العدد الحادي عشر - آيار 2006

ثقافة الشعب

صخر الحاج حسين
الثلاثاء 6 حزيران (يونيو) 2006.
 
New Page 1

في ظهور منفرد على الخشبة يروي بيل كوسبي* حكايته هو وزوجته كيف قررا ولأنهما كانا من المثقفين أن تنجب الزوجة طفلهما بالطريقة الطبيعية للولادة. وحتى يبدو الأمر طبيعياً وبحسب السينما، كل ما يحتاجه المرء قليل من الماء الساخن! وبالفعل، يجري كوسبي  وزوجته بعض التدريبات استعداداً للولادة وذلك بحضورهما بعض الدروس التي تتعلق بكيفية الولادة الطبيعية. وتأتي اللحظة الحاسمة، حيث تبدأ آلام المخاض وهنا لم تستطع الزوجة تحمل المزيد فتتوسل لجرعة من المورفين كي تخفف عنها الآلام، فالمهارات الطبيعية التي اكتسباها لم تنفعهما. ربما عكست هذه الحكاية قلقاً ملحوظاً يتعلق بإعادة إنتاج طبقة اجتماعية بعينها أنتجت الجيل الأول من المحترفين الذين ينتمي إليهم كوسبي وزوجته. (فقد كانا من المتخصصين في علم نفس الطفل والتربية البدنية). وبالطبع لا يمتد هذا القلق الكامن في إعادة إنتاج الاجتماعي بالضرورة إلى الطبقات الأخرى، فالنقد اللاذع الذي تتوجه به الحكاية يكمن في الإشارة إلى مثال عن السيدات اللواتي يقطفن الأرز في بلدان العالم المحرومة، وينجبن أطفالهن في الحقول.. أطفالاً ينطلقون إلى الحقول مباشرة في قطف الأرز بأنفسهم فور ولادتهم.

New Page 2

تخرج الحكاية عن كونها مثالاً طريفاً. فخلف إدراكنا في أن المثقفين يحوزون مهارات غير ضرورية، يكمن التاريخ المحسوس الذي يجرد البشر العاديين من مواهبهم الطبيعية التي أكسبتهم إياها البيئة. وهنا تصبح الولادة سيرورة مؤسساتية تبتعد عن كونها عملاً طبيعياً. ومن هنا فقط يبدأ التاريخ بإظهار السلطة الفكرية للمحترفين وهي تؤسس لحرمان البشر من التحكم ببيئاتهم الطبيعية.

تنم هذه الحكاية عن قلق يتعلق بالنزعة الاحترافية ـ فإذا عوملت هذه النزعة التي تعني المهارات المكتسبة والمعرفة كشيء عديم القيمة مقابل الحياة الطبيعية، فإن السلطة وامتيازاتها التي تترافق مع المهارات والمعرفة يمكن أن تظهر كشيء لا مبرر له.

يميل الخبراء إلى خدمة المصالح التي تعتمد على الحفاظ على وسائل إعادة الإنتاج الاجتماعي. وباستحضار قيمة الطبيعي في المسائل ذات الصلة بإعادة إنتاج الأسري، فإن الحكاية تؤكد على منظور محافظ فيما يتعلق بوضع الطبيعي في العائلة النواة*. كما تمثل حكاية كوسبي ما تقوم به الثقافة الشعبية وهو إشراك إدراكات الجماهير وطموحاتها وحتى استيائها، مع السلطة الفكرية الشرعية كالأطباء وأساتذة الجامعات.

ما نراه اليوم هو أن المثقفين والمتعلمين، هم أكثر الفئات جهلاً وأشدهم غباء. إذ يخضع هؤلاء لكتلة الدعاية الجبارة، وهم يشكلون المديرين الأيديولوجيين، ويستبطنون الدعاية ويصدقونها.. ويشكل الجانب الأكبر الذي طوروه من هذه الدعاية اعتقادهم أنهم القادة الطبيعيون للجماهير*.

تطول كلمات تشومسكي العدد الأكبر من المثقفين في الغرب. والمثقف بتعريف تشومسكي هو ذلك المحترف الذي يشغل عملاً تقنياً في المجتمع أديباً كان أم فناناً، طبيباً، أم مهندساً... الخ.

برز في السنوات الأخيرة من القرن العشرين شبه إجماع من قبل بعض الأصوات من اليمين واليسار حول الشرور الجوهرية للتكنولوجيا الحديثة والثقافات البربرية للكتل*. فبالنسبة لبعض الأصوات اليمينية اتخذت هذه البربرية لبوس امتلاك متوحش لآخر المواقع الفكرية للثقافة الرفيعة. وبالنسبة لليسار يلوح شبح الرأسمالية المتطرفة خلف أشكال فكرية قميئة يغذيها نظام يحتضر، يسعى لإعادة تنظيم أيديولوجي واقتصادي. لكن كلا التيارين يشتركان في وجهة النظر المتشائمة ذاتها فيما يتعلق بالانحدار الثقافي الذي تسرع به قوى العقلانية التكنولوجية. وكما تعبر سلطة السيبرنيطيقا عن ذلك في أن مجتمع المعلومات تم تنصيبه على أنه الجواب الأخير على أزمة الإفراط في الإنتاج.

وتسيطر اليوم عبادة المعرفة والخبرة على تدويل ثورة المعلومات، وتمتص الجامعات كل أشكال الفعاليات الفكرية، وبات واضحاً أن عباءة المعارضة لم تعد لتستريح على أكتاف الطليعية (الآفانغاردية)، ولا على مفكري النخبة المتروبوليتيين الذين شكلوا الجسد التقليدي لصناع الذوق والآراء ولا على البوهيميين الرومانسيين الجدد الذين صاغوا الخيال النيتشوي البطولي للامنتمي، أولئك الملتزمين بالحقائق الاجتماعية التي تحولت إلى حركات رفض اجتماعية كانت تنظم ولبعض الوقت جهودها الخاصة لتغيير التاريخ*. وتم نقاش هذه المسألة من قبل فوكو، الذي قال إن المثقف التقني هو ذاك الذي ترتبط حدود فعله السياسي مع الصراعات المعينة التي تتطلب معرفة وخبرة. هذه الحدود التي يجب أن تشكل أساساً لمعارضة لا مركزية. كما رأى ماركوز أن المجتمع التقني حول أفراده إلى أفراد ببعد واحد أي أنهم باتوا ضحايا لحاجات وهمية مصطنعة خلقتها الدعاية والإعلان. هذا الفرد ذو البعد الواحد الذي استغنى عن الحرية بوهم الحرية، لمجرد أنه يستطيع أن يختار بين شيئين أحلاهما مر. إن غياب النزعة المثالية التقليدية يعني أن انتفاضات الطلاب في العقدين الخامس والسادس من القرن المنصرم لن تحدث ثانية، على الأقل ليس في حلتها القديمة. لقد اشترك أولئك الطلاب في صنع الثقافة المعارضة، التي شكلت النزعة المثالية للثقافة الإنسانوية، بكل ازدرائها المرافق للتكنولوجيا، وصنعت أفقاً محدوداً لم يستطع الوقوف في وجه المتغيرات الحداثوية. وإذا كان عالم الأدب والفن قد مثل دائماً عالماً متعالياً على البشر بعداً آخر للواقع أو رفضاً عظيماً على حد تعبير فلسفة علم الجمال، فإن هذا الرفض بات اليوم مرفوضاً بدوره وامتص عالم الأعمال ذلك البعد الآخر. وهنا يمكن لنا أن نتساءل هل يؤمن البشر العاديون (ضحايا الثقافة الشعبية) بأن الثقافة والمثقفين موجودون أعلى منهم بكثير؟

للإجابة عن هذا السؤال نحيل أنفسنا إلى قصيدة بودلير (ضياع الهالة ـ كآبة باريس رقم 46) المكتوبة عام 1865 التي تعبر عن حالة الصدام بين شاعر وإنسان عادي في مكان سوقي حداثي. فالإنسان البسيط المدمن على اعتناق فكرة سامية عن الفنان يصاب بالدهشة والذهول إذ يجد أحد الفنانين في هذا المكان: يا إلهي! أنت بالذات هنا يا صديقي؟ أنت في مكان كهذا؟ أنت يا من تأكل طعام الآلهة وتنهل من خوابي المثل العليا! إنني مندهش ومذهول!.

