العدد الحادي عشر - آيار 2006

وحدة الدين .. وحدة المجتمع

نذير الحموي
الثلاثاء 6 حزيران (يونيو) 2006.
 
New Page 1

إن الاتفاق بين الرسالتين المسيحية والمحمدية أمر لا ينكره عاقل، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على أنهما من منشأ واحد. ويتضح هذا الاتفاق في الأمور المتعلقة بالأهداف النهائية للرسالتين وكذلك في نظرتهما إلى الكون وعلاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بمن حوله والمحافظة على الجنس البشري والاهتمام بالأخلاق التي تضمن الحياة الحرة الكريمة لكل البشر. والرسالتان متفقتان على قدسية مريم العذراء وأن المسيح كلمة الله وروحه التي ألقيت إلى مريم، وأن الانجيل كتاب مقدس، وأن الحواريين أدّوا الرسالة التي كلفوا بها وتبقى بعض المسائل المحتاجة إلى تدقيق ودرس.

فالمسيحية تعتقد بشكل جازم أن المسيح صلب وبعد ثلاثة أيام قام من بين الموتى بينما ترى المحمدية أن الصلب لم يحدث أصلاً.

والمحمديين ينظرون إلى تعدد الأناجيل ويعزون ذلك إلى عدم وجود رؤية واحدة عند المسيحيين وبزيادة جهل حقيقة الموضوع تزداد الأقاويل.

والمسيحيين بدورهم ينظرون بتوجس إلى القرآن والنبي محمد لعدم مجاراتهم للنمط المسيحي المعتاد عندهم وكذلك فإن زيادة الجهل وعدم المعرفة لحقيقة الأمر نرى زيادة الأقاويل بهذا الاتجاه.

New Page 2

والمتشددون من كلا الطرفين يغوصون في التفاصيل لإثبات أقوالهم فيناقشون الفروع دون تبصر وعدم دراسة ظروف الرسالتين وإهمال الحالة المكانية والزمانية لكل منهما، وهذا يدل على جهل المتنطحين لمثل هذه الأمور بشؤون رسالتهم التي يدعون اتّباعها ومع ذلك يتناولون رسالة غيرهم بالنقد والتجريح.

