة بناء اسرائيل جزء من النبوءة التوراتية فيدعمون برنامجها التوسعي معتقدين ان الضغط عليها هو ضد إرادة الله.

ويتتضمن اللوبي في عضويته أيضاً نخبة من المحافظين الجدد مثل جون بولتون وروبير بارنلي .....

 ما يميّز اللوبي الاسرائيلي هو فعاليته الفائقة حيث يعمل بطريقة أفضل بكثير من المجموعات الأخرى. اما المجموعات التي تمثل المصالح العربية فهي ضعيفة إلى غائبة تماماً, مما يجعل مهمة اللوبي الاسرائيلي اكثر سهولة.

نفذ اللوبي خطتين استراتيجيتين لكسب دعم امريكا لاسرائيل:

الخطة الاولى:  الضغط على الكونغرس, وعلى الجهاز التنفيذي. فمهما كانت وجهة نظر المشرِّع او السياسي, يحاول اللوبي ان يجعل من دعم اسرائيل الخيار السياسي الأفضل له.

الخطة الثانية: يحاول اللوبي ان يتضمن الخطاب العام عن اسرائيل إضاءة إيجابية وذلك بتكرار الخرافات المؤسسة لها وبنشر وجهة نظرها في الجدل السياسي الحاضر, وبتجنب حصول أي تعليق نقدي ضدها داخل الحلبة السياسية, بالمراقبة الشديدة للجدل الدائر حولها, لأن النقاش الشفاف والصادق للعلاقات الاسرائيلية- الامريكية قد يؤدي بالامريكان إلى تفضيل سياسة اخرى.

الدعامة الأساسية لفعالية اللوبي هي التأثير على الكونغرس الأمريكي, حيث فيه تكون اسرائيل معصومة عن الانتقاد. هذا الأمر هو بحد ذاته ملفتاً للنظر لأن الكونغرس لا يستثني أي موضوع قابل للنقاش والجدل سواء أكان متعلقاً بالإجهاض آو بالعناية الصحية أو بأي شأن ٍ آخر, لكن عندما يكون الموضوع متعلقاً بإسرائيل, ومهما كانت الانتقادات قوية, فهي تغيب في الصمت ولا يحصل أي نقاش حولها ولو كانت نتائجها سيئة للعالم برمته.

ويكمن وراء نجاح اللوبي في الكونغرس هو أن بعض أعضائه المهمين هم من المسيحيين الصهاينة أمثال "ديك آرمي" الذي صرًّح في أيلول 2002

"إن أولوياتي في السياسة الخارجية هي حماية إسرائيل". !

بينما الشأن الطبيعي أن تكون أولوية رجل الكونغرس هي:"حماية أمريكا", لكن هذا ليس ما قاله آرمي. ويوجد أيضا برلمانيون من اليهود وموظفون في الكونغرس هم أيضا مصدر قوة للوبي.

كيف يحصل اللوبي على هذا الدعم في الكونغرس؟

تقوم منظمة الـAIPAC  بمكافأة المشرعين والمرشحين للكونغرس الذين يدعمون اجندتها, وتعاقب الذين يتحدونها. فالمال هو موضوع حرج في الانتخابات الأمريكية. ولا شك أن هذا التكتيك قد اظهر فعالية. ويشرح توماس دين رئيس هذه المنظمة قائلاً أن كل يهود أمريكا يسعون لاخراج أي مرشح يحاول طرح مساءلة حول اجندتهم. وتأثير منظمة "الإيباك" في الكابيتول يطال الكثير من المواضيع, فأعضاء الكونغرس وموظفيه يتوجهون إلى تلك المنظمة ليأخذوا منها المعلومات قبل أي مصدر ٍ آخر وحتى قبل آن يتوجهوا أو يسألوا مكتبة الكونغرس أو مكتب بحوث الكونغرس أو الخبراء الإداريين, والأهم من ذلك أن منظمة الإيباك هي التي تخطط الاجتماعات وتعمل في التشريع وتعطي مشورتها في التكتيك, إلخ...

