العدد الحادي عشر - آيار 2006

العنف ضد المرأة في الدراما العربية .. ورشة عمل في مسرح المدينة

أسماء وهبة
الاحد 4 حزيران (يونيو) 2006.
 
انعقد في مسرح المدينة في بيروت ورشة عمل إقليمية حول العنف ضد المرأة في الدراما العربية، والتي نظمها المكتب الإقليمي لمنظمة العفو الدولية في لبنان ومنظمة ˜كفىŒ في إطار الحملة العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة التي أطلقت في 29 آذارمارس الماضي توجهت الورشة إلى الكتاب والمخرجين والمؤلفين والنقاد من مختلف الدول العربية الذين يساهمون في صناعة أفلام تطرح مشكلة العنف ضد المرأة أو تبرز مشاكلها بشكل إيجابي كما سعت الورشة إلى دعم مبادراتهم من خلال معلومات تحليلية حول العنف ضد المرأة في الدراما العربية وعلى أرض الواقع، وآليات مناهضته في القوانين المحلية والدولية، وفتح مساحة من الحوار تسمح بالنقد والتحليل والتأمل حول دور المبدعين في خلق دراما واعية لكيفية معالجة هذه المشكلة ولمبدأ الحقوق عند التطرق للعنف واستقبل الحاضرين عدداً من السيدات اللواتي تعرضن للعنف على أيدي أقرب الناس لهن في صورة مجسمات تروي مأساتهن التي انتهت بالقتل في أبشع صوره؛ مثل كاميليا 21عاما التي قتلت على يد والدتها بسكين ثم دفنتها في حفرة نبشتها الكلاب بعد فترة؛ فحفرت غيرها ونقلت جثة ابنتها إليها بعد أن أخبرتها بحملها من صديق والدها الذي اعتدى عليها، فحكم على الأم بالأشغال الشاقة لمدة ست سنوات
فهذه المجسمات حسب زويا روحانا ممثلة منظمة ˜كفىŒ في الورشة ˜هي شهادات حقيقية تصرخ بالعنف الذي تتعرض له المرأة بسبب الجنس أي لأنها أنثى؛ فيتدرج بادئاً بمرحلة ما قبل الولادة عندما يتم إجهاض الجنين مرورا بالعنف الذي يمارس عليها في الطفولة والمراهقة وصولا إلى الشباب وتحديدا العنف الزوجي وانتهاءاً بالعنف الذي تتعرض له في مرحلة الشيخوخةŒ إلا أن روحانا ترجع أسباب العنف الذي يمارس ضد المرأة إلى ˜الشرف ومفهومه الخاطىء عند الرجل؛ وكأن شرف الرجل أصبح مقترناً فقط بسلوك المرأة، الشيء الذي يسمح له بقتلها لمجرد الشك فيها من ناحية أخرى كرس العنف ضد المرأة في المجتمع العربي نتيجة قوانين الأحوال الشخصية الظالمة والمجحفة بحقها، حيث يضعها في موقع تبعي لزوجها أو والدها أو أخيها فليس لها كيان مستقل وبالمفهوم الاجتماعي العام هي ملكية خاصة للرجل يستطيع التصرف معها وبها كما يشاء لذلك نحاول وضع المشاريع لتحسين هذه القوانين مع طرح مشاريع قانونية جديدة تكافح العنف ضد المرأة؛ لأن القوانين الحالية لا تلحظ العنف داخل العائلة، وبالطبع لا يوجد عقاب رادع لذلكŒ فكان طبيعياً أن تتعرض المرأة للعنف وأن يفرض عليها ذلك الوضع البائس لأنها لا تعرف حقوقها وذلك حسب روحانا Œ ليس خطأها؛ بل نتيجة الفكر الذكوري المعمم في المجتمع الذي يعطي الرجل صلاحيات واسعة على حساب المرأة التي تشب بالتالي على هذا الفكر وتلك المعتقدات فتنقلها إلى أبنائها ومن هنا نعمل على مكافحة الإساءة الاجتماعية ضد النساء، و إخراج موضوع العنف من الشأن الخاص إلى الشأن العام والحديث عنه ليصبح تحت طائلة القانون من أجل معاقبة الجناة و ردع المجتمع الذكوري ككلŒ زيادة الوعي السعودي مع قلة الإنتاج الدرامي بالرغم من العراقيل الاجتماعية انخفض معدل العنف الذي يمارس ضد المرأة في المملكة العربية السعودية نتيجة مكافحة الكثيرين في المجتمع المدني الذي يطالب بإعادة النظر في القوانين الخاصة بالمرأة؛ لكن حسب ما تصفه المخرجة السعودية هيفاء المنصور ˜هناك صراع داخل المجتمع السعودي بين المتشددين القبليين الذين يتمسكون بتهميش المرأة عبر الاستناد الخاطئ على الدين الإسلامي وبين عدد من الأشخاص يحاولون انتزاع حقوقهاŒ و بالرغم من وجود معظم الفنانين السعوديين خارج المملكة إلا أنهم حسب المنصور ˜قادرين على التغيير من خلال الأعمال التي يقدمونها كما أن المجتمع السعودي