إن الدخول في التفاصيل لا يخدم الموضوع الحياتي ولا الديني حيث التفاصيل ترتبط عادة بالظروف المحيطة بكل فكرة وهذا يحدث حتى في الأفكار الدنيوية فما يصلح لمجتمع ليس بالضرورة أنه يصلح لمجتمع آخر تمشياً مع ظروفه الزمانية والبيئية المؤلفة لشخصيته العامة ولتقاطع دوائر علاقاته الاجتماعية داخلياً وخارجياً وتالياً، فإن إغفال هذه الأمور حين نناقش الرسالتين هو ظلم لهما.. تأسيساً على ذلك نقول إن الرسالة المسيحية نزلت في بلاد الشام ونظرة سريعة إلى الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي للمجتمع الذي ظهرت فيه تلك الرسالة تفيد في الدرس أن مجتمع بلاد الشام قطع أشواطاً بعيدة في التطور العمراني ونظم علاقاته الاجتماعية استناداً إلى القوانين والأنظمة المدنية، فقبيل ولادة المسيح بقرون انتشرت المدارس الفلسفية، واشتغل الناس بالطب والرياضيات وعلوم الفلك وعلوم الطبيعة والحركة والكيمياء، وأوجدت المدارس وعم التعليم وأوجدت المحاكم كل تقسيماتها وتشريعات لغش سابقة المسيح بقرون عدة ثم تلتها شريعة حمورابي لتتوج التطور القضائي، ونظمت العلاقات بين أفراد المجتمع وبين الأسرة الواحدة واكتسبت المرأة قدسية هائلة فلا يجوز النظر إليها نظرة غش وبيتها مقدس لأنها تلد الآلهة، ومن الناحية السياسية فقد عرفت البلاد النظم السياسية الراقية فانتخبت ملوكها انتخاباً ومجالس نوابها وكان يعرف بمجلس /104/ ووزعت الوزارات ونظمت المعاهدات مع الدول المجاورة ودربت الجيوش وقسمتها إلى فرق وانتقلت إلى مرحلة بناء المستعمرات، واقتصادياً، فإن أساطيلهم دارت بحار الدنيا ونقلوا تجارتهم وعلومهم وثقافتهم وتجاربهم إلى أنحاء العالم القديم، هذه التجارة الرائجة كان وراءها صناعة متطورة وحرفة عالية من صناعة الأجر والصلصال والكتان والحرير إلى الفولاذ الدمشقي وما ينتج عن ذلك من فروع صناعية ما أتاح قيام تجمعات مهنية تشابه النقابات في أيامنا.. بين ظهراني هذا المجتمع ظهر المسيح فكان لابد لرسالته أن تنطلق من المستوى الذي عليه الناس لذلك اعتمد على حكمة الكلمة ودعا إلى الترفع عن الانغماس المادي، وهذا أمر طبيعي لأن رغبة الأرض وحاجتها تلبية السماء وترتفع به، لهذا السبب لم يقف المسيح عند أوليات الحياة لأنها مسددة، وقد خلفها المجتمع السوري وراءه منذ آلاف السنين قبل ظهور المسيح. وفي المقابل فالمجتمع الموجود في جزيرة العرب كان مجموعةً من القبائل لا رابط بينها إلا الأعراف ومجموعة عادات وتقاليد وعلومهم تقتصر على الكهانة والتنجيم وأعلى علومهم النفسية كانت الشعر المشبع بالمادة المتيسرة لديهم والنادر منهم مَنْ يجيد القراءة والكتابة والنساء عندهم مادة أساسية للتلذذ وسلعة هامة للاتجار والسبي والزواج متعدد الأشكال وقد تدفن البنت عند ولادتها حتى لا تكون مادة للسبي (الوأد)، والابن يرث زوجات أبيه. أما سياسياً، فشيخ القبيلة هو الآمر الناهي وهو مصدر التشريع وهو يحدد مصلحة القبيلة والغزو والنهب، والسبي هو أساس العمل العسكري عندهم وتجارتهم بين الشام واليمن تقتصر على الخمور والثياب والتوابل والسلاح اللازم والاحتياجات الحياتية الأولى، ولا يوجد إلا صناعة بدائية لا يمكن تصنيفها في سلم الصناعات.. هذا هو حال المجتمع الذي ظهرت فيه رسالة النبي محمد بن عبد الله لهذا احتاج إلى العودة بهم إلى البدايات فعلمهم الاغتسال وكيفية الطعام ووضع لهم آداب الكلام والجلوس والمشي في الطرقات وعرّفهم بحدود الحريات العامة والخاصة ونظم علاقات الأسرة، العلاقات بين أفرادها والعلاقات بين الأسرة وغيرها من الأسر، ووضع لهم القوانين الناظمة لحياتهم وفرض العقوبات وفرق بين الجنح والجرائم وعلمهم تنظيم الأمور المالية وتنظيم عقود التجارة وشجعهم على تعلم الصناعات وأرسل الوفود إلى الملوك وانفتح على العالم من حوله وشاورهم في حربه الأولى وشاركهم في صنع القرار. هذه حاجتهم لباها لهم ليرفع من شأنهم. بعد هذا نرى أنه من الظلم عدم الأخذ بهذه الأسباب في تكوين كل رسالة. ولا يجوز النظر إلى الفروع والتفاصيل، لأن كل رسالة لها خصوصية الفروع والمهم في المقارنة الأصول والأهداف. وتجربة الرسالة المسيحية مع عرب الجزيرة تبين ذلك حيث لم يستطع هؤلاء فهم حقيقة الرسالة فاكتفوا بقشورها وخير مثال على ذلك حين سئل الإمام علي عن قتال بني تغلب وهم على النصرانية فقال: قاتلوهم فوالله ما عرفوا من النصرانية إلا شربَ الخمور.. وهذا حقهم لأنهم كانوا على درجة لا تؤهلهم لمعرفة مكنونات الدعوة المسيحية وعلى المنوال نفسه احتاجت الرسالة المحمدية عند دخولها بلاد الشام ومصر وفارس إلى المدارس الفقهية لكي تؤاخي بين هذه الدعوة والبيئة الجديدة وعندما نجحت ظهرت المدارس الفلسفية، وانفتح العمل أمام المحمديين فاشتغلوا بالطب والفلسفة والفلك والرياضيات وكل العلوم واستطاعوا أن يكونوا معلمين في كل نواحي الحياة، ولم يكن الدين عائقاً لأنهم نظروا إليه من خلال تعاقب أجيالهم التي تفاعلت مع بيئة غنية جديدة فأنتجت عقلية جديدة تحمل زخم الرسالة المحمدية الجديدة واستطاعوا المزاوجة بين الدين والحياة الجديدة، على ذلك فالخلاف بقدر ما تفرضه الظروف المكانية والزمانية.