رغم أن اليهود هم أقلية في الشعب الأمريكي (اقل من 3 %) لهم تأثير على الجهاز التنفيذي لأنهم يقومون بحملة تبرعات لمرشحين من الحزبين في أثناء الترشيح للرئاسة. وقد قدرت الواشنطن بوست إحدى المرات:أن المرشح الديمقراطي للرئاسة قد اعتمد في تمويل حملته الانتخابية بـ 60 % منها على اليهود. وبما أن الناخبين اليهود متمركزين في ولايات مثل كاليفورنيا وفلوريدا وإلينوي ونيويورك وبينسيلفانيا, لذلك لن يتمكن المرشح الرئاسي من مناهضتهم.

ومن خطط منظمات اللوبي استهداف السلطة الإدارية, وكل من يطمح إلى العمل السياسي ينبغي عليه آن يصبح داعماً صريحاً لإسرائيل, لذلك اصبح الانتقاد العام لسياسة إسرائيل موضوعاً خطراً في مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية.

ولا يزال هذا الموضوع فاعلاً حتى يومنا هذا. 

 يقوم اللوبي بعمل ٍ دؤوب للتأثير على وسائل الاعلام والأكاديمية لأن مثل هذه المؤسسات حاسمة في تكوين الرأي العام.

يدعي زعماء اسرائيل انها تستحق دعم الولايات المتحدة دون تحفظ:

اولاً) لأنها بلد ضعيف ومحاط بالأعداء,

ثانياً) لأنها بلد ديمقراطي, أي شكل حكومي مفضَّل اخلاقياً؛

ثالثاً) لأن الشعب اليهودي قد عانى كثيراً من جرائم ارُتكبَت بحقه في الماضي, ولذلك فهو يستحق معاملة خاصة,

رابعاً) لأن سلوك اسرائيل كان أفضل اخلاقياً من سلوك اعدائها.

وبعد البحث والتمحيص, تبيّنَ ان كل هذه الحجج غير مقتعة. يبدو السلوك الاسرائيلي الماضي والحاضر لا يستند إلى أسس اخلاقية كي تكون مميزة عن الفلسطينيين. لقد عذبت الشرطة الاسرائيلية السجناء الفلسطينيين واهانتهم واهانت المدنيين منهم واستعملت ضدهم القوة. ووزع الجيش في الانتفاضة الأولى عصي وهراوات على فرقه وشجعهم على تكسير عظام الفلسطينيين الثائرين. 

وكان رد فعل اسرائيل في الانتفاضة الثانية أشدّ وامضى من قبل إذ تحولت إلى آلة لنشر الرعب والهلع وقد اطلق الجيش مليون طلقة في الأيام الأولى للإنتفاضة وهذا بحد ذاته أبعد من أي رد ٍ متوازن. ومنذئذ ٍ قتلت اسرائيل 4 فلسطيني مقابل كل اسرائيلي يموت, وكانت غالبيتهم ابرياء من المتفرجين. كما ان معدل موت اطفال فلسطين كان مرتفعاً, وقد قتل الجيش الاسرائيلي العديد من الأجانب الناشطين في عملية السلام بما فيهم الإمراة الامريكية التي جرفها البولدوزر في آذار 2003 ولها من العمر 23 سنة. فأدان ضباط من الشين بت سلوك اسرائيل خلال الانتفاضة الثانية عام 2003 وصرّحوا بأن: "سلوك اسرائيل لا اخلاقي".

 تشكل اسرائيل اليوم اضخم قوة عسكرية في الشرق الأوسط, وجيوشها الرسمية تفوق بقواها كل قوى جيرانها, وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك اسلحة نووية. 

اما سوريا, فقد فقدت داعمها السوفييتي, والعراق أُبيد من خلال ثلاث حروب كارثية, وإيران تبعد مئات الأميال. واما الفلسطينيون فلا يمتلكون سوى جهاز شرطة يكاد يفي بالحاجة, دون ذكر القوة العسكرية التي تهددهم بها اسرائيل.

وتبعاً لتقييم ٍ اجراه مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل ابيب لعام 2005

فإن "التوازن الاستراتيجي هو حكماً لمصلحة اسرائيل, التي استمرت بتوسيع الثغرة النوعية بين قدرتها العسكرية الذاتية, وقواها الوقائية, وبين قوى جيرانها[1].

فإذا كانت مساندة الضعيف التزاماً تجاه قيمة الانصاف, فحريّ بالولايات المتحدة ان تساند اعداء اسرائيل.

