العدد الحادي عشر - آيار 2006

المتنبي يثور في طرابلس (الشام) عام 947م

د.ابراهيم فاضل
الثلاثاء 6 حزيران (يونيو) 2006.
 

نشرتُ في العدد / 9/ تاريخ آذار 2006 من مجلّة تحوّلات مقالاً تحت عنوان المتنبّي في لبنان بين عامي 935 ـ 948م. تحدّثتُ فيه عن لقاءات المتنبّي مع قادة الفكر اللبناني يومئذٍ.

وما أن نُشِر المقال حتى تلقّيتُ عدة اتصالات من داخل وخارج الوطن تتمنّى عليّ أن أركّز الضوء على هذه الفترة من حياة المتنبّي.

وتلبيةً لرغباتهم أقول لهم: من المفيد للباحث في تاريخ المتنبّي أن يكون ضليعاً بالتاريخ الجغرافيا والفلسفة وفيزياء الكلمة والحركات الباطنيّة السريّة السائدة في ذلك الزمان، ليحيط فكراً فيما يلي:

ـ في عام 945م استولى أحمد بن بُوَيْه على بغداد بينما تمكن أخواه؛ عليّ والحسن من الاستيلاء على شيراز وكرمان... ثم قام فنّا خسْرو بن الحسن بضمّ العراق وفارس في دولة واحدة موحَّدة، متّخذاً لقب عضًد الدّولة. وتعود جذور بُوَيْه الأبّ إلى كسرى يَزْدجرْد الجدّ الأَعلى للإمام عليّ زين العابدين، بن الحسيْن (ع) [جدّه والد أمّه] الذي اغْتيل عام 651م، كما اغْتيل جدُّه عليّ (ع) عام 661م و... اسْتشهد والدُه الحسيْن بن عليّ (ع) عام 980م... وكان البويهيون شيعةً [حسب المصطلحات الدارجة سياسياً] ولذلك عمل عضُد الدولة على كشف قبول آل البيت في العراق وتشييد المقامات الشريفة عليها بما يليقُ بها. وسقتوم علاقةْ خاصة بين المتنبّي وعضُد الدولة عام 965م وسأفردُ لها بحثاً وافياً.

 [وإن غلاماً بينَ كسْرى وهاشمٍ

لأكرمُ مَنْ نيطتْ عليه التّمائمُ]

ـ في عام 945م تمكّن سيفُ الدولة الحمداني من انتْزاع حلب والشمال السوريّ واللبنانيّ. ثم انْتزع حمصاً ودمشق حيث تعايش هناك مع الفارابي الفيلسوف [كما يقول الباحث الروسيّ قاسمجانوف ثم انْتزع طبريّا من محمّد بن طغْج.

 ـ محمّد بن طغْج عبْدٌ مملوكيّ فرْغانة فارس دخل في خدمة العباسيين وتفاني في إِرْضاء شهواتهم. فأمّروهُ على مصر وسوريا ولبنان وخلعوا عليه لقلب إِخْشيد [وهو لقب أمراء فرغانة].. حدث هذا بين عامي 940 ـ 945م.

ـ في عام 945م أرسل الخليفة الفاطمي المنصور بالله إسماعيل، أبو طاهر دعاته سرّاً من المهْدية التونسيّة إلى بلاد مصر والشام والعراق... لدراسة إمكانية انتزاعها من العباسيين.

الآن نحن في جوّ المتنبّي ضيفِ لبنان الأكْبر (عام 947م) وما يحيطُ به من تحّرّكات خطيرة للغاية. فلماذا يثورُ في طرابلس بالذات؟ وعلى مَنْ؟ الجواب يكمن في أَنَفَة المتنبّي وعرُوبته، وفي وجود دُخَلاء أَجانب نُصٍِّبوا على اللبنانيين الأُصلاء. وتَجري الحادثة كما يلي:

مرّ المتنبي عام 947م في مدينة بعلبك فاستُقبل اسْتقبالاً شعبياً رائعاً وأَوْلم له عليٌّ بن عسكر وجيه المدينة. وخلع عيه وتمسّك به... ملْتمساً منه أن يقيم بينهم كواحد منهم... وفي المدينة وريفها آلاف المُعجبين به شاعراً وثائراً ومكراً.. [قُلْ لي من تُحِبّ أَقُلْ لكَ مَنْ أنت].

