العدد الحادي عشر - آيار 2006

في رثاء كاف التشبيه

عبد الله ونوس
الاربعاء 7 حزيران (يونيو) 2006.
 
New Page 1

 ـ 1 ـ الغزاة

 

الشهيُّ كرائحة صابون اغتسال امرأة .. العنيدُ كهاويةٍ مقلوبة .. والوديع ككفن الميتْ .. عادَ إلى مدينته أخيراً .

انهارت الأسوار ، وسقط العرش حزناً .. الغزاة الثملون افترشوا الشوارع كالغبارْ .. كالحصى .. كالعشب النابت بين شقوق الإسفلت والحجارة .

الغزاة المسلّحون بدموعهم  وأعناقهم المرفوعة كالرايات .. بهذا الدفء الغريزي لانتهاء الحياة . ٍ بتصفيقٍ محموم كالعناق . 

الهواء المثلوم يحزُّ عنق الخامس من إبريل ألماً إثر ألم .. والأخضر الممتد فاغر النسغ مبهوتاً ومُباغتاً بهجوم الغزاة المترنحين كأنفاس المطعون ..

الغزاة المحتفون بهزيمتهم أمام الموت ، دكّوا الأسوار كفوحان الريحْ .. أمامهم تتدحرج كرة الورد الكبيرة ، التي تتسع مع كل استدارة لتغدو بحجم المدينة ..

الشموع التي زرعوها على القبر ، كانت سجائره الأخيرة التي غادر ولم ينفث زفيرها بعد ..

والعطور المسكوبة على الجدث لم تكن عطور ميتين .. إنها العطور الأكثر التصاقاً بالأحياء .. ـ بُقيا قنانيه المتناثرة هُنا وهُناك ـ كجيشٍ مهزومٍ في ساح معركة .

والتراتيل قصائده التي طالما هرب من إنشادها على المنابر ، هُزّتْ عليه كالأغصان لتسّاقط رحمةً وجنوناً طويلاً كالزمان ..

الآن انتهت المعركة .. لقد مات صديق الموت ؟؟!

ـ 2 ـ سورة الشاعر

 

" لإيلاف العائد رحيلهُ ذات خريف ، مع أوّل جرسٍ يقرعُ لمدرسة ، مع آخر سنونوةٍ تحزم حقيبة بردها وتغادر ، والآيبُ مع أوّل معطفٍ تخلعهُ الشمس عن جسدها من ملابس الشتاء ، مع إغلاق دفتي كتاب الشعر ـ الذي لم يطعمهُ من جوعٍ ولم يؤمنهُ من خوف.

 

ـ3 ـ المدينة .. تماماً قبل أن يصل ؟

 

المدينة الحنونة التي لا تمل انتظار أبناءها القساة .. تنتظر الآن ـ يوسفها ـ الجديد ، سيعود اليوم إليها أحبهم إلى قلبها ، لكن ليس كما غادرها قبل قبضتي يد محشوة بالسنوات ، سيعود إليها بلا شعرٍ أشقر ، وبعينين يبست خضرتيهما ، ولن يكون ذلك المشاكس الذي فشل في حياته بأية ألفة ـ سوى ألفة الموت ـ

والمدينة أيضاً والتي ربما سيتعذب قليلاً في قراءة تجاعيد أحزانها والتي تغيّرت أكثر مما تغيّر هو ، على جسدها أثر قنوات عطشها كأثر الأنصال الطويلة .

غادر محمد الماغوط سلميه وليس في حقيبته سوى هذا الحرمان المديد القامة ، ودفاتر بصفحاتٍ بيضاء وها هو يعود وقامة حرمانه مقوسةً قليلاً ودفاتره البيضاء تفور فتنةً ووجداً وجنوناً ..

أبو شام اليوم في ضيافة الموت ، استبدل غرفته كثيرة الجدران بفضاءٍ مفتوح ، وتركنا وحدنا حزانى في ضوء قمرٍ شاحب ، بلا أية إلتفاتة .. وبلا مناديل تلويح سيأتي محمد الماغوط مسجى .. سيشيعه الشعر ويرثيه الكلام وتغمره ورود غبطة الكتابة والقصيدة فردوسه الذي سيدخل فيه راضياً وسعيداً .. ونحن سنتفرج على هذا المشهد لا حول لنا ولا قوة ..

ماذا سنقول لك الآن .. هل كما قلت لبدر شاكر السياب أن تشبّث بموتك أيها المغفل ..

وحيث قلت ما قلت ولم يكن كل هذا البلاء قد حل بنا .. فما ترانا وتراك نقول الآن .. وحين كانت الجنة للعدائين و لراكبي الدراجات .. فهل تقبل الجنة بأمثال هؤلاء وسط هذا الحمّى من العربات الفاخرة والسوداء كأيامنا ..

وداعاً محمد الماغوط .. لك أطواق الورد .. ولنا أطواق النمل الذي لم يُبقِ ولم يَذرْ .

 

 

Wanous123@hotmail.com