العدد الحادي عشر - آيار 2006

الماغوط : الشعرية الطازجة كالطفولة

أمين حموي
الاربعاء 7 حزيران (يونيو) 2006.
 

في بداية شهر نيسان يطالعنا الأصدقاء بكذبة ، تنطلي علينا مؤقتاً ثمَّ تزول . لكن محمّد الماغوط حقيقة مدوية ، مقيمة إلى أبد الآبدين . في هذا الشهر ولم يؤجل ساعة واحدة . هو ذكي ومدرك أن تفتح الزيزفون برائحته المميزة وعمر زهوره القصير لا يكون إلاّ في نيسان شهر الربيع ، وكأنّهُ يريد للنسغ أن يتوالد منّا وفينا كي تتابع الأجيال الدرب حتّى تتحقق الأماني التي حصرها في اثنتين : الأولى : أن لا يبقى سجين واحد على هذه الأرض ، والثانية : أن لا يبقى جائع في هذه الدنيا .

لم يتغير الماغوط فهو نسيج ذاته ، ديدنه الحزن ، لم يهادن أو يناور ، كان محبّاً للتحدّي ، صديق الموت . لم يتصنّع الشكوى أو احترفها وأجادها استعطافاً للآخرين كما لاح لأحد الشعراء من الأجيال اللاحقة لينتصر للشاعر الكبير علي الجندي الذي يعاني الإهمال ويقبع في الظل ـ نحن لا نريد تناسي أي إنسان فكيف بشاعر بحجم علي الجندي ؟ لكن المسألة بتقديري مختلفة لسببين :

New Page 2

الأول أن الشاعر الحقيقي لا يخرج من جلدته والماغوط عانى كثيراً حتّى رسخ كالجبل الراسي ، وأصبح شيخاً في طريقته. ولكن من حيث الجوهر والشاعرية فلم يتغير يوماً . أما السبب الثاني : فهو التنوع في الكتابة وخصوصاً " الدراما " والمسرح والتلفزيون والسينما ، وإن كنّا نجد الشعر مبثوثاً في كل ما كتبه فنال الشهرة التي يستحق عربياً وعالمياً . وواصل الكتابة حتّى آخر أيّامه حيث لا شيء كالشعر ينقذ من مهاوي الكوابيس فتتحوّل القصيدة إلى ملاذ آمن له القدرة على تحقيق إنسانية الإنسان في توقه إلى عالم أكثر حرية وعدالة . وإن كانت المعاناة هي النبع الذي لا ينضب والمحرك للإبداع ، فالحزن المنتشر في كل مكان يهز النفوس والأفئدة ولعل البشرية تتطهر من رجسها إلى عالم أكثر إشراقاً .

لقد ظل الماغوط طازجاً كالطفولة في حردها ونزقها ، وبدوياً في روحه وفرديته وتطرفه . يقول في أحد المقاطع :

" ماذا أفعل بهذه المدن واللافتات والشوارع

لستُ راقصة لأعيش تحت الأضواء

ولا بطلاً لأحيا بين الجماهير

إنني مجرد بدوي مشقق الروح والقدمين

يضع خفّه تحت إبطه

وينتقل من عصرٍ إلى عصر

كما ينتقل المشرّد من قطار إلى قطار  . "

إنها غربة الروح التي نحيا .. ! إن الماغوط لم يلامس الجرح فقط ، بل كان يفتحه ويتركه مفتوحاً ، لقد انعكست في ذاته هموم ومشاكل كل المجتمع فتوجّه إلى العالم يهيب به ويدعوه لأن يكون على نحوٍ أرقى وأجمل وأقوى ، وكانت رسالته إنسانية ذات تأثير كبير في المجتمع وفي الحياة الثقافية والاجتماعية . فالشاعر العظيم هو رجل عظيم أيضاً ، لذلك كانت مصائر الناس قضية جوهرية في أعماله. ومن ذاتيته أعطانا دروساً في معرفة النفس البشرية ، وأنبأنا بالمستقبل ببصيرة نافذة ، على الرغم من نفحة الحزن التي غلّفت أعماله ، هذا الحزن المبدع والرصين ولن نعدم من رنة الأمل بين شهقاته وفي تضاعيف سطوره ، تحمي بصيصاً من النور والشوق إلى العدالة والانسجام والحرية .

ـ رحم الله أبا شام الخالد ـ 

 

أمين الحموي / سلميه