هكذا تسقط دعوى المتشددين الذين يريدون القرآن نسخةً من الإنجيل أو الذين يريدون الإنجيل نسخةً من القرآن.

ننتقل للمسألة الثانية وهي نظرة المسيحيين للقرآن والنبي محمد (ص) وضرورة إزاحة الأوهام العالقة في أذهان البعض منهم لا سيما المتشددين وذلك عن طريق الشرح والتوضيح المرافق للحالة العملية التي أوجدها القرآن والنبي محمد (ص) برسالته نقل أهل الجزيرة من عبادة الأوثان والعيش الأقرب إلى البهيمية إلى حياة حرة كريمة وعبادة الله الواحد ووضع لهم نهجاً ودستور حياة دنيوية وعلمهم أسباب الرقي إلى السماء فهل هذا من عمل إنسان عادي؟! إن ما قام به النبي محمد (ص) لا يستطيعه أي أحد وقد فاق بعمله أنبياء الشعوب الأخرى والقرآن لم ولن ينتهي العمل به والتأمل في أهدافه من قبل المحمديين وغيرهم فلينظر أهل الإنجيل إلى القرآن بما يمليه عليهم إنجيلهم وليعلموا أن التشكيك لن يزيل نبوة محمد (ص) ولا حقيقة القرآن، يقول المسيح: (لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع ثماراً رديئة  وشجرة رديئة أن تصنع ثماراً جيدة كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار فإذاً من ثمارهم تعرفونهم).

فلنواجه أنفسنا بثمار القرآن ونبوّة محمد (ص).

إن ما ذكرناه عن واقع حياة العرب هو القليل فحولهم النبي محمد (ص) والقرآن إلى مجموع تسوده المساواة والرحمة وقضى على أصنامهم ووجههم لعبادة الله وحرم عليهم دماءهم وأموالهم وحرم عليهم السرقة والزنا وحملهم على فعل الخير ونبذ الشر وآمنوا بالبعث الكبير.. هذه ثمارهم فهل هي ثمار جيدة أم رديئة، لكن  المتشددين من المسيحيين يصرون على الإنكار فيخالفون المسيح، شأنهم شأن أمثالهم من المحمديين المتشددين ويشتركون معهم في جعل الآخرين أعداءً لهم حتى من أبناء دينهم لمخالفتهم إياهم في نظرتهم وتفسيراتهم. وكما أن المحمديين المتشددين يخترعون الحكايا فكذلك المسيحيون من أمثالهم يخترعون القصص والحكايا.

وكم مرة سمعت من بعضهم بأساليب مختلفة عن قتل عشرات الألوف من البشر بسيف محمد ويعجزون عن تسمية المكان والزمان فالمهم عندهم إثبات أقوالهم وتشنيعهم على الدين المحمدي بما استطاعوا من جهد. وأما مسألة القتل والمعارك وغيرها التي خاضها المسلمون ضد أعدائهم بحق أو غير حق فإن ما حصل فيها لا يعادل عشر ما فعلته الحملات الصليبية خاصة في القدس حيث طالت مذابحهم حتى مسيحيي القدس ولا نقول أيضاً إن المحمديين كلهم ثمار صالحة فبوجود المتشددين نجد ثماراً رديئة لكن ذلك لا يعني أن المحمديين كلهم ثمار رديئة وكذلك فإن المسيحيين ليسوا بجموعهم ثماراً صالحة ووجود الثمار الرديئة بين المسيحيين لا يعني أن المسيح شجرة رديئة، فالمسيحيون والمحمديون المتعقلون المؤمنون الحقيقيون هم ثمارٌ صالحة، لشجرة صالحة نبتت في السماء وظللت الأرض وكان قول القرآن فيهم: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

