العدد الحادي عشر - آيار 2006

عربة الملك.... والرحيل الأخير

اسماعيل عامود
الاربعاء 7 حزيران (يونيو) 2006.
 

ثلاثة شعراء، كتبنا ومارسنا قصيدة النثر الشعر المنثور ازدلفنا في دمشق ـ سليمان عواد، ومحمد الماغوط، وإسماعيل عامود، محمد الماغوط كان يؤدي الخدمة الإلزامية عام 1950 ـ وكنّا نجتمع ثلاثتنا في مقهى الهافانا وقبل أن ـ ينحدر ـ محمد الماغوط إلى دمشق، كان يرسل مقطوعاته النثرية قصيدة النثر إلى صديقنا الحميم أودنيس ـ علي أحمد سعيد اسبر وكان أدونيس يعمل محرراً في مجلة الجندي التي تصدر عن الشعبة الثانية في رئاسة الأركان العامة للجيش السوري كانت مجلة الجندي قد ظهرت في الأول من آب عام 1946 وكان أدونيس بصفته محرراً ومكتبه قريب من مكتبي، كلما زرته يريني مقطوعات محمد الماغوط ويقول لي: انظر ما يرسل ابن مدينتك إلينا، كنت أقرأ تلك القصائد بشغف وكانت تنشر في مجلة الجندي، ومن هذه القصائد بالعودة إلى الأرشيف الخاص قصيدة دمعة وانطلاق نُشرت في العدد ـ 95 ـ السنة الخامسة لمجلة الجندي ـ دمشق في 1/ 9/ 1951 ـ ومقطوعة ليالي المجد التي نشرت في العدد ـ 97 ـ عام 1951 ـ ومقطوعة الذكرى في عدد 1/ 11/ 1951 ـ وعندما استشهد أنطون سعادة في 8/ 7/ 1949 كتب محمد الماغوط مرثية نثرية بعنوان ذكراك في قلبي إلى الأبد وأهداها إلى من جثم فخوراً في ساحة الشرف ـ زعيمي سعادة إذ نشرتها مجلة الدنيا لعبد الغني العطري يوم 11/ 9/ 1950.

لحظتُ أن أسلوب محمد تغير قليلاً عن أسلوب السابق ـ المرّمز ـ إلى أسلوب قريب من الواقعية الملونة ـ بانفعالات شاعر يتحسّس كلما يجري حوله، وإذا به يظهر في مجلة النقّاد لفوزي أمين، وفي نفس الفترة الزمنية نقرأ له: النهر الحزين ويقصد ـ بردى ـ وكانت قطعة مثيرة ومغايرة في التعبير لكل ما كُتب عن نهر بردى في الشعر، صورة ومضموناً، وبعداً شعرياً، إذ كان رئيس التحرير الأستاذ سعيد الجزائري الصديق الذي أعاد نشر نسخة جديدة في نفس المستوى لمحمد الماغوط تحت عنوان في باب توما وكان محمد عبر لقاءاتنا في الهافانا، وانتهاء خدمته الإلزامية يعمل محرراً ي جريدة الرأي العام لـ أحمد عسّه، يكتب في الصفحة الأولى مقالاً تحت عنوان بالعربي الفصيح ويزّيلها بتوقيع ـ فصيح ـ كاسم مستعار، وبصفتي كنت في الجيش، كانت لقاءاتنا منقّطعة، وكات أدونيس في هذه الأثناء يحرر في جريدة ـ الجيل الجديد ـ الذي استبدل اسمها فيما بعد ليصبح ـ البناء ـ الناطقة باسم الحزب السوري القومي الاجتماعي ففي أيام الجيل الجديد، وفي أول برنامج إذاعي ـ كان أديب الشيشكلي رئيساً لهيئة الأركان العامة ـ قد قدّم هذا البرنامج ـ كبير المذيعين ـ يحيى الشهابي قصيدة من ستة أبيات كافتتاحية.

وأعاد أدونيس نشرها في الجيل الجديد، بعدها ونتيجة ظروف الخدمة والعمل ابتعدت قليلاً عن دمشق وعن محمد الماغوط وسليمان عواد، إذ كنّا نحن الثلاثة نخوض في قصيدة النثر كتابة ونشراً، كان سليمان عواد ينشر في مجلة الأديب بينما كنت أنشر في مجلات دمشقية هي ـ الرقيب ـ الفن والراديو لـ محمد عثمان شحرور عامي 1948 ـ 1949 بداية.

أُعيد بأن محمد في تطويره لقصيدة النثر بين الواقعية والوجدان والشفافية، كان يجذبنا جذباً وجدانياً حاراً لقراءة شعره النثري ونجاحه عندما ظهرت مجلة الآداب لصاحبها ـ سهيل أدريس ـ والتي ظهر عددها الأول عام 1953 ـ قرأنا له على صفحاتها مقطوعة أشرعت الانتباه ـ اعنب المر ـ بعدئذٍ ظهر ديوانه الأول عن مجلة شعر، وكان محمد حينها قد سافر إلى بيروت ـ واجتمع بيوسف الخال وأدونيس وبعض الرفقاء، وكان اسمه حزن في ضوء القمر وأظن أن هذا العنوان الجميل ـ متكئ ـ على فليم سينمائي للممثلة نانسي كوان ـ وعنوانه ـ نشرب الشاي في ضوء القمر.

محمد الماغوط في ديوانه الجديد طور أسلوبه التعبيري الأدبي مع لمسات بسيطة قد تكون ساخرة أحياناً.. المهم أن محمد بعدئذٍ في مجموعاته اللاحقة قد مال إلى السخرية والتهكم والنقد اللاذع على أوضاعٍ ما.. قد تكون سياسية أو اجتماعية على إننا.. نحن الثلاثة ومن خلال ما كتبنا كان فيه أشياء تتعلق بالأوضاع التي مرّ ذكرها ولكن في أسلوب معتدل أحياناً، ومتمرد أحياناً أخرى، وفوضوية.. راجع شتاء وأغاني بوهيمية لسليمان عواد، وكآبة والتسكّع والمصر لإسماعيل عامود.

ويثابر محمد الماغوط في الكتابة للمسرح بشكل لوحات ناقدة وفيرة للجدل بعمقها التعبيري وسخريتها الحرة، لكن من خلال هذه التعابير هناك بعد ملّون في الإصلاح والبناء إذ نحن نهدم لنبني صروحاً، ولا نهدم للتّشفي.. هكذا كنّا ومحمد الماغوط قلفونتنا وربابتنا الريفية، التي غزّ عليها نبضات قلوبنا المتيّمة بالحبيبة المتوارية في مخدعها المتواري، بعدها كنّا نلتقي في شوارع دمشق المرحة، وكان محمد يعرج في إحدى المرات، متسكعاً، شريداً، ولما سألته لمَ أنت تفصع يا محمد فأجابني من كثرة ما سكنّا في الأقبية؟! وبعد كل هذه الرحلة الطويلة، يعود محمد إلى مدينته سلمية، وهو يمتطي حصان قصيدة انثر.. الجامح، وقد انكسر رمحه الذهبي؟! ولكن ظلّ صوته العالي المعبّر عن قضايانا وعن مشاكلنا ومشاكساتنا في مدينة الشمس والغبار والفَزَع ـ؟! سلمية بينما سقطت دموع من أنجم الثريّا تبلّل ربيعنا وتفي لمحمد الماغوط من خلال أجراسها الوردية بالأذن من راجو ولكني أراه يركب بنات نعش التي يسميها الفرنسيون.. عربة الملك.