العدد الحادي عشر - آيار 2006

نوافذ الماغوط

محمد اسماعيل دندي
الاربعاء 7 حزيران (يونيو) 2006.
 

أطلَّ الماغوط على الشارع العربي من ثلاث نوافذ : الأولى مسرحياته التي انتزع فيها البسمة من أفواه الملايين من المواطنين العرب الذين شاهدوها على شاشات التلفاز ، وهي المسرحيات التي شاركه الممثل دريد لحام في تأليفها ، وانفرد بتقديمها مع بضعة ممثلين ، ويُلحق بها البعض الأفلام كفلمي الحدود والتقرير ، هذه الأفلام والمسرحيات هي التي جعلت الماغوط يحظى بالنجومية الجماهيرية ، فعرفه القاصي والداني والمتعلّم والجاهل من أبناء هذا الوطن . والنافذة الثانية هي المقالات السياسية التي كان ينشرها في الدوريات العربية ، كالمستقبل والوسط وغيرهما ، وقد نالت هذه المقالات إعجاب القراء من متوسطي الثقافة والمهتمين بالنقد السياسي واللقطات اللاذعة ، وكوّنت له شعبية كبيرة في أوساط هذه الفئة من المواطنين العرب ، وفي بعض الأحيان كان كثير من القراء يدفعون ثمن المجلة سلفاً ليحجزوا واحداً من الأعداد التي حرر فيها الماغوط . أما النافذة الثالثة فهي نافذة الشعر التي تحتوي مجموعاته الشعرية وبخاصة ( حزن في ضوء القمر ـ غرفة بملايين الجدران ـ الفرح ليس مهنتي ) هذه النافذة هيأت له معجبين من النخبة المثقفة وهواة الشعر والأدب، ولا سيما المنفتحين على التطوّر والتجديد والحداثة . وقصيدة النثر وقد تكون هذه النافذة أضيق جماهيرياً ، لكنها أبقى ثقافيّاً وأقدر على مقارعة الزمن . فالمسرحيات فقدت كثيراً من بهائها بعد تكرار عرضها وتغيّر الأوضاع السياسية والاجتماعية التي أفرزتها . والمقالات السياسية انطفأت جذوتها بزوال مناسباتها . وقد أحس الماغوط بهذه الحقائق والوقائع ، فحاول في السنوات الأخيرة أن يدمج المقالة السياسية بالقصيدة النثرية ، وحيّر الكثيرين في تجنيس النصوص التي كتبها : أهي قصائد نثر أم خواطر ومقالات نقد ؟ وجمع هذه النصوص في كتابيه الأخيرين ( شرق عدن .. غرب الله , والبدوي الأحمر ) وبما أن الشعر هو الأهم والأبقى من أعماله ـ في رأينا ـ فقد حاولت في هذه المقالة أن أتقرى المقومات والعوامل الفنية ، واستخلص خصائص الماغوط الشعرية ، وأبين سمات قصائده النثرية التي تركّزت في مجموعاته الثلاث الأولى . وعلى قصائدها سوف أبني اجتهاداتي وآرائي ، متمهلاً عند الخصائص التالية :

1ـ توظيف الجزئيات والتفصيلات المهملة : لقد استمد الماغوط كثيراً من معطيات الواقع اليومي البائس والحياة العادية الفقيرة ، وكان مدركاً لقيمتها الفنية وواعياً لأهميتها الشعرية ، فتحدث في وقت مبكر نسبياً عن عنايته بها وتركيزه عليها في شعره ، فقال مرةً : " أنا أهتم دائماً بالجزئيات الصغيرة ، هي التي تشكل القضايا الكبيرة ، أنا ضد أن نعالج الأشياء من خلالا مظاهرها ، يجب أن نغوص في الأعماق ، على الكاتب أن ينزل إلى الزواريب ، إلى الحارات الفقيرة ، هذه هي الجزئيات التي أتحدث عنها ، قد أشاهد رسالة غرامية ملقاة على الأرض ، فأجد فيها مادة لأعالجها ." وفي حين يوحي هذا الكلام أن الماغوط ينتمي إلى المدرسة الواقعية ، فكلاهما يظهر الجانب البائس من الحياة الاجتماعية ، إلا أن الواقعية تهتم أكثر بالتصوير التسجيلي ، بينما هو يعتني بالانتقاء والاختيار ، ويجنح غالباً إلى اللمحات الدالة والإيحاء المبهم ، ومن الأمثلة على هذه الظاهرة قوله :

" أمي يا ذات النهد الملوّن كالأكواخ الإفريقية / أسرعي لنجدتي / تعالي وخبئيني في جيبك الريفي العميق / مع الإبر والخيطان والأزرار / فالموت يحيق بي من كل جانب / "

ومن الأمثلة الأخرى قوله : " طفولتي يا ليلى ألا تذكرينها / كنت مهرجاً / أبيع البطالة والتثاؤب أمام الدكاكين / ألعب الدحل / وآكل الخبز في الطريق / وكان أبي لا يحبّني كثيراً / يضربني على قفاي كالجارية / ويشتمني في السوق / " .