ـ مسألة ثانية يجب توضيحها والبحث بها وتتعلق بتعدد الأناجيل وحمل ذلك على التحريف قياساً على القرآن.. وقد بينا بدايةً أنه لا يمكن أن يكون الإنجيل مطابقاً للقرآن إلا في الأصول وكذلك نقول إن الأمر يناقش من عدة أمور عدا عما سبق وأول أمر هو أن لا دليل على حصول التزوير والتحريف في الإنجيل وإنما حمل ذلك على ما ورد بحق اليهود وكتابتهم الأسفار وقد تحدث القرآن عن ذلك وعن ادعائهم أنه من عند الله وذم أحبار اليهود على فعلتهم وعندما تحدث عن الرهبان والقسيسين مدحهم ووصفهم بأنهم يخافون الله وأنهم الاقرب إلى المحمدية وما اليهود إلا أعداء للطرفين.

من ناحية أخرى، لم يعثر على نسخة إنجيلية إلا وكانت مطابقةً لما بين أيدي الناس أما الخلافات بين الأناجيل الأربعة فهي أشبه بما وجد من خلافات بين المصاحف في عهد عمر حتى صار يقال مصحف ابن مسعود ومصحف ابن عمر وتم اعتماد واحد منها واحرقت البقية.. على هذا فالخلافات بين الأناجيل هي خلافات بين الكتبة وهي لا تضر وحدثت تبعاً لمواكبة الحدث والكتابة عنه فقد يكون أحدهم غائباً ولم يكتب ما رآه أو سمعه غيره.

أيضاً هناك أمر يؤخذ بعين الاعتبار في هذه المسألة، ويتعلق بالإيمان بما أنزل الله فالقرآن الكريم والإنجيل والتوراة هي كتب منزلة والدين المحمدي يلزم بالإيمان بها وبنزولها والله يقول: (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون) (الحجرات)، والذكر لا ينطبق على القرآن وحده ولو كان كذلك لذكر القرآن في الآية والذكر يشمل الإنجيل وهو ضمن شمولية العناية الإلهية من حيث الحفاظ عليها لأنها دليل البشر إلى الله وسنة متوارثة من سنن الله المستمرة لقوله تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من قبلكم ولن تجد لسنة الله تبديلا).

فإذا قلنا إن الإنجيل زوّر وحوّر فقد أجزنا أن الإنسان قادر على تغيير سنة الله والعبث بها وهذا محال فالله تكفل بحماية ذكره فمن آمن بنزول الإنجيل يؤمن بحماية الله، أما ما ورد عن التوراة فهو التزوير والتحريف بمقاصده كقوله: (يسمعون كلام الله ثم يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون)، وكذلك قوله: (وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون).

وهذا يدل على التأليف والإلحاق بالتوراة. والناظر لأسفار موسى لا يرى خلافاً لما أنزل، أما البقية فلافتة للنظر في تناقضاتها وميولها نحو النوازع الإنسانية المنحرفة.

إذاً الإنجيل كلام الله، والله حافظه فإذا قلنا غير ذلك أجزنا على الله التجزئة في القول والفعل والظلم في أفعاله، وهذا منافٍ لكماله وعدالته وضرورات الإيمان به لذلك لا يجوز الأخذ بمثل هذا القول فلينتبه من يتقوّل بذلك دون علم أو تبصّر ولينتبه المؤمنون لأقوالهم فالإمام جعفر الصادق يقول: (إن الكفر يدب إلى النفوس كدبيب النمل) وقد ورد في الحديث النبوي: (الناس على مناخرهم يوم القيامة في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم).

ـ ثم نأتي على ذكر مسألة صلب المسيح أو عدمها. ومجال بحثنا نجده في ثلاث آيات:

1ـ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم (النساء).

2ـ فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (المائدة).

3ـ إذا قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي (آل عمران).

ولنحاول تلمس الموضوع من خلال قراءة هذه الآيات والتفكر بها ومحاولة فهمها وترك أقوال العامة المتوارثة دون تبصر أو روية وغير المبنية على علم.

يقول القرآن الكريم في الآية: (السلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) (مريم).

