العدد الحادي عشر - آيار 2006

أهلاً بطائر الفينيق

كمال حمودي
الاربعاء 7 حزيران (يونيو) 2006.
 

محمد الماغوط في ربوع سلمية، أهلاً بك أيها الكبير.. الكبير.

أهلاً بطائر الفينيق، العائد إلى حضن التراب، العائد بعد شوق طويل إلى أهله ومحبيه و.. (عاشقيه)؟؟ (عاشقي أدبه) الساخر حتى الدّمع، والقاهر حتى البكاء؟؟ محمد الماغوط ماذا عسايَ أكتبُ عنكَ.. وفيك؟ أيها الراحل الكبير، مسرحك أصبح في كل بيت، وشخوصك تعيش مع الناس، مقالاتك الساخرة المرّة، لسان حالهم أبو شام قصيدة النثر تبكي عليك؟؟ وأنت الأب الروحي لكل ما كتب.. نثراً، وبشهادة الجميع من قرّاء ونقاد، ومن مصادفات القدر الجميل، أن يكون إلى جانبك شاعرين (رضعا نفس الحليب.. من صدر سلمية)؟؟ وهما سليمان عوّاد وإسماعيل عامود أبو فداء.. الباكي على فراش المرض، وكم آلمه أن لا يكون إلى جانب المحتفين بعودتك وإن في صندوق خشبي ـ وا أسفاه ـ.. والنازف بصمت وهدوء ودون ضجيج؟؟ يقول لي بعد أن قدّمت له واجب العزاء برفيق دربه في عالم الإبداع والحياة.. [يا أخ كمال ليعرف الناس أنّ البقاء للأنقياء، عزائي بأنّ قصيدة النثر ـ نتصرت ـ؟؟ كما باقي الأشكال الأدبية الجميلة، ـ ليعرفوا ـ؟؟ أن الشعر الجميل يعيش مع الناي من أيا كان لونه أو مدرسته ـ].

نعم كان محمد الماغوط ـ الرائي الذي لا يكذب أهله ـ حمل هموم الفقراء، والمعوزين، والجائعين لكل شيء؟؟ بداً باللقمة، وانتهاءاً بالحقيقة؟؟ حمل هموم الشرفاء؟؟ الذين لم تلوث أيديهم، ولا ضمائرهم؟؟ وكل ما في الأرض والسماء وأعماق المحيطات هو للوطن.. والوطن لبضعة لصوص لا أريد فلسطين ناقصة زيتونه واحدة.

محمد الماغوط تناول ـ حصته ـ من هذا الوطن وهو ـ يزحف ـ وراء أمه المنصرفة عنه دوماً للواجبات المنزلية التي لا تنتهي ككل أمهاتنا ـ المعذبات ـ ما تناول من تراب ـ العتبة ـ والغبار العالق بين يديه؟؟!!

محمد ممّن حملوا الماء إلى الطواحين، والكروم، و ـ الزوّادات ـ للبيادر، وأقاصيص وحكايات لا بداية لها ولا آخر للعشاق الخائفين؟؟ للجنود، لبسطاء الناس، وعزاؤه الوحيد أنه خلق لهذه المهمّة.. ومع ذلك لن أرحل.. ولن أبرح مكاني قيد أنملة.. كما يحلم يهود الداخل والخارج.. وسأتشبّث بالأسلاك الشائكة.. والحدود المكهربة.. حتى ولو تفحّمت عليها.

وبالعودة إلى الماضي الجميل.. كانت جدّتي ـ أم عبد الله ـ تصرّ على اصطحابنا إلى المسجد الأول القريب من حارتنا وأكثر ما كان يشدّني إلى ذلك المكان الجميل، حبّ الاستماع إلى تراتيل دينية، صوفية، تفوق في جمال أدائها.. أداء أرقى المنشدين؟؟ بصوت الشيخين علي عوض ـ أبا حسين وعيسى الماغوط ـ أبا محمد ويبدو أن الشاعر الكبير قد ورث عن أبيه النقاء والصفاء الروحيين منذ تلك المرحلة، وعن أمه العطاء بلا حدود؟؟ ومن سلمية حمل معه الشقاء الذي عاشه في طفولته، و ـ الطيب ـ الذي هو سمة بارزة لأهل مدينته، وقد رافقته هذه المفردات، حتى آخر أيام حياته، كارزا، ومبشّراً على طريقة القدّيسين؟؟ المجنون يحطم فيرتاح.. وأنا أبني فأتألم خمسون عاماً وأنا أترنّح ولم أسقط حتى الآن.. ولم يهزمني القدر.

أتذكر والدة الشاعر ـ رحمها الله ـ وقد كانت تحمل كرسيها الخشبي لتجلس عليه عند باب الزقاق أتذكر ذلك الوجه المضيء، وتلك العيون الزرقاء النقيّة، والوجه الطافح بالسماحة والمحبّة كتب لها ذات يوم أيتها العجوز الرّاقدة بثيابها وحذائها وتجاعيدها ومفاتيحها في حزامها.. ألم تشتاقي لطفلك العجوز البعيد؟ إنّني جائع يا أمي.. من عروة القميص أرى أطراف أحشائي.

لقد عاد إليك محمد الماغوط يا أم محمد، عاد في ثياب الوطن، محمولاً على أكفّ الناس الطيبين الذين كتب لهم، وعاش معهم، من أبناء مدينته الأجمل ـ سَلمْيَةْ ـ سَلمْيَةُ التي بقيت كالنّبض فيه إلى أن جفّ الزّيتُ في عروقه، وقد أوصى أن يُزرَعَ في ترابها، بين أهله، ورفاق طفولته، الذين توزّعوا أمكنتهم قبله، ومن بقيّ منهم يداري دموعه ما استطاع.. أهلاً بك يا أبا شام، تعود إلى بيتك الذي لم تسكنه؟ وقد أصبحت كل البيوت لك، ـ ملاقاة ـ أخرى لإمام الفقراء والمشردين، وأنت القائل فيهم وحدهم الفقراء يستيقظون مبكرين حتى لا يسبقهم إلى الشقاء أحد..

أهلاً بكَ في سَلميَة التي أنجبتك شاعراً، تجوب الآفاق بعزفك الفريد، وتعود اليوم إلى حضنها الدافئ، إلى التراب الذي أحببت؟؟ عسى أنْ تنبعث منه مجدداً، في مقبل الأيام، كطائر الفينيق.

كمال حمودي