2ـ دمج الذات مع الواقع : يقول بودلير :" إن مهمة الشعر الحديث أن يخلق سحراً إيحائيّاً يحوي ـ في الوقت نفسه ـ الموضوع وصاحبه ، كما يحوي العالم الخارجي للفنان والفنان نفسه " وفي شعر الماغوط ، كثيراً ما نجد العالم الخارجي من خلال علاقته مع الفنان ، فضمير المتكلم يقترن مع جزئيات الواقع التي لا ترقى في نظر غيره إلى صعيد الشعر ، والتي يحصيها ويتتبعها ، ومن الأمثلة الدالة على ذلك قوله :

" كنتُ أطل على أرصفتها كل صباح / ما من حصاةٍ في الطريق / إلاّ وقذفتها بقدمي / ما من صنبور في حاراتها الضيقة / إلا وشربت منه بفمي / ما من حارس ليلي أو بائع صبار / في لياليها المقمرة / إلا وسامرته وسامرني / ما من مزلاج في أبوابها العتيقة / إلا وداعبته بجبهتي وأصابعي / ولكن ما من باب مغلق / فتح ذات ليلة / وقال أهلاً أيها الغريب/ " .

3ـ الصور الحسية المبتكرة : يمتلك الماغوط مخيلة فريدة ، فهي قادرة على توليد الصور ودفقها بشكل عجيب . وقد بنى قصائده على نوعين من الصور : الأول هو الصور الكنائية ، التي يقدّم فيها وصفاً حسيّاً غير مباشر لحالة من الحالات النفسية ، فهو يوحي بالحالة دون أن يسميها ، ويكون الوصف بمثابة معادل موضوعي لها ، بحيث تستثار الحالة كلما استعيد الوصف . ومن أمثلة ذلك تصويره للتوتر والقلق بقوله :

" في فمي فمٌ آخر / وبين أسناني أسنانٌ أخرى / يا أهلي .. يا شعبي / إنني أقرض خدودي من الداخل / ما أكتبه في الصباح أشمئز منه في المساء / من أصافحه في التاسعة أشتهي قتله في العاشرة / أصابعي ضجرة من بعضها / وحاجباي خصمان متقابلان /" .

والنوع الثاني من الصور ، هو التشبيهات الحسية التي يبتكرها ويستكثر منها ، وبرغم بساطتها تأتي مؤثرة ورائعة . ومن أمثلتها قوله :

" أنا طائرٌ من الريف / الكلمة عندي إوزة بيضاء / والأغنية بستانٌ من الفستق الأخضر / " وقوله : " النوافذ البعيدة تلمع كنظارات تغطيها الدموع / " وقوله : " حزني طويلٌ كشجر الحور / " أو " الأشجار المبللة تنوح كنسوةٍ مغتصبات / " وقوله " صوت البحر يعلو ويهبط كصوت عنق يذبح / " .

4ـ إيقاع السخرية : السخرية لدى الماغوط طبع من طباعه ، وسمة من سماته ، وهي تظهر في كل ما يخطه قلمه : في الزوايا السياسية ، والمسرحيات ، والمجموعات الشعرية ، وفي النصوص الكتابية التي جمعها في كتبه الأخيرة ، حيث يبدأ بخاطرة وينتهي بقصيدة أو يبدأ بقصيدة وينتهي بخاطرة , ولئن تداخلت الأجناس الأدبية في هذه الكتب ، لقد ظل العامل المشترك فيها إيقاع الماغوط الساخر ، والسخرية في رأي كثير من نقاد الغرب وسيلة فنية من وسائل التعبير ، تقوم على المفارقة واللقطة الذكية ، وإثارة الدهشة ، و القفلة الطريفة المفاجئة ، وقد صار قراؤه يتوقعونها في آخر كل نص ، فتفاجئهم بما لم يتوقعوه ، ومن الأمثلة التي تفصح عن هذه الظاهرة قوله :

" عندي كل شئ أيها السادة / نشارة خشب / صفائح فارغة / وعندي شعوب / شعوب هادئة وساكنة كالأدغال / يمكن استخدامها / في المقاهي والحروب وأزمات السير / ."