قد أصبح اليوم تربة خصبة لتقبل الدراما من خلال الجدل الذي يثار حول تلك الأعمال بالرغم من عددها القليل جداً وهو إشارة صحية؛ إلا أن المشكلة الأساسية في الدراما السعودية تكمن في خوفها من طرق أبواب المواضيع الدينية والسياسية من قريب أو بعيد إلا أنها فتحت أبواب القضايا الإجتماعية ومنها العنف ضد المرأة فنحن على الطريق، ولكننا مازلنا نحتاج إلى الكثير من الوقت للتأثير في عقلية عدد ليس بالقليل من السعوديين حتى يتوقفوا عن اعتبار المرأة مجرد لعبة جميلة للتسلية أو القتل، وهذا هو دور الدراما إلا أننا مازلنا في طور النشأة والتأسيس كما يقال، ولكن عملنا الدرامي على قدم وساق وبالرغم من صعوبة البداية إلا أنها تنطلق من باب الكتابة الدرامية التي تشكل الخطوة الأولى لتحدي الرقابة وكسر القوالب الاجتماعية الخاطئة والسقيمة لأن تحسن أحوال المرأة يعني تحسن أحوال المجتمع ككل˜ الدراما السورية تساند قضايا المرأة لقد خرج أخيراً صوت المرأة في سوريا عن نطاق المطالبة بالمساواة وطلب الحقوق والواجبات إلى شرح الواقع وتجسيد مشاكلها وإبرازها للرأي العام، من باب وضع الأًصبع على الجرح ومعرفة ما تعانيه وما تتطلبه حياتها المستقبلية من وعي من خلال الأعمال الدرامية التي تقدم على الشاشة الصغيرة من هنا تقول الكاتبة التلفزيونية السورية دلع الرحبي ˜لقد اهتممت بقضايا المرأة في مسلسلي الأخير عصي الدمع الذي ألقى الضوء على معاناتها، فناقش مشاكل العنوسة وأضرارها النفسية، كما أبرز معاناة المرأة العاملة ومشكلاتها العالقة بين المنزل والأطفال، وسطحية تفكير المرأة غير المتعلمة التي تتناول المجتمع بثرثرتها من خلال مطبخها الذي لا ترى أبعد منه مكاناً فمن المهم أن تقدم الدراما هذه الشرائح وتناقش قضاياها من خلال نقلها للصورة الحقيقية للواقع وكم يشعر الفنان بالسعادة عندما يستطيع عمله أن يغير ولو نذراً بسيطاً في الواقع إلى الأفضل؛ كأن يتم تبديل بعض القوانين القديمة المتعلقة بالمرأة والمعمول بها حتى اليوم والتي لا تتناسب بالطبع مع عصر الانفتاح والتطورŒ فيبدو أن الدراما السورية أخذت دورها الفعال في التنوير ونشر أفكار من شأنها أن تساهم في تطوير المجتمع وتحسين صورته، وتقف جنبا إلى جنب مع المرأة للمطالبة بحقوقها القانونية ومكانتها الاجتماعية ولأنها امرأة ومن موقعها الفني تحاول الرحبي عبر الدراما تسليط الضوء على معاناة المرأة والظلم الذي يكال لها Œ فلا يغفر للمرأة ما يغفر للرجل فنحن نتيجة الموروثات والعادات والتقاليد مازالت المرأة بحد ذاتها مشكلة، وبالمقابل ليس ثمة محاولة لإيجاد حلول لرفع ذلك الظلم وكثيرا ما أتساءل هل يقتصر دور الأعمال الفنية على التسلية وقضاء الوقت فينظر المشاهد إلى الصور التي تمر أمامه ثم يعود إلى ممارسة حياته العادية وكأن شيئاً لم يكن إذا هذا هو ما يحدث إذن فليس من فائدة ترجوا من الدراما؛ لأن هدف الدراما الأساسي التأثير في الناس عبر الغوص في قلب المشاكل والتدقيق في تفاصيلها من خلال حبكة فنية تقف عند كل شيء فتلقي عليه الضوء بموضوعية وشفافية، لتقدم الحلول في بعض الأحيان أو تكتفي فقط بطرح القضايا العالقة إلا أننا يجب أن نعترف بمأزق حقيقي هو عدم رغبة بعض الكتاب والقائمين على صناعة الدراما بشكل عام في المواجهة والوقوف على المشاكل الاجتماعية والدخول في متاهاتها؛ ليكون الضحية في النهاية هو المجتمع نفسه˜ كما تؤكد الرحبي على ضرورة العمل على كافة المستويات دون إعطاء الأولوية للشكل الفني على حساب الموضوع من أجل الارتقاء بالدراما العربية ˜فلابد أن يكون هناك جرأة في طرح الموضوعات والبحث والتجريب، رغم أن العمل التلفزيوني كما يشاع عادة ليس مجالاًً للتجريب لكن من خلال عدد من التجارب التلفزيونية ثبت أن العمل الدرامي التلفزيوني قابل للتجريب من أجل إيصال المقولة الصحيحة للجمهورŒ التحديات التي تقف أمام المبدعين Œالمبدعين المصريين