العدد الحادي عشر - آيار 2006

ما وراء الجسد

عبادة تقلا
الاحد 4 حزيران (يونيو) 2006.
 

* عفواً، لكني لم أجد بيتربورغ التي أبحث عنها في كل هذه الكتب التي قدمتها لي ! _ ابتسمت دون أي تعليق.

* استجمعت شجاعتي ولغتي الروسيّة التي آن لها الأوان كي تثبت حضورها، وقلت: _ بيتربورغ ليست متحف الآرميتاج بكل مقتنياته الفريدة، ولا هي المسارح الشهيرة، ولا الجسور التي لا تحصى على نهر نيفا، ولا شقق المشاهير الذين سكنوها وحولت فيما بعد إلى متاحف يؤمها عشاق الأدب والفن من كل الأرجاء، ولا الحدائق الصيفية المزدانة بتماثيلها البديعة وقصرها الصيفي الساحر.. 

بيتربورغ شيء آخر...شيء...كلا هي ليست شيئاً..إنها...إنها...

واستعصت الكلمات، ولم تكن اللغة من خانني في تلك اللحظة.

_ خذ وقتك إذاً_ قالت بهدوئها الساحر _ تبدو بيتربورغ شبيهة باللغة الروسيّة في كونها تأبى أن تمنحك نفسها بسهولة. لا تنسى إغلاق الباب عند مغادرتك القاعة...

* لم أنتبه لنفسي إلا وأنا أقف أمام تمثال دستويفسكي القريب من جامعتي.

بداية أحسسته يلومني لتقصيري الشديد في قراءة أدبه، ومن ثم راح يسألني انطباعي عن زيارتي الأولى لشقته قبل أيام. شعرت بشيء من الخجل، ووعدته بتدارك الأمر في أقرب فرصة، ثم لاحت مني ابتسامة وأنا أتذكر تلك المرافقة التي لم تشأ أن ندخل شقة الكاتب الكبير قبل أن تقرع الجرس لاستئذانه...

* ابتعدت بخطواتي وذاكرتي حتى وصلت إلى عتبات تلك اللحظة المسائية التي دخلت فيها بيتربورغ مع مرافقة روسيّة سرها أن تجد من يساعدها في تصحيح أخطاء عربيتها الفصحى الجميلة.

كان الثلج في أقصى حدود انفعالاته، يلف جسد المدينة، ويحجب معالمها عن الغريب الذي اندفع يمسح زجاج الحافلة ويمسح معه سنوات انتظاره العشر التي أمضاها يطارد أخبار بيتربورغ على شاشات التلفزة وأوراق الجرائد وصفحات الأنترنت.

لكن المدينة لم تمهلني أكثر من عشرة أيام حتى أسلمتني شوارعها للضياع، غريباً، ملتحفاً بقلقي، متلعثماً بمفرداتي الروسيّة القليلة وأنا أحاول صياغة سؤال ألقيه على أحد المارة علّه يساعدني في الخروج من متاهتي الكبيرة...

* كان الترامواي شبه فارغ _ على غير عادته _ قطعت تذكرتي ويممت شطر النافذة ألتهم بعيني المتعبتين تفاصيل المدينة. أشرقت أمامي صورة تلك العجوز التي همّت مرة لتترك لي مقعدها لما رأتني أكاد أغفو في مكاني.

جدتي....ولامست أصابعي كتفها: شكراً لك....لست متعباً....

فتحت عيناها العتيقتان نافذة على ذلك البيت الذي تحفظ روحي إيقاع الحكايا في مساءاته، وعدد أزواج الحمام

في برجه المتآكل، ورائحة الخبز في أعتق تنور مرّ بذاكرة الأرض.

جدتي....وتركتني أصواتهم التي اخترقت صقيع بيتربورغ وحيداً مع فجر غربة آخر وفاتحة خاشعة لروحك....

* كنت أقترب من باب السكن الجامعي لما جاءني صوتها غاضباً، مقرعاً: ما بك اليوم؟ أين تركت قواعد اللغة الروسيّة ؟ أتمنى ألا تكون قد سبقتك إلى سورية، عدني ألا تعود إلى تكرار مثل هذه الأخطاء، وإلا....

ومبتسماً أعدها، وفرح طفولي يغمرني، فهاهي المدينة التي سكنتني قبل أن أسكنها، تكافئني بمعلمة من نسيج خاص، معلمة لا ترضى بأنصاف الحلول ولا بأنصاف الطلاب.

* من على شرفتي رحت أرقب المساء وهو يلقي بظلاله على المدينة.

كانت السماء خالية إلا من غيوم سوداء مستوحشة...مترددة بين إغراءات الربيع والشتاء...

أدخلتني الأضواء التي اشتعلت للتو في البيوت القريبة إلى عمق تلك البيوت، فرحت أتأمل الوجوه التي باتت مألوفة بالنسبة لي، أنصت لأحاديثهم...أشاركهم الكلام...وأحتسي معهم نخب المدينة.

برغم انشغاله بأفواج المارين لم ينسى الدرب الذي أسلكه كل صباح أن يلقي عليّ تحية المساء وأنا أهم بالعودة إلى غرفتي.

* ارتميت على السرير في تلك الغرفة الكبيرة التي شغلتها بمفردي..أغمضت عيني فتراءت أمامي بيتربورغ بكل تناقضاتها..أسمائها..ألقابها: فينيسيا الشمال المتربعة منذ أكثر من ثلاثمئة سنة على جسد جزيرة.

مدينة الليالي البيضاء المتألقة بسر نورها الأبدي في صيفها اللامتناهي.

فردوس بيتر الأول الذي أراد له أن يكون أعظم مآثره وسبب خلوده.

بيتر _ كما يحلو لساكنيها تسميتها _.

المظهر الصارم الرشيق، كما رآها بوشكين.

بيتربورغ: يبدو أن لا خيار أمامي إلا الأخذ برأي معلمتي.