ومن الأمثلة الأخرى على السخرية قوله يخاطب السياب الذي مات مشلولاً أو كسيحاً :

" أيها التعس في حياته وموته / قبرك البطيء كالسلحفاة لن يبلغ الجنّة أبداً / الجنة للعدائين ولراكبي الدراجات / " .

5ـ المبالغات التعبيرية : يتقمّص الماغوط شخصية الإنسان العادي الساذج ، إذا جالسته فاجأك بطفولته وصدقه وعفويته ، وفي الشعر يقنعك بصدقه أو تأثره الشديد بحالة من الحالات ، أو انفعال عميق بواقعة من الوقائع ، فتظهر بعض المبالغات الناتجة عن تضخيم الأحجام والكميات ، وتكبير الأعداد والأرقام ، فهو يقول ـ مثلاً ـ في أحد المقاطع :

" وكنت أحبّك يا ليلى أكثر من الله والشوارع الطويلة /" . فيذكرنا بالمراهق الذي يصطنع كل الوسائل ويقسم بالأيمان المغلظة ليقنع حبيبته بصدق حبه لها ، أو يكثر من الأعداد الكبيرة كالآلاف والملايين فينثرها ـ هنا وهناك ـ بلا حساب ، كما في قوله :

" طالما عشرون ألف ميل بين الرأس والوسادة / لن أعود إلى المسرح بأصابع محطّمة / طالما عشرون ألف ميل بين الغصن والطائر / بين السنبلة والسنبلة / " . أو في قوله : "لأرى ملايين القطارات المسافرة / تلهث بين حاجبيه الكثيفين " أو قوله : " ملايين الإبر تسبح في الدم / ملايين الأسنان تصطدم في الشارع / " ولِمَ لا فذلك عنوان مجموعته الشعرية الثانية ( غرفة بملايين الجدران ) ؟ .

6ـ مفردات الواقع وتعبيراته : إنَّ انغماس الشاعر بالواقع ونأيه عن ( أبّهة ) التراث وجلال (الماضي ) ، جعلاه من أجرأ شعرائنا على توسيع دائرة المفردات العصرية ، المستمدة من الواقع اليومي المعيش ، وبخاصة الجانب المبتذل منه ، من غي التقليل بالجوانب الهامّة الأخرى ، لذلك تطالعنا على صفحات مجموعاته ، وفي كل لحظة مفردات مثل ( التبغ والبول والأفخاذ والصندل والقفا والرصيف والدحل والسجائر والساقطات والدود والجراثيم والشاي والمواخير والمغاسل والبصاق والمحارم والمراحيض ودورات المياه والتبرز والمراهم والباصات والروث والسراويل ...) وقد صفع بهذه المفردات الذوق التقليدي ، ومبدأ الكلمات الشعرية ، وخلق في الأدب ذوقاً جديداً وحساسية جديدة ، ولم يجد نقداً أو معارضة كالنقد الذي تعرض له صلاح عبد الصبور عندما استعمل كلمة الشاي وكلمة النعل في إحدى قصائده ( وشربت شاياً في الطريق ، ورتقت نعلي ) حين قامت الدنيا عليه في مصر ولم تقعد .

وإلى جانب هذه الألفاظ المستمدة من عالم الابتذال احتشدت قصائد الماغوط بعبارات نثرية مما تتداوله الصحف اليومية والناس العاديون في الشوارع والمطاعم والباصات،كما في قوله:

" أنا إنسان تبغ وشوارع " أو " ثمَّ يمد رأسه خارج النوافذ " أو " شربت قهوة وماء وتبغاً"

أو " مستعداً لارتكاب جريمة قتل " أو " منذ بدء الخليقة وأنا عاطل عن العمل / أدخّن كثيراً"

ومن أكثر المقطوعات التي تجمع بين المفردات والتراكيب والفلسفة المستمدة من عالم مبتذل قوله : " أفكّر أحياناً بالنصر والهزيمة / بالأبطال العظام / وهم يرفعون سراويلهم وراء الأسيجة / وهم يتثاءبون في دورات المياه / ما الفرق بين زهرة على المائدة / وزهرة على القبر / بين الخبز والتنك / بين النهد والمطرقة / بين أن يموت الإنسان على رأس حملة / أو يموت ,هو يتبرّز متثائباً في إحدى الخرائب ؟ / " .

وبعد .. هذه الخصائص التي عرضتها ومثّلت لها هي ـ في نظري ـ أبرز الخصائص الفنية في شعر الماغوط ، فهل تقترحون خصائص أخرى ؟ .

 

محمّد إسماعيل دندي /سلميه