العدد الحادي عشر - آيار 2006

محمّد الماغوط .. ما يشبه الرثاء

غياث الماغوط
الاربعاء 7 حزيران (يونيو) 2006.
 

" هذا النص موضوع قبل وفاة الشاعر

 بمدة زمنية طويلة نســــبياً وهـــا أنا

 أدفعه للنشـر كما كُتب حينها تماماً "

 

بعد أن جرّدهُ أطباء الأسنان من أضراسه وأنيابه، والموت من إلهه الكستنائي الشعر، وألم الظهر من شوارعه وأرصفته ، ومزاجه من أقرب الناس إليه ، وولعه بالحرية من المقاعد الأولى في حفلات النصب والقمع والاحتيال، وعشقه لبلاده من بقايا غبارها الذي يعلق بالقدمين.

بعد هذا كلّهُ ، أقفل محمد الماغوط باب بيته واتكئَ على أريكته عاطلاً عن الوطن كإلهٍ لم ينهِ بعد دراسته الابتدائية .

أربعة أشهرٍ مرّت لم يقرأ فيها الماغوط سوى وصفات الأدوية بعد أن كان يقرأ طالع البلاد من فنجان قهوته الصباحي ولم يكتب أيَّ شئ .

" بشرب وبتشائم " هكذا يقدّم لك الماغوط آخر أخباره ، فيا أيّها الناس انتبهوا فهذا الرجل إذا تشاءم فإنَّ كارثةً ما ستحدث حتماً ، وهذا الشاعر إذا لم ينم الليل كما كان حاله في آخر مرّةٍ قابلته فيها منذ أيّام فهذا يعني أنَّ مصيبةً ما يتم تفصيلها على مقاسنا في ضوء القمر .

لقد شاخ النسر ، ولم يعد جناحاه قادران على التفاهم مع رياح العولمة، وأعاصير الأصوليّة، ونسائم التغيير، ولافتقاره بات صالحاً للعمل بعد كل ذلك النقر في هذه الصخرة التي لا ترحم ولا تدع رحمة اللّه تنزل .

محمد الماغوط .. يلزمنا موتك كي تكتمل جريمتنا، وتنقصنا أنفاسك الأخيرة كي نضمن فوزنا في مباراة التخلّف .

محمد الماغوط.. لقد أخطأت في التصويب، فأمتنا لوت ذراع ابن رشد، وداست على رقبة ابن عربي، وخلّت - اللي ما يشتري يتفرّج - على الحلاج، ونشّفت الدم في عروق ماركس، وشربت من دم انطون سعادة ثمَّ غرست كعب حذائها في صدر كمال خير بك وناجي العلي وأمل دنقل ، وأوقدت النار فينا ثمَّ شوّهتهم أمام أعيننا .

محمد الماغوط.. في غيابك ماتت سلمية والورثة سرقوا عينها الزرقاء وأقراطها الفاطمية ، ولم يحسبوا حسابك إلاّ بالغبار .

ويا أبو شام لقد بلّطوا بردى ، ومقاهيك صارت ملاهي لتطبيق الأوطان تمهيداً للنوم معها .

وإلى كل من تهمه أخباره، نعلمكم بأن محمد الماغوط ينفّذ الآن شيخوخته وحيداً جزاءاً لهُ ، وليكون عبرة لسواه ممن تسوّل لهم نفوسهم اقتراف وطن في هذا الوطن وارتكاب حب في هذه الأمّة .

 غيّاث الماغوط - سلمية