العدد الحادي عشر - آيار 2006

قميص الماغوط وحداثة الشعر العربي!

زيد قطريب
الثلاثاء 6 حزيران (يونيو) 2006.
 

تبدو مقاربة الماغوط من الناحية السيكولوجية والشعرية، أعمق من محاولات الجذب والدفع القسريتين اللتين تعرض لهما هذا الرجل منذ أن أغمض عينه الحزينتين حتى الآن، خصوصاً أن تلك المحاولات استندت في غالب الأحيان إلى معطيات ومواقف ملحقة بالعملية الإبداعية لديه، في حين أنه من المنطقي أكثر أن تعتمد أية محاولة نقدية نصوص الماغوط نفسها عند القيام بسبر خطوطه البيانية التي تبدو شديدة الحساسية والتعقيد.. فمن الصعوبة الحكم على الماغوط كسياسي أو مجنون، وذلك لسبب بسيط يتلخص في أنه شاعر!!

مات الماغوط وهو يستمع إلى القرآن الكريم، لكن هذا لم يكن كافياً لتصنيفه ضمن حاملي لواء الإسلام أو المشاركين في غزوة بدر.. ذلك أنه في الوقت نفسه كان ممسكاً بكأس الويسكي، وفي اليد الأخرى لفافة تبغه المعتادة التي لا تفارقه أبداً.. وأيضاً فإن صورة جمال عبد الناصر المعلقة على الجدار خلفه تماماً، لم تكن لتقنع أحداً أنه عضو في حزب الاتحاد الاشتراكي مثلاً، وجميعنا يعرف حجم العذابات والسجون التي حملها هذا الشاعر في حقبة الوحدة وما سبقها أو تلاها..!

في كل الأحوال، هذه المقدمة ليست محاولة لممارسة أي نوع من الدفع أو الجذب بحق شخصية الماغوط، وفي أي اتجاه كان، ذلك أنّ قراءة الفرح ليس مهنتي وغرفة بملايين الجدران بالإضافة إلى آثاره المسرحية والسينمائية، والبحث عن دوره في تغيير شكل الكتابة العربية.. كل ذلك أكثر إغراءً من ألوان قمصانه أو أريكته وأنواع الويسكي التي يحب.. ولذلك استدراكاً أقول إن صورة كمال خير بك الموجودة في غرفة الماغوط لا تشكل سبباً كافياً للقول إنه (قومي سوري) كما يحلو للبعض نطقها، ولا حتى علاقته بسعيد مخلوف أو جماعة شعر في بيروت.

بمنتهى البساطة، من غير الممكن للماغوط أن يتحول إلى مخلّص يمارس دور السيد المسيح تجاه أيّ كان من التيارات السياسية المختلفة، لذلك فإن التعويل عليه كمنقذٍ أخير، لا يجدي نفعاً في انتشال أيّ من المؤسسات المتهالكة أو المنهارة..!! فلا يقومنَّ أحدٌ بتحميل الماغوط ما لا يحتمل.. ولا يحاولنَّ في الوقت نفسه سلخ جلده وإلباسه ما لا يطيق..!!

ما دفعني إلى الحديث حول هذه المسألة، هو أنني منذ رحيل الماغوط حتى الآن التقيت عدة أشخاص بادروا، بعد تقديم واجب التعزية مباشرةً، فذكروني بقصة الصوبيا والبنطلون إلى ما هنالك مما يعتقدونه دلائل لا جدال فيها تثبت أن هذا الشاعر ليس قومياً، مع أنني لم أحاول تقديم صك ملكية بالماغوط يخصّ جماعةً أو حزباً، أو حتى بلدةً صغيرةً نائيةً كالسلمية.. وكنتُ أُفضّل لو تم الحديث عن أثر الماغوط في تغيير وجه الكتابة العربية، وتدعيم تجربة قصيدة النثر كأسلوب مختلف عمّا ألفته الذائقة العربية بشكل عام.

في كل الأحوال، ما أعرفه أن جنازة الماغوط سارت دون أن يرتفع علمٌ حزبيّ واحد أمامها أو خلفها، كذلك فإن قادة الحزب القومي الموجودين في التشييع، وفي خيمة الوداع المنصوبة في المقبرة، لم يُرحَّب بهم، ولم يلقوا كلمة باسمهم..

حتى إن البعض قالوا إنهم عُوملوا كالغرباء.. ومع ذلك لم ينجوا من قصة الصوبيا ولا البنطلون أو سواها..!!

في هذا الإطار.. لن أتهم الماغوط بالقسوة والجحود في تعامله مع زوجته الشاعرة سنية صالح، وأيضاً مع أقرب الناس إليه.. ولن أعلّق على عنوانه الرائع سأخون وطني فأتهمه بالعمالة أو نكران الجميل... ذلك لأنني لن أقطف تفاح شيلر المتعفّن وأنسى قصائده الخالدة.. أيضاً لن ألبس قمصان الماغوط الزرقاء، وأنسى الفرح ليس مهنتي..!!

يبدو من غير الحكمة أبداً القيام بأي عملية قطع معرفي في تجربة الماغوط الشعرية بشكل عام، وكأنها وليدة الفراغ، ذلك أنه يمنح من خزان معرفي وثقافي ولد معه في دمشق، ثمّ نما وأزهر في بيروت، وهو جزء من حركة حداثوية تناولت مختلف مناحي الحياة، وتألقت أكثر ما تألقت فيما صنعه جماعة شعر في كتاباتهم النثرية والشعرية التي استطاعت أن تبلور مقولة هذه الحركة في أنه من غير الممكن لإنسانٍ غير جديد أن يكتب شعراً جديداً، أو أن يقدم أيّ عمل حديث..!

أين تبدأ حداثة الماغوط، وأين تنتهي؟ تلك أسئلة تحتاج للدرس الشائك والطويل، ولا يمكن ارتجالها مطلقاً..!