عن الخوف والحرية وفيروز

العدد 2 - آب 2005 : مصطفى علوش
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 

ثمة بعض العلاجات الناجعة لدحر الكآبة: الغناء، شرب النبيذ، تأليف الموسيقى، كتابة القصائد، والتجول، هذا ما قاله هيرمان نفسه مرة وهو يتجول في متاهات النفس البشرية، نفسه ذاتها الباحثة عن قلقها وأرقها وأحلامها.

وتبدو نفوسنا المتعبة، القلقة، الخائفة بحاجة إلى محطات راحة، محطات استجمام تعيدُ فيها ترتيب مقاومتها، دفاعاتها الداخلية. وتبدو الحياة المشغولة بتفاصيلها الاقتصادية، مادة للموت أكثر منها مادة للاستمرار.

وتأتي فيروز في هذه اللحظات وكأنها أرض التفاؤل الأولى، أرض البحث عن غدٍ في زحمة الحاضر وعتمته.

وتصير أغنياتها فسحة لدحر الكآبة والحزن. وكأنها دوارنا الأبدي حيث لا دوار سواها. حلمنا الذي لم يتحقق ويعتلي صوتها سماء الروح ويعانق بحثها عن الحب.

فيروز أخت الحرية التوأم.. وعاشقة الحياة الأولى.

تأتي تفاصيل أغنياتها لتوقف الخوف الذي ولد معنا ولم نتمكن حتى الآن من إيقاف زحفه اللانهائي نحو حياتنا. ويُشتق السؤال من نعمة الحرية ذاتها لماذا نملك كل هذا الرصيد من الخوف؟

ومن أين جاء هذا الكم الهائل من الرعب إلى حياتنا؟

خوف من الغد، من الضيوف القادمين بلا موعد.

خوف من اللحظة الحاضرة. ومن الذاكرة الفردية والجمعية، كأن الخوف ابتلع تاريخنا الشخصي والعام.. وتنده فيروز.. يا دارة دوري فينا ضلّي دوري فينا. ويدور الخوف وتصير الحياة ركضاً لتأمين الاحتياجات الأساسية. ونصير نحن البشر مثل كائنات لا تملك خيالاً ولا حلماً.. نعمل، ونعمل. نأكل. وننام ونتناسل. ونموت كما تموت الحجارة.

ونعود إلى معاجم علم النفس ونظرياته الإشراطية والسلوكية والترابطية والوظيفية، لنبحث عن أجوبة، تريحنا. تقدّم لنا تفسيراً لما نحن فيه من خوف. ولا جواب يقنعنا لأن الخوف مستمر.

الغني.. تزوده أرصدته ببعض الأمل.

والشاعر يستمد تفاؤله من نغمة قصائد.

واللصوص. يأتي استقرارهم من قدرتهم على الثراء المفاجئ.

ونحن البشر العاديين الذين جئنا بغتة بدون مواعيد مسبقة وولدتنا أمهاتنا في الطريق إلى البيدر نحمل خوفنا كما يحمل العاشق عشقه. نحمل خوفنا وكأنه رصيدنا الأبدي المنذور لنا..

ولأن التفاصيل هي نسيج الحياة. يستمر السؤال. في البحث عن أجوبته.

ولأن السياسة والعمل فيها في بلادي تشبه طبخة الحجارة لا أود الاقتراب منها لتفسير هذا الخوف المتربع على أبوابنا ونوافذنا.

وسأكتفي بسرد قول محمد الماغوط وهو يتذكر السجن: في السجن انهارت كل الأشياء الجميلة أمامي. وسقطت جماليات الحياة. ولم يبق أمامي سوى الرعب والفزع، فقد فوجئت بالقسوة والرعب وبضغوط قاسية على شخصي الضعيف. إذ لم أكن مؤهلاً آنذاك نفسياً وجسدياً، لما تعرضت له من هوان وذل، وكان السجن المبكر هو بداية صحوة الشباب، وبدلاً من أن أرى السماء، رأيت الحذاء، حذاء عبد الحميد السرّاج وهذا ما أثر على بقية حياتي.

وأعود إلى علاجات هيرمان هيسه الناجعة المتعلقة بدحر الكآبة وأختار التجول حلاً للهرب من الكآبة. حيث الفسحات الخضراء تهرب من الروح. رويداً. رويداً ويحتل القلق ما تبقى من زوايا الذاكرة. وفي الطريق إلى الذاكرة الأولى حيث رائحة التراب والمطر، والفقر والتشرد وأول حرف نطقته بعد صراخ الولادة. أجد خيمة معلقة كانت تحمينا من قيظ الصيف. وتحتها عرفت معنى البؤس والتشرد. وتحتها فقدت الأمان إلى أجل غير مسمى.

خيمة البؤس تلك، هي كوخنا الذي عشنا فيه سنوات ونحن نبحث عن الاستمرار والبقاء في هذه الدنيا، وهناك نهض الخيال نحو سماء المستقبل، لتصير فيروز جعبة ودّ وأمل وحب ولتصير الحرية مفردة لغوية نقرؤها ولا نحياها..

وسوف أكتشف في ذلك الكون حدود جسدي وروحي. وبعد ذلك اكتشفت أن حدودي ضيّقة جداً ورأسي لن يقفز نحو الأعلى إلا للدعاء على الذين جعلونا ننسى طعم الأمان.

وتختلط الذاكرة والخوف وفيروز والحرية، والخبز والكوخ، لتنتج قصيدة أو رواية أو لوحة تشكيلية ويموت الحب الداخلي في بحثه عن ذاته، لتنهض الروح بعد ذلك وهي ترسم أرقها وقلقها. وتتذكر قول هيرمان هيسه: إن مطمحي هو أن أبقى بغير ما رضا، وأن أملك القدرة على تحمل كل هذا القلق.