 تساؤل امريكي اكاديمي:

 هل نحن نساعد ديمقراطية صديقة شبيهة بديمقراطيتنا؟

تُبرَّر المساعدات الامريكية غالباً بزعم ان اسرائيل هي دولة ديمقراطية - صديقة محاطة بديكتاتوريات معادية. في الواقع, حاربت الولايات المتحدة في الماضي حكومات ديمقراطية ودعمت ديكتاتوريات عندما كان يُظن ان ذلك يصب في مصالح الولايات المتحدة, ولها اليوم علاقات جيدة مع عدد لا باس به من الديكتاتوريات. وبالتالي, ان تكون اسرائيل  ديمقراطية لا يبرِّر ولا يفسِّر دعم امريكا لها.

 

هذه "الديمقراطية المقدَّمة كحجة, أضعفها السلوك الاسرائيلي الذي يتناقض مع عمق

القيم الامريكية ومفاهيمها الديمقراطية التي هي ديمقراطية ليبيرالية يتمتع فيها جميع افراد الشعب بحقوق متساوية مهما كان العرق او الدين او الاثنية. لكن على النقيض من ذلك, أُسِّست اسرائيل بشكل واضح ٍ وصريح كدولة يهودية وفيها ترتكز المواطَنة على مبدأ الرابطة الدموية[2] والدينية. نظراً لهذا المفهوم الخاطيء في المواطنة, يصبح بديهياً ولا يفاجئنا ان  1.3 مليون عربي الموجودون في اسرائيل يُعاملون على انهم مواطنون من الدرجة الثانية, ودل التقرير الحديث للجنة الحكومية في اسرائيل ان تصرف هذه الدولة تجاه العرب هو "الاهمال والتمييز" ضدهم[3].

ولا تسمح اسرائيل للفلسطينيين الذين تزوجوا مواطِنة اسرائيلية بان يصبحوا مواطنين, ولا تعطي لهذه الزوجات الحق في العيش ضمن اسرائيل.

وقد اطلقت منظمة حقوق الانسان الاسرائيلية التي تدعى "بيت سليم" على هذا الحرمان اسم قانون عنصري لأنه يحدِّد ويعيّن من يمكن له العيش في هذا البلد وفقاً لمعايير عرقية[4].  قد تكون هذه القوانين معطية مفهومة بالنسبة إلى المباديء المؤسِّسة لإسرائيل, لكنها لا تتطابق مع التصوّر الأمريكي للديمقراطية.

كما ان الوضع الديمقراطي الاسرائيلي مقوَّض برفضها منح الفلسطينيين دولة آمنة مستقلة. وتتحكم اسرائيل بحياة حوالي 3.8 ملايين فلسطيني في غزة والضفة الغربية, بينما هي تستوطن اراض ٍ عاش عليها الفلسطينيون على الدوام. فاسرائيل هي ديمقراطية شكلاً فقط, لأن الملايين الفلسطينيين الذين تحكمهم تحرمهم الحقوق السياسية, فالحجة على انها "ديمقراطية مشاركة" ونظيرة لديمقراطيتنا هي حجة ضعيفة.

العراق, ثم سوريا ثم ايران

عدا الكويت, كانت إسرائيل البلد الوحيد في العالم الذي أيّد فيه السياسيون والعامة فكرة الحرب على العراق بحماسة فائقة. في واقع الآمر, كان الإسرائيليون متحمسون للحرب لدرجة آن حلفاؤهم في أمريكا طلبوا منهم تخفيف لهجتهم حتى لا تظهر الحرب على أنها من اجل إسرائيل.

كان خلف الحرب على العراق زمرة صغيرة من المحافظين الجدد قريبين جداً من حزب الليكود الإسرائيلي, وقد حصل اللوبي على دعم أصواتهم تأيداً للحرب. وكان هؤلاء المحافظون الجدد قد حسموا رأيهم على الإطاحة بصدام قبل آن يصبح بوش رئيساً, لكنهم لم يتمكنوا من تحقيق ذلك حتى في بدايات إدارة بوش. فهم كانوا بحاجة لمساعدة نوعية فأتتهم من هجمات 9 / 11 , كان هذا حدثاً سعيداً بالنسبة إليهم لأنه جعل بوش وشيني يحسمان رأيهما ويقرران الإطاحة بصدام.