في صدام دائم مع الرقابة طوال الوقت من أجل زيادة مساحة الحرية في طرح القضايا الدينية والسياسية والاجتماعية، بالرغم من نجاح بعض الأعمال في الإفلات من زمام الرقابة فتثير عند عرضها زوبعة صحية ثقافية كبيرةŒ هذا هو وضع الدراما المصرية كما لخصته الكاتبة السينمائية المصرية هالة خليل، فتستطرد بأسفŒ تجنح الثقافة الشعبية اليوم نحو السينما الكوميدية التي تلاعب الجمهور بالفكاهة، وبالتالي لا يقبل على السينما الجادة التي تبقى في النهاية في الأرشيف الجماهيري والسينمائيŒ وترى خليل أن أزمة المرأة المصرية اليوم تعود في الأصل إلى افتقارها للتحقق الشيء الذي سمح للمجتمع أن يمارس عليها العنف باستمرار في أشكاله المختلفة، وبالتالي تصبح انعكاس للمجتمع الثقافي الذكوري، حيث تشارك في تكريس أفكاره الذكورية التي تزرعها في أولادها دون أن تشعر الشيء الذي يرجع إلى نقص وعيها بذاتها ومشاكلها الحقيقية ˜وهذا ما قدمته في فيلم أحلى الأوقات من خلال شخصية يسرية التي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، وهي زوجة وأم ومدرسة، إلا أن زوجها يرغب في أن تبقى تحت سيطرته المطلقة عبر تكثيف واجباتها والتزاماتها المنزلية حتى تبقى منشغلة طوال الوقت في التفاصيل الأسرية اليومية؛ فتقوم بأدوار كثيرة داخل المنزل وخارجه حتى انفصلت عن ذاتها لأن لم يبقى لها متنفس من المرح أو البهجة وبالطبع العلاقة مع الذات˜ لذلك تأتي اهتمامات خليل الدرامية بما آلت إليه المرأة المصرية التي يمارس عليها العنف، الذي خلق منها تشكيلة غريبة من عدد من التناقضات الصعبة الفهم والتفكيك عبر أعمال سينمائية تناقش هذه القضية من قريب أو بعيد، لتكون وسيلة ضغط على المجتمع والنظام للإصلاح المفاهيم الخاطئة حول الشرق لقد استطاعت السينما التجارية اليوم أن تغّيب الدور الفعال والحقيقي للمرأة في السينما، في مقابل صعود فعالية وجودها الجسدي، فأصبحت إحدى أدوات التسويق الناجحة لأي منتج سينمائي يرتب ويزين ليجذب المشاهد من خلال شكله الجميل الذي إذا نظروا إليه من الداخل سيجدون خواءاً تاماً وبخلاف هذا الوضع التجاري يعمد المخرج السينمائي المصري مجدي أحمد علي إلى تقديم المرأة في أفلامه في صورة أقرب إلى حقيقتها دون نقل حرفي لذلك الواقع، ˜لأن الحقيقية أكثر إيلاما من أن تحتملها الدراما لذلك أنا على صراع مع الذات، لأنني أريد تقديم أفلاماً بما في الواقع المؤلم من إمكانيات الحياة ويعود تركيزي على المرأة نتيجة تأثري في ثمانينات القرن الماضي بالريف الذي كنت أذهب إليه فلا أجد إلا النسوة اللواتي يعملن في الحقل والبيت بعد أن سافر الرجال للعمل في الخليج العربي، فيتحملن المسؤولية كاملة من دون إي ادعاء للقوة، وهذا نوع من العنف النفسي الذي يصب على المرأة˜ على خط آخر يؤكد مجدي أحمد علي على وجود أفلام قليلة صادقة جداً في التعامل مع قضايا المرأة Œ نحاول من خلالها فهم نفسية الجمهور الذي ينفر من الصراحة المفتوحة فيما يتعلق بالجنس، فلا نحاول استفزازه فنفقده القدرة على الهدوء الذي يحتاجه بشدة للنظر بعمق للمشكلة التي يطرحها الفيلم وأعتقد أن العنف الذي يمارس ضده المرأة يرجع إلى الفهم الخاطئ لمفهوم الشرف المطلق عند الرجل الذي يعتبر أن العنف الذي يمارسه عليها حتى لو وصل إلى القتل هو حقه الطبيعي للدفاع عن كرامته التي تختصر في شرفها وانطلاقاً من هذا المبدأ يتم التعامل مع المرأة في مجتمعنا انطلاقا من هذا الفهم لذلك بات ملحاً أن نبدأ بمناقشة مشاكلنا بأنفسنا دون ادعاءات أو تعالٍ عليها، وأن لا نحاول إخفائها والتظاهر بعدم وجودها، لأن تحضرنا الحقيقي سيبدأ عندما نرفع رؤوسنا في مواجهتها من خلال الدراما بعد أن تتراجع الحدود الرقابية التي تفرض على خيال المبدع، لتفلت روحه وعقله حتى ينطلقا في سماء الحرية المجتمعية فيستطيع طرح مشاكله كما هي دون عمليات تجميلية لأن في الحقيقة الداء والدواءŒ