أما الولادة فلا خلاف عليها ومدار حديثنا الموت والبعث، فمن الطبيعي أن لكل ولادة موتاً وهو جسدي فكل جسد مادي مصيره الموت لاخلاف في ذلك بين المحمديين والمسيحيين ثم يأتي البعث يوم الدينونة، وهذا الأمر هو المقصود من الولادة حتى البعث.

يبقى مثار الموضوع هو توقيت الموت هل حدث أثناء الصلب أم أنه مؤجل إلى يوم لا يعلمه إلا الله وهل حدث الصلب أم لم يحدث...؟

يجزم المسيحيون، على ما جاء في كتبهم، بحدوث الصلب وينفي المحمديون ذلك والأمر في كلتا الحالتين بحاجة إلى نقاش وحوار حيث ورد في إنجيل متى حين سئل المسيح عن عدم صيام تلامذته أجابهم بمثال يقول فيه: (... ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون) فهو قصد نفسه بالعريس وشبه تلامذته بأهل العريس، وهو يتحدث هنا عن الرفع وليس عن الموت، وهذا يتطابق مع الآية القرآنية.. (ولكن الله رفعه إليه).

والرفع روحي وليس مادياً فالأرواح جميعاً تصعد إلى الباري والأجساد تبقى للتراب والتراب مصيره تراب، وإذا عدنا إلى الآية (وما صلبوه وما قتلوه ولكن شبه لهم) فإننا نجد حدوث التشبه الذي حدث للناس وهذا الأمر حدث بمشيئة الله ولا ذنب لمن شبه له برؤيته فالله أراد له أن يرى الصلب فأين ذنب الناس والله نفسه لم يحمل هؤلاء ذنباً بما شاهدوا وهذا الأمر موجود في القرآن مثله وهو محمول على نفس السوية كقوله تعالى: (وما رميت إذ رميت لكن الله رمى) (الأنفال).

فجنود الملائكة وإرادة الله قاتلت لكن ما شوهد أن النبي وأتباعه هم من قاتل ورمى ولا ضير لمن قال بقتال النبي وأصحابه دون ذكر جيش الملائكة وقتالهم.

إذاً من هذه الزاوية من البحث نجد تطابقاً بين القرآن والإنجيل من حيث وقوع الرفع للمسيح حيث ينفي القرآن الصلب والقتل ويتحدث عن الرفع وكذلك الإنجيل يتحدث عن الرفع دون ذكر الصلب والقتل فمن حيث الآيتين لا خلاف.

الآية الثانية حول الموضوع تتحدث عن سؤال وجه للسيد المسيح من قبل الله يوم القيامة حول عبادته وأمه من دون الله ونفي المسيح لذلك القول حين كان بينهم وكان عليهم رقيباً فلما توفاه الله: (فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد)، فانقطع سلطان المسيح على الناس وأحاله إلى الله الشاهد على كل حركة وسكون في الكون وقد حمل بعضهم حدوث الوفاة بعد ظهور المسيح مرة أخرى قبل البعث وهذا التفسير ينافي الاعتقاد المحمدي فالوارد في كتب المحمديين الذين يتحدثون عن ظهور المهدي والمسيح يقولون إن المسيح يصلي وراء المهدي ويتعبد الله على مذهب المحمديين ولا يبقى للمسيحيين معتقد خاص بل يصبح المعتقد واحداً للجميع والمسيح يموت قبل المهدي والناس تتبع المهدي وأولهم المسيح فكيف يعود الناس لعبادة المسيح بعد توحد العبادة وأين أم المسيح من ذلك اليوم والمسيح يبعث من دون أمه فكيف يعبدها الناس من دون الله لذلك يبطل  تفسير كهذا لأنه يوقع في التناقض والآية هنا تثبت الوفاة للمسيح ولا تنفيها.