 

 قصف سوريا

لم يحاول القادة الإسرائيليون قبل 2003 دفع بوش للهجوم على سوريا لأنهم كانوا منشغلين بدفعه للحرب على العراق. لكن بعد آن سقطت بغداد في منتصف نيسان, بدأ شارون وضباطه باستعجال واشنطن لاستهداف سوريا. وفي 16 نيسان قام شارون ووزير دفاعه شاؤول موفاز بتصريحات في الصحف, طالب فيها عبر يديعوت احرونوت, الولايات المتحدة بتطبيق ضغوط على سوريا. وصرح افرائيم هاليفي مستشار الأمن القومي انه حان الوقت لمحاسبة سوريا. أما ريتشارد بيرل فقد قال لأحد الصحفيين:"قد نبعث برسالة قصيرة, من كلمتين لأنظمة معادية أخرى في الشرق الأوسط: "انتم اللاحقون". وقد كتب لورنس كابلان في 21 نيسان, أن الرئيس السوري يشكل تهديداً حقيقياً لأمريكا!

آما في الكابيتول فقد ادخل إليوت إنكل " فكرة "محاسبة سوريا واعادة السيادة اللبنانية وذلك في 12 نيسان. وهددها بعقوبات إذا لم تنسحب من لبنان وإذا لم تتوقف عن مساندة الإرهاب, وطلب منها ومن لبنان اتخاذ خطوات ملموسة باتجاه السلام مع إسرائيل. حظي هذا التشريع بدعم قوي من اللوبي. لكن إدارة بوش لم تكن متحمسة له, ومع ذلك نجح الضغط المعادي لسوريا ووقع بوش على القانون في كانون الأول 2003. لكن إدارته ظلت منقسمة حول الحكمة من استهداف سوريا في ذلك الوقت. فالمحافظون الجدد كانوا متحمسين لضرب سوريا آما المخابرات المركزية وادارة الدولة فكانوا ضد ذلك. وحتى بعد آن وقّع بوش على القانون الجديد, أكد انه سينفذه ببطء.

يمكن فهم تردد بوش  بشكل ٍ جيد. . إن سوريا لم تكن على علاقة سيئة مع أمريكا قبل الحرب على العراق ( أنها صوتت لصالح قرار الأمم المتحدة 1441), وهي لم تهددها. فالتعامل بشكل خشن مع سوريا يجعل الولايات المتحدة تبدو وكأنها تهوى ضرب الدول العربية. وأخيراً, وضع سوريا على لائحة أعداء أمريكا قد يعطي دمشق دافعاً قوياً لإثارة الاضطرابات في العراق.

 يصرّ الكونغرس على استهداف سوريا تلبية لضغط من الضباط الإسرائيليين ومن المجموعات المؤيدة لإسرائيل مثل الـAIPAC.

لو لم يكن هناك لوبي, لما كان قانون محاسبة سوريا ولكانت سياسة الولايات المتحدة تجاه دمشق اكثر انسجاماً مع المصالح القومية الأمريكية.

العداء ضد إيران

يحاول الإسرائيليون وصف كل تهديد على انه حالة قصوى, ويعتقدون ان إيران هي اخطر الأعداء لأنها أقدرهم على اقتناء أسلحة نووية. كل سكان إسرائيل يعتبرون أن كل بلد إسلامي في الشرق الأوسط ويملك أسلحة نووية, يشكل خطراً حقيقياً ضدهم. وقد بدأ شارون علناً بدفع الولايات المتحدة لمواجهة إيران منذ تشرين الثاني 2002, ووصفها على أنها "مركز الإرهاب العالمي" وتحاول اقتناء أسلحة نووية, وانه ينبغي على إدارة بوش أن تتجه ضدها بالقوة.

 وكُتب العديد من المقالات من قبل المحافظين الجدد مفادها ان تحرير العراق كان المعركة الكبيرة الاولى لمستقبل الشرق الاوسط... لكن المعركة الكبيرة القادمة ستكون لايران, لكننا نأمل ألا تكون عسكرية! وقد مارس اللوبي ضغطاً على الكونغرس للموافقة على اصدار قانون تحرير ايران الذي يقضي ايضاً بفرض عقوبات عليها. كما ان الضباط الاسرائيليون قد حذّروا بانهم قد يقوموا بعمل استباقي اذا استمرت ايران في برنامجها النووي, وذلك لجر انتباه واشنطن باستمرار حول هذا الموضوع.

