العدد الحادي عشر - آيار 2006

ينام الآن بين حقولها

هانيبال عزوز
الاربعاء 7 حزيران (يونيو) 2006.
 

عادَ محمد الماغوط بعد طول غيابٍ إليّها ... متأبطاً صرَّته التي أخرجها معه في أول رحلةٍ عنها ... مخفياً حنينه في جيوبه المثقوبة دائماً .. وعلى قدميه الحافيتين لم يزل طين شوارعها.. وفي رئتيه غبارها المعشش أبدا..

يردد أغانيه الساخرة من القهر والقمع والبرد .. وهو يلوّح براحته من بعيدٍ لأشجارها وفقرائها وعشاقها.

عادَ وقد خلّف وراء مواكبه الطويلة روحاً فردت أجنحتها باتساع مرامي الوطن... وتمردا لم يزل يضرب  الجهات حاملاً سخطه وسعاله .. وأسرى يفكون قيودهم بأسنانهم... ليموتون حنينا إليها .

عادَ إلى من أحاطها الغبار والحزن والرعب والأطلال.. ذاتها الأشياء التي كانت تنزّ من بين سطوره وترعف من وجع الفكرة.

عاد إليها في فرحٍ ..فخرجت لاستقباله .

خرجت سلمية التي "لا ترتدي شيئا تحت كرومها" لتستقبله وهي تشير بدمعها لتدل الأجيال وتقول لكل المحتشدين مِرارا : ذاك حبيبي

عاد أخيراً.. لكن الموت كان التوقيت الرسمي لكلِّ لقاءات أحبتها...

فاعذروها إن كانت قد أجهشت بالبكاء تلك الليلة ...ربما لأنها لم تنم مرة بأمان إلا بعد أن لفّها بشعره وحنينه..

أما الآن فإنها تلفّه بذراعيها..لينام مرتاحاً بين حقولها....

........................................

حين مررنا بالقرب من المقبرة لندفن دهشتنا قربه.. رأينا الشعر يحوم حول القبر يشمُّ بقايا الحروف ويلثم وجه التربة كأيّ حصان وفيّ يحمحم في وجعٍ ويصهل كأنّما يودع صاحبه المقتول..

 

هانيبال عزوز