العدد الحادي عشر - آيار 2006

المأزق الاميركي في العراق

غسان يوسف
الثلاثاء 6 حزيران (يونيو) 2006.
 
لم يعد ممكناً إخفاء المأزق الأميركي في العراق، فلا تصريحات الرئيس بوش حول الديموقراطية والأحد عشر مليون عراقي الذين أدلوا بأصواتهم تقنع أحداً بمن في ذلك الأميركيون ولا كلامه الدائم عن تخليص الشعب العراقي من الدكتاتورية أضحى بضاعة رائجة كما أن وزير الدفاع رامزفيلد المعني المباشر بالحرب فشل رغم زياراته المتكررة الى العراق وحملاته الاعلامية في إقناع أحد أنه استطاع أن يبني قوات مسلحة وطنية عراقية تحلّ مكان جيوش التحالف المأزق واقع وهو مأزق سياسي بالدرجة الأولى حيث لا تجد الادارة الأميركية أفقاً واضحاً لحلّ سياسي أو تسوية ما تؤدي الى خروج مشرّف من العراق إزاء هذا المأزق انبرى بعض المنظرين والباحثين السياسيين الى التفتيش عن حلول لأزمةالعراق متخذين من التجارب الاستعمارية في القرن العشرين أمثلة دعوا لاتباعها في رسم استراتيجية الخروج هذه التجارب أضرّت بالشعوب الواقعة تحت الاستعمار وأثارت معارضات كل القوى الديموقراطية ومن هؤلاء الباحثين أ كرايلنغز الذي صدر له مؤخراً كتاب بعنوان التاريخ والشرعية الأخلاقية لقصف المدنيين في المانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية ويعرض في مقالة له مثلاً هو الاستراتيجية المعتمدة في مالايا في جنوب شرق آسيا والتي تضمنت نقل نصف مليون شخص من المناطق التي يسيطر عليها الثوار ويترك للخبراء العسكريين النظر بمثل هذا العمل في المثلث السني العراقي الذي يهدف الى إنهاء التمرّد في هذا المثلث عن طريق نقل السكان المسالمين الى مناطق أخرى واقتحام مدن وقرى المثلث للقضاء على جميع المتمردين ويهدف هذا الإجراء الى القيام بعمليات عسكرية لضرب المتمردين دون إصابة المدنيين بأذى لأن ذلك يشوه صورة الولايات المتحدة ودورها المزعوم في العراق وهناك تكتيك آخر من خبرات البريطانيين الاستعمارية وذلك بأن تجري محاصرة المثلث السني بكامله ومنع خروج ودخول أي شخص إلا بقيود وقواعد صارمة بحيث لا يدخل إلاّ الطعام والأدوية فقط هذا ما فعله البريطانيون في نيروبي كينيا في الخمسينيات في ثورة الماوماو وأدّى ذلك في حينه الى وقف تحرك إمدادات الأسلحة والذخائر والمقاتلين في جميع الاتجاهات وعاش الناس في محجر محاصر ما أدى الى إثارة غضب المواطنين المحاصرين وفي النهاية اعتمد البريطانيون كلتا الطريقتين عندما يتمّ فصل المقاتلين عن غير المقاتلين تشدد التدابير ضدّ المقاتلين وينهي كريلنغز كلامه بأن البريطانيين أدركوا أنه لا يمكن هزيمة أية ثورة إلاّ من خلال تسوية سياسية تنهي العمليات العسكرية ويضيف أن هذه الحقائق الصعبة يجب أن تكون دليلاً لجهود الأميركيين في العراق ومع الوقت فإنه كلما قل ّ عدد الخسائر في صفوف المدنيين كان ذلك دافعاً للسرعة في المصالحات السياسية هذه الآراء التي ينقب عليها الباحثون في خبرات قديمة إنما تعبر عن مأزق فكري إضافة الى المأزق السياسي والعسكري في العراق والتطلع الى الوراء واستقاء التجارب منه هو دليل ضعف في مواجهة الواقع المستحد إن نقل ملايين السكان من مدن المثلث السني الى مناطق خاصة وفي هذه الأيام سوف يقوض نهائياً إدعاءات الولايات المتحدة بتحرير العراق ونشر الديموقراطية فيه وتخليصه من الحكم الديكتاتوري الظالم إن مثل هذا العمل لو تمّ سوف يثير ردود فعل عنيفة في العراق وفي العالمين العربي والاسلامي وبالتاكيد سوف يثير ردّ فعل داخلياً كبيراً داخل الولايات المتحدة لا يمكن للقوات المسلحة الأميركية إخفاء مثل هذا الاجراء أو التقليل من شأنه، ففضيحة أبو غريب هزّت صورة المؤسسة العسكرية الأميركية وضربت مصداقية وأخلاقية السياسة الدفاعية الأميركية فكيف بنقل الملايين الى تجمعات مؤلفة من شوادر أو بيوت نقالة أو غيرها ثم أنه من يقول إن مثل هذا الاجراء سوف ينجح؟ وهل أن الملايين التي يتمّ نقلها هي مسالمة في نظرتها للإحتلال الأميركي وأن من يبقى داخل المثلث فقط هم الثوار هل المقاومة العراقية تنظيم خارجي منفصل عن تطلعات الشعب العراقي أم مجموعات عراقية داخل النسيج الاجتماعي العراقي بكل أطيافه وطوائفه أما موضوع الحصار فقد جربت اسرائيل حصار بيروت وكان وضعها العسكري والسياسي إنقسامات داخلية لبنانية والتمييز بين منظمة التحرير الفلسطينية والمخيمات الفلسطينية من جهة وبين اللبنانيين والأحياء اللبنانية من جهة أخرى أفضل بكثير من وضع القوات الأميركية في العراق السؤال من تحاصر أميركا إذا حاصرت الفلوجة أو الرمادي أو بعقوبة أو غيرها أليس السكان المدنيون من تحاصرهم؟ لقد جربت الولايات المتحدة الحصار والاقتحام ودمرت معظم الفلوجة وقتلت الآلاف هل أنهى ذلك المقاومة؟ كلا بل أثار أحقاداً كبيرة ينتظر ان تنفجر في وقت ما ومكان ما في المستقبل القريب إن الواقع السوسيولوجي للشعب العراقي لا يمكن أن يتحمل مثل هذه الضربات دون ردود فعل بأشكال وأوجه مختلفة يقول الرئيس بوش أنه أتى بالديموقراطية والحرية للعراق ليس المهم ما يقول، المهم ماذا يفهم الشعب العراقي وما هي قناعاته إن الهجمات المتعددة ضدّ المدن العراقية لم تقض على ˜التمردŒ بل زادته وتوسع نفسياً لدى كل أطياف الشعب العراقي فهل يكون الحصار على الطريقة الكينية مخرجاً للولايات المتحدة هل تتحمل الولايات المتحدة مثل هذا الحصار لفترات طويلة وتجعل مناطق الحصار مسرحاً لعمل الفضائيات والمراسلين يأخذون منه مادة يومية لانتقاد أميركا وإبراز الصورة البشعة للجندي الأميركي والمشهد الأخرق للسياسة الأميركية هل يبقى الرأي العام الأميركي ساكناً رغم كل المسكنات الاعلامية لو نظرنا الى ما يبحث الدراسون الأميركيون عنه نجد أن التخطيط العسكري والسياسي جرف معه تخبطاً في الدراسات وألأبحاث نابع من فشل استراتيجي لا يمكن إنكاره قالت كوندوليزا رايس أن هناك آلاف الأخطاء التكتية في العراق لكن لا توجد أخطاء استراتيجية ويمكن لأي باحث صغير أن يجيب رايس ألا تساوي كل عشرة أخطاء تكتيكية خطأ استراتيجية فكيف بالألف