لكن طموح ايران النووي لا يشكل مسألة بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فإذا كان بإمكان امريكا العيش مع سلاح الاتحاد السوفييتي النووي والصيني او حتى مع الكوري الشمالي, فهي إذاً بامكانها العيش مع النووي الايراني, لذلك يقوم اللوبي بتطبيق ضغط مستمر على السياسيين الامريكيين لمواجهة طهران.

خلاصة

لا يدهشنا ولا يفاجئنا ان اسرائيل وداعميها الامريكان يريدون ان تتصرف الولايات المتحدة بنفسها ضد كل من وما يهدد أمن اسرائيل, أي أن تنفذ اغلب المعارك والقتل واعادة البناء ودفع التكاليف.

 والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن للوبي ان ينقص ويتراجع؟

 نتمنى ذلك نظراً للمعضلة العراقية, والحاجة الواضحة لإعادة بناء الصورة الامريكية في العالمين العربي والاسلامي, ونظراً لما بدر من موظفي الـAIPAC الذين نقلوا اسرار الحكومة الامريكية إلى اسرائيل...

بالمختصر, هناك اسباب قوية عند قادة الولايات المتحدة تدفعهم للابتعاد عن اللوبي ولتبنّي سياسة شرق اوسطية اكثر اتزاناً واكثر تلاؤماً مع المصالح الامريكية الخارجية. كما ينبغي  استخدام القدرة الامريكية لاتمام مسيرة السلام بين اسرائيل والفلسطينيين, الأمر الذي يعطي مجالاً اوسع لمحاربة التطرف ونشر الديمقراطية.

لكن يبدو ان ذلك  لن يحصل بين ليلة وضحاها. فالـAIPAC وحلفاؤها (بمن فيهم المسيحيين الصهاينة) ليس لديهم اعداء خطرين في عالم اللوبيات. وهم يعلمون ان الموضوع الاسرائيلي قد اصبح معادلة صعبة في يومنا هذا, لذلك يلجؤن إلى توسيع نشاطاتهم وزيادة موظفيهم. وبالاضافة إلى ذلك فإن السياسيين الامريكيين حساسين جداً تجاه المساهمات (المالية) في الحملات الانتخابية وتجاه الاشكال الاخرى من الضغوط السياسية, كما ان وسائل الاعلام تبقى متعاطفة مع اسرائيل مهما فعلت ومهما حصل!

وهذا الوضع مقلق للغاية لأن تأثير اللوبي يسبب اضطرابات على جبهات عدة. فهو يُزيد من خطر الارهاب الذي تواجهه كل الدول بمن فيها حلفاء امريكا. ولما كان اللوبي يمنع القادة الامريكان من الضغط على اسرائيل لتحقق السلام, فهو بذلك يسبب استحالة في انهاء الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني. كما يعطي هذا الوضع للمتطرفين اداة تجدد قوية ويضاعف من مجمل القدرة الارهابية ومن المتعاطفين معها, ويساهم في تصاعد الراديكالية الاسلامية حول العالم.

والانكى من ذلك, ان حملة اللوبي لتغيير النظام في ايران وسوريا قد تدفع بالولايات المتحدة إلى مهاجمة هذه الدول, والتسبب بنتائج كارثية واضرار وخيمة.

نحن لا نريد عراقاً آخراً!  كما ان عداء اللوبي تجاه هذه الدول يصعِّب الامور على واشنطن لتستثمرهم ضد القاعدة وضد ثوار العراق حيث هي بأمس الحاجة لمعونتهم.

وهناك بعد اخلاقي ايضاً. شكراً للوبي لأن الولايات المتحدة اصبحت الوكيل المرخص للتوسع الاسرائيلي في الاراضي المحتلة, وجعلتها متواطئة في الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين. هذا الوضع يعيق ويجمد جهود واشنطن في نشر الديمقراطية, ويجعلها تبدو وكانها خبيثة عندما تضغط على دول أخرى من اجل احترام حقوق الانسان. كما ان جهود واشنطن للحد من انتشار الاسلحة النووية يبدو ايضاً انه جهد خبيث لأنها قبلت بالترسانة النووية الاسرائيلية, الامر الذي شجع ايران ودول اخرى في البحث عن وسائل مشابهة.

