عن أي صراع يتحدثون؟

العدد 2 - آب 2005 : أحمد صوان
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 
في حديث أدلى به ايهود أولمرت نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي لشبكة سي إن إن، في معرض كلامه عن ا لإرهاب، أكد أن إسرائيل تريد تغيير المعادلة في الشرق الأوسط، من أجل وضع أسس الحوار بيننا وبين الفلسطينيين إن مثل هذا التصريح كان يمكن أن يمر مرور الكرام لولا أن توقيته جاء في ظل تطورات وأحداث تشير إلى أنه ليس إسرائيل وحدها التي تريد تغيير معادلة الصراع في المنطقة، بل إن أميركا قبل إسرائيل كانت قد أشارت إلى إمكانية مثل هذا التغيير، ففي زيارتها قبل الأخيرة إلى المنطقة وجهت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس انتقادات للسياسة الأمريكية في المنطقة، ووصفتها بأنها خاطئة على امتداد ستين عاماً سابقة. والسبب، كما تقول رايس، هو أن الولايات المتحدة في السابق كانت تؤكد على الاستقرار في المنطقة، في حين أن المطلوب الآن ليس الاستقرار بل الأمن ومكافحة الإرهاب، والبديل عن الاستقرار في الذهن الأمريكي الآن هو الفوضى الخلاقة التي تأخذ صيغة توليد صراعات جديدة كانت المنطقة برمتها في منأى عنها، وهي صراعات طائفية وسياسية وربما جغرافية..

صراعات، تريد الولايات المتحدة منها أن تصل إلى ما تسميه بالديمقراطية والإصلاح والحرية، لكن بعد أن تنتشر الفوضى الخلاقة أو الأمن الأمريكي في المنطقة.

وكنموذج على ذلك، ها هي العراق تعيش أزهى مراحلها وفتراتها وفق الإرادة السياسية الأميركية حيث الموت بالمجان، وحيث التفخيخات و التفجيرات والقتل بالعبوات الناسفة، واللا أمن واللا استقرار.

وفي فلسطين، تريد أميركا، وهو ما يتضح من خلال الدعم الكامل والمطلق لشارون، استبدال الصراع العربي الإسرائيلي، ورأس حربته الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بصراعات داخلية فلسطينية، لتمتد وتشمل وتضم صراعات داخلية عربية ـ عربية، وذلك أيضاً في إطار الفوضى الخلاقة، أو ما يسمى بمكافحة الإرهاب، وهو أيضاً ما يتطابق مع الرؤية الأمريكية إن لم يكن خططها في المنطقة بتغليب الأمن، أمن الجيش الإسرائيلي، والاحتلال والمستوطنين على كل ما عداه من مسائل وقضايا، وهذا الأمن يستدعي تهيئة الأجواء وتوفير المناخات الملائمة لاقتتال (فلسطيني ـ فلسطيني) وليس من شك في أن كل التدابير والإجراءات الإسرائيلية باعتبار خطة الانسحاب من غزة، هي آخر الانسحابات الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية تتطلب أن تكف السلطة والمنظمات عن التنديد بهذه التقديرات الإسرائيلية والحسابات الأمنية في هذا الصدد بل وفوق ذلك القبول بها، والمشاركة في تثبيتها وتنفيذها ورعايتها، ولما كان هناك من يدعو في الجانب الفلسطيني الانتفاضة ومنظمات المقاومة إلى الرد على كل هذه الإجراءات العنصرية الاستيطانية الإسرائيلية، فإن العقبات هو خلق حالة اقتتال داخلي كنوع من الفتنة الدامية التي إن وجدت مرتسماتها على الأرض أحدثت كارثة مأساوية للقضية الفلسطينية ولشعب فلسطين وللمصير الفلسطيني، وبذلك لن تكون القضية الفلسطينية ولا أي احتلال أميركي أو إسرائيلي للأراضي العربية جوهر الصراع في المنطقة.

وهنا مكمن الخطر الداهم في اللعب على النار، وإقحام الفلسطينيين، على غرار النموذج العراقي، وربما لاحقاً النموذج اللبناني في أتون هذه النار، وهو ما سيصب في النتيجة في المصلحة الأميركية الإسرائيلية، ومشاريع الشرق الأوسط الكبير، والإمبراطورية الإسرائيلية في المنطقة، وباتفاقات مع أطراف عربية وإقليمية تفوق في أخطارها اتفاقية سايكس بيكو التي وعلى غرارها سيتم أيضاً تقسيم ما تم تقسيمه وتجزئة ما تم تجزئته، في كل داخل عربي على حدة، وبين العربي ونفسه، في وطن يريدون تسميته بأي شيء سوى أن يكون عربياً. وهو ما ينبغي أن يستوجب الحذر أولاً وثانياً وثالثاً وعاشراً، بل كل الحذر واليقظة، وبالتالي الصحوة التي طال انتظارها.