ـ الآية الثالثة (يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي) إذاً هناك وفاة قبل الرفع والرفع حدث بعد حادثة الوفاة وبالعودة إلى الآية الأولى نستطيع القول إن الحدث يمكن تأويله بأن الصلب والقتل لم يحدث حقيقة إنما حدثت وفاة وفي آيات قرآنية أخرى هناك تفريق بين القتل والموت كالآية التي خاطب بها أصحاب النبي محمد (ص): (أفإن مات أو قتل) فالموت غير القتل في القرآن من حيث المشاهدة والوقوع المادي وقد يمكن القول إنه لما تعرض المسيح لعملية الصلب والقتل والإهانة فإن الله قد توفاه ورفعه إليه لعدم جواز حدوث ذلك على أمثاله وإنما شاهد الناس عملية الصلب والضرب والإهانة المؤدية للموت والحقيقة أن الله توفاه قبل ذلك إنما شاهد الناس خطاياهم تصلب وتهان وعلى ذلك لم يعد هناك فرقٌ كبير إن قلنا إن المسيح صلب أم لم يصلب ونزيد أن المسيح إن توفي أو صلب أو قتل تنطبق عليه الآية الكريمة: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون)، على ذلك فإن الخلاف ساقط بين الجماعتين والله أعلم.

لا يظن البعض أن ما سقناه في هذا الموضوع هو تطاول على أحد ولا على علوم أحد وليس تنطحاً لعلم الطلاسم والأحاجي بل هو حاجة اجتماعية لسد ثغرة بين أبناء المجتمع الواحد وتعزيز لعرا الوحدة الاجتماعية وقد وجدنا القرآن يحث على استخدام العقل والتفكر في آيات الله وضرورة لمعرفة اتجاهاتنا الروحية النفسية وهدم الأسوار المصطنعة بين الناس وعدم الجرأة على خوض غمار البحث فيها بحجة عدم إثارة حفيظة الآخرين لكننا وجدنا أن مثل هذا القول وهذا الادعاء كلمة حق أريد بها باطل لقد أريد بها إعلاء الأسوار وتمتينها بين المذاهب والطوائف حتى تصبح مجرد الإشارة إليها ضرباً من الكفر والزندقة وما دامت هذه الأسوار قائمة فإن رعايتها وبيئتها الجهل وهي مرتع لأعداء الأمة متى شاؤوا أيقظوا الفتنة وتمترسوا وراء أسوار الانشقاق والتقوقع.

والمعنيون بالأمر واقفون بين مشارك مندفع جاهل في إذكاء روح الفرقة أو متفرج سلبي ناسين أن الدين وجد أساساً لإسعاد البشر، وتنوع الأفكار والآراء في المجتمع الواحد دليل صحة متى كان العقل والتفهم هو الحكم وهذه دعوة قرآنية أساساً لقوله: (إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، والتعارف هو مطارحة الأفكار وحوارها ومعرفة مكنوناتها وتصارعها لخير الناس جميعاً وهي مشتق المعرفة.

والحاجة الاجتماعية هي رأس المعرفة فلا مجتمع متحد دون معرفة، والمجتمع الذي يتقوقع أفراده على أفكارهم مصيره الانفجار والزوال، لذا فهذه دعوة للمعرفة ومطارحة الأفكار ليس أكثر.

نعود للقول:

لا وحدة اجتماعية بين أبناء المجتمع إلا بوحدة الهدف ومتى كان الهدف رقي المجتمع وجب على أبنائه التصارح والتطارح فيما يخص رقي مجتمعهم ومعرفة اتجاهاتهم النفسية، وهذه المعرفة لا تتم بالقفز فوقها وتخطيها، لكن الواقع والحقيقة أكدت أن عدم اقتحام هذه الأسوار الوهمية بطرق المعرفة والعقل طبعاً أدى عبر الزمن إلى زيادة الحواجز بين الطوائف والمذاهب والسبب المباشر هو انعدام المعرفة والاكتفاء بما تناقله الأجداد عن جهل وادعاءات كاذبة لا أساس ولا أصل لها وعمّقها رجال دين مزيفون جهلة وتناقلها أبناء مجتمعنا في دوائرهم الضيقة الخاصة فإذا التقوا بغيرهم من الطوائف  والمذاهب الأخرى عقدوا الأيمان على أنه لا فرق بينهم وأن محبة الآخرين هي دينهم وفعلهم، وهذا قمة النفاق الاجتماعي وهم مدعوون للتخلص منه بالعقل والفهم فإذا استطعنا الوصول إلى قاعدة روحية قوامها التفهم للآخر وقبول أفكاره نكون بذلك قد خطونا في اتجاه تأسيس قاعدة مادية متينة لوحدة مجتمعنا والله من وراء القصد.