وفوق ذلك, فإن حملة اللوبي لإلغاء أي نقاش يدور حول اسرائيل هو شأن غير صحّي بالنسبة إلى الديمقراطية. فهو عندما يُسكِت المساءلات بتنظيمه لوائح سوداء ومعاقبات - او عندما يقول ان هذه الانتقادات هي مناهضة للسامية- فهو يخترق المبدأ الاساسي للنقاش الحر الذي يدل على الديمقراطية. كما ان عدم قدرة الكونغرس الامريكي على إدارة نقاش صادق وشفاف حول هذه المواضيع الحيوية يشل كامل عملية التداول الديمقراطي. ينبغي ان يكون داعمي اسرائيل احراراً وان يتحدّوا من يعارضهم, لكن جهودهم لخنق الجدل بالتخويف والترهيب يجب ان تُدان كلياً من قبل الذين يؤمنون بالتعبير الحر والنقاش المفتوح حول القضايا الهامة التي تخص الشأن العام.

واخيراً ونتيجة الامر, كان تأثير اللوبي سيئاً بالنسبة إلى اسرائيل لأن مقدرته على اقناع واشنطن بدعم اجندة التوسع جعل اسرائيل تتوانى عن انتهاز الفرص - بما فيها معاهدة سلام مع سوريا, وعن التنفيذ الكامل والسريع لاتفاقيات اوسلو - التي كان من الممكن ان تحفظ  حياة العديد من الاسرائيليين وتقلِّص من صفوف المتطرفين الفلسطينيين.

انكار الحقوق الشرعية السياسية للشعب الفلسطيني لم يجعل اسرائيل اكثر اماناً, كما ان الحملة المديدة للاغتيالات او لتهميش جيل باكمله من القادة الفلسطينيين زاد من قوة المجموعة المتطرفة, وقللت من عدد القادة الفلسطينيين الذين كان من الممكن ان يقبلوا بتفاوض قد يؤدي إلى نتائج إيجابية. ان هذا المسار قد اظهر الطيف البشع لاسرائيل لأنها احتلت الصفة التي وصمت دول الابارتايد ذات يوم ومنها حكومة جنوب افريقيا.

ولكان خير لإسرائيل لو ان اللوبي كان اقل مقدرة ولو ان سياسة الولايات المتحدة كانت اكثر حرية.

 رغم ذلك هناك شعاع امل. مع ان اللوبي يبقى قوة فاعلة إلا ان النتائج السلبية لتأثيره اصبح من الصعب إخفاؤها.  تستطيع الدول القوية ان تمارس سياسات خاطئة لبعض الوقت لكن الحقيقة لا يمكن ان تبقى مجهولة إلى الأبد. ما يلزم حالياً هو مناقشة صريحة وشفافة حول  تأثير اللوبي, وجدل اكثر انفتاحاً حول مصالح الولايات المتحدة في هذه المنطقة الحيوية من العالم. وسلامة اسرائيل هي إحدى هذه المصالح, لكن ليس باحتلالها المستمر للضفة الغربية ولا باجندتها التوسعية الاقليمية. الجدل المفتوح سيعرض حدود الحالة الاستراتيجية والاخلاقية لدعم الولايات المتحدة الأحادي الجانب ويمكن ان ينقل الولايات المتحدة إلى وضعية اكثر انسجاماً مع مصالحها القومية ومع مصالح الدول الأخرى في المنطقة وكذلك مع مصالح اسرائيل على المدى البعيد

 


[1]  عموس هاريل, اسرائيل تحتفظ باولوية استراتيجيتها. هآريتس, 23/11/2005

[2]  اميرام بركات, "غالبية الاسرائيليين ضد الزواج المختلط"هآريتس 15 / 9 / 2003

[3]  برنار آفيشه, "إنقاذ اسرائيل من نفسها" مستقبل الدولة اليهودية المدني, هاربر ماغازين كانون الثاني 2005.

[4]  جوستان هوغلر, "اسرائيل تفرض قانون زواج عنصري" الغوارديان, 1 /8 / 2003.