اعْتذر المتنبيّ مبيّناً ضيق الوقت لموعد له مع هارون بن عبد العزيز الأوراقي الكاتب الشهير في طرابلس وتوج اعتذاره بقوله:

رويِنا يا ابْنَ عَسْكَرٍ الْهُماما

ولَمْ يتركْ نَداكَ لنا هُياما

وصار أَحَبُّ ما تُهدي إلينا

لغيرِ قِلىً، وَداعَكَ والسّلاما

* * *

يتّجه المتنبّي إلى طرابلس ويلتقي بالأورْاقي والرفاق.. ثم يريد أن يغادر المدينةَ قاصداً انطاكية في الشمال ولكن.. ولكن لماذا؟

* * *

في طرابلس الشام يقف أمامه إسْحَق بن كَيْغَلَغ طالباً منه أن يمدحَه كما مدحَ الأوراقيّ.

وإسْحَق هذا مملوكٌ اسْتُخدم بوّاباً عند أبي العشائر الحمدانيّ ثم خان وليَّ نعمتهِ ودخلَ في خدمة محمّد بن طغْج الذي أَمَّره على مراقبة الطريق الساحلي بين العريش وإنطاكية مروراً بطرابلس، ودعمه بالرجال والمال.. والآن يقف في وجه فارس الأَنَفَةِ والأخْلاق والعرُوبة... القائل:

إنّما النّاسُ بالملوكِ وما

تُفلِحُ عُرْبٌ ملوكُها عَجَمُ

لا أَدَبٌ عندهم ولا حَسَبٌ

ولا عُهودٌ لهم ولا ذمَمُ

بكُلِّ أرْضٍ وطِئتُها أُمَمٌ

تُرعى بعبْدٍ كأنَها غَنَمُ

وقف إسحق بن كَيْغَلَغ في وجه المتنبّي مهدّداً إيّاه بالقتل إذا ما تركه بدون مديح وسار إلى إنطاكية.. والمتنبّي يعرف نذالةَ هذا العبدِ المملوكِ لمعرفتِهِ سيّدَاه أبا العشائر الحمدانيّ معرفةً جيّدة... وكان قد رَسَم للقائه معه خمسَ عشرةَ لوحةً فنيّة ما فاقها جمالاً وصدقاً إلا اللوحات التي رسمها لاتّحادِ شخصيّته بشخصيّة سيف الدولة الحمداني ابن عمّ أبي العشائر...

إنسان القرن الـ 21 م لا يتصوّر حقدَ وغدرَ العبد الآبق.. ولكنّ المتنبّي يعرفُ ذلك ويعرف كيف يقابله..!!

سيقابله بسلاح إمبراطوريّة الإِعلام كما سيقابل بها فيما بعد كافوراً الإخشيديّ أحدَ خصْيان محمّد بن طغْج الذي خانه بعد موته بابْنه (أنوجور).

إذنْ، فليمْتشق القلمَ العبقريَّ وليرسم له لوحةَ الجوارِبِ النتِنَة:

ما زلتُ أعرفهُ قرْداً بلا ذَنَبٍ

خلْوا من البأْسِ ممْلوأً مِنَ النَّزَقِ

تَسْتغرِقُ اكفُّ فوديْهِ ومَنْكِبَهُ

فتكْتسي مِنْه ريحَ الجوْرَبِ الْعَرِقِ

وأرسل له اللوحةَ مع أحد محبّيه من اللبنانيين فأقسَم أن يقتَله ولو في بلاد الرّوم لأنه أَذَلّهُ وهو لا يقبل الذل فأجابه المتنبي:

وإِسحقُ مأْمونٌ على مَنْ أَهانَهُ

ولكنْ تسلّى بالبُكاءِ قليلا

ويكذِبُ ما أذْللتُهُ بهجائِهِ

لقد كانَ مِنْ قبلِ الهجاءِ ذليلا

هنا تَفْتَحُ كلُّ وسائل الإعلام مسامَعها وعيونَها في لبنان المتنبّي متوقعةً من شاعرها إذابةَ خصمهِ إسحق بن كَيْغَلَغ الذي نُصِّبَ وصِيّاً على لبنان من قِبَلِ مملوكٍ نُصِّب بدوْرهِ وصِيّاً على مصْر والشام.. وفعلاً... أَجبره على الهرب من أمام عيون الشعب اللبنانيّ المتشفّي من الدّخلاء بعزْم رسّامٍ كاريكاتوريّ مُبدِع، عرف كيف يعرّي هذا الوصيّ الأعجميّ النذل في سوق النقّاد. وما زلنا نحن العربَ (وكلّ ذواقي الوصف الكاريكاتوري) نتمثّل برسوم المتنبّي وبشعر المتنبّي، وبحِكَم المتنبّي لأن المتنبّي يحكي بلسانِ كلِّ إنسانٍ حرّ أبيٍّ... والآن سيذيبُ ابنَ كيْغَلَغ بتصويرِهِ له عارياً من الإنسانيّةِ كما يذيبُ الملحُ البزّاقَ. يقول المتنبي:

لِهوى النفوسِ سريرةٌ لا تُعلَمُ

عَرَضا نظرتُ وخِلتُ أنيّ أَسْلَمُ

يا أختَ مُعتنِقِ الفوارس في الوَغى

لأَخوكِ ثُمَّ أرقُّ منكِ وأرحَمُ

راعتْكِ رائعةُ البياضِ بمفْرِقي

ولو أنّها الأولى لَراعَ الأسْحَمُ

لو كانَ يُمكنِني سَفَرْتُ عنِ الصِّبي

فالشّيبُ مِنْ قبْلِ الأوان تَلَثُّمُ

ذو العَقْل يشْقى في النّعيمِ بعقلِهِ

وأخو الْجهالةِ في الشقاوةِ يَنْعَمُ

يُؤذي القليلُ مِنَ اللئامِ بطبْعِهِ

مَنْ لا يقِلُّ كما يَقِلُّ ويلؤُمُ

والظلمُ مِنْ شِيَمِ النفوسِ فإنْ تجِدْ

ذا عِفّةٍ فلعلّةٍ لا يظلِمُ

يحْمي ابنُ كَيْغَلَغ الطريق وعِرْسُهُ

ما بَيْنَ رِجليْها الطريقُ الأَعَظْمُ

واْرفقْ بنفْسِكَ إنَّ خَلْقَكَ ناقِصٌ

واسْترْ أباكَ فإنّ أصلَك مُظلِمُ

ومِنَ البليّة عذلُ مَنْ لا يرْعوي

عَنْ غيّهِ وخِطابُ مَنْ لا يفهَمُ

يمْشي بأربعةٍ على أَعْقابِهِ

تحتَ العلوجِ ومِنْ وراءٍ يُلْجَمُ

وإذا أشارَ مُحدِّثاً فكأنّهُ

قِردٌ يقهْقهُ أو عَجوزٌ تَلطُمُ

وتراهُ أصْغرَ ما تراهُ ناطِقاً

ويكونُ أكذَبَ ما يكونُ ويُقسِمُ

أَرْسلتَ تَسْألُني المديحَ سفاهةً

صفْراءُ أَضْيقُ مِنكَ ماذا أَزْعُمُ

وَطلبتَ ما لأبِي العشائرِ خالِصاً

إِنّ الثناءَ لِمَنْ يُزارُ فيُنعِمُ

ولِمَنْ أقمْتَ على الْهَوانِ ببابِهِ

تدْنو فَيوجَأُ أَخْدَعاكَ وتُنْهَمُ

أفْعالُ مَنْ تلِدُ الكرامُ كريمةٌ

وفِعالُ مَنْ تَلِدُ الأَعاجِمِ أَعْجَمُ

القصيدة /36/ بيتاً يمكن الرجوع إليها في ديونه. وصفراءُ هي أم إسحق بن كَيْغَلَغ. وهكذا يثور المتنبّي فيعصف بابْنِ كيْغلغ ويبقى (هو هو) مالِئاً الدنْيا وشاغلاً الناس وضيفَ لبنان الأوّل.