لقد ارتبط مفهوم السوقية Vulgarity بمفهوم الحداثة الذي دشنه الغرب. وتم التجلي الأكبر لهذا الارتباط في عقدي الخمسينيات والستينيات. فالثقافة الشعبية ـ وهي مقولة أميركية ـ استطاع المجتمع الأمريكي أن يسوقها إلى المجتمعات الأخرى من خلال نمط حياة كامل The American way of life ، وإذا كان المجتمع الأميركي قد تبنى هذا النمط فإنه بذلك ينسجم مع تاريخ أميركا القصير جداً ومع التنوع الإثني والعرقي لجريان الانصهار* هذا. وإذا كنا من المتفقين مع ماركس في مقولته حين وصف المثقفين بأنهم من كسبة الأجور وذلك لأن الثقافة الحديثة هي جزء من الصناعة الحديثة، فإن هذا الكلام ينطبق على حالة الغرب أكثر من تطابقه مع أية حالة أخرى. فالثقافة بالتعريف هي ثنائية البعد، لأنها تميز بين الواقع وما يمكن أن يكونه هذا الواقع. لكن دور وسائل الاتصال الجماهيري في المجتمعات آنفة الذكر قد خففت من حدة التناقض بين الواقع الثقافي والواقع الاجتماعي من خلال دمج قيم الواقع الثقافي بقيم الواقع الاجتماعي  وتسويقها تجارياً. إذاً فالثقافة في هذه المجتمعات بضاعة وحتى موسيقا الروح باتت موسيقا تجارية*.

ولكن ورغم ذلك هل نستطيع الرهان على دور المثقف من جديد؟ وهل نستطيع أن ندرج الكتاب والمثقفين في تسميات غير سياسية؟.

رغم فيض المقالات والكتب التي تقول إن المثقفين لم يعودوا موجودين وإن نهاية الحرب الباردة وفتح الجامعة الأمريكية بصفة أساسية أمام طوابير من الكتاب والمثقفين وعصر التخصص وتسليع كل شيء وتحويله إلى تجارة في الاقتصاد المعولم الجديد.. هذه الأشياء كلها أدت إلى انتهاء الفكرة الرومانسية البطولية عن الكاتب ـ المثقف المتوحد. والكلام لإدوارد سعيد، رغم ذلك كله، مازال هناك الكثير من الحياة في أفكار وممارسات الكاتب المثقف التي تمس الحقل العام. وهي إلى حد كبير جزء عضوي منه وما كان من الممكن وجود مناقشة كهذه لو كانت الحقيقة غير ذلك. فقد أخذ الكاتب والمثقف ـ على حد تعبير سعيد ـ في السنوات الأخيرة من القرن العشرين المزيد من صفات المعارض في شتى المجالات كقول الحقيقة أمام السلطة والعمل كشاهد على الاضطهاد والمعاناة وتقديم أصوات مختلفة في الصراع مع السلطة بشتى أشكالها. ويبقى كلام ـ سعيد ـ ليراهن على بعض جوانب باقية من مثقف القرن العشرين في الغرب حين يبرز دور بعض المثقفين في الرفض البحت أحياناً لما يمكن أن تمارسه مجتمعاتهم، والرفض الطارئ مع إيجاد البدائل أحياناً أخرى.

صخر الحاج حسين


 

* Nuclear Family تضم الوالدين والأشقاء والشقيقات فقط.

* Noam Chomsky, at Universided Centroamericano in Managua, Nicaragua 1986

* mass

* Melting pot المقصود الولايات المتحدة الأميركية.

* يرى ماركوز أن الموسيقا الكلاسيكية تتعارض مع نظام الهيمنة الرأسمالية ونمط الحياة الاستهلاكية الذي تطاول ليشمل كل شيء بدءاً من الأغنية وانتهاءً